وأنا أقلب صفحات المقالات وقع نظري على مقال للكاتب الجزائري زكي التلمساني أحببت أن أفتتح بفقرتين منها الحلقة الثانية..
الشيخ عبد الحميد بن باديس ... يخبرنا عن خراب الاستعمار فيقول:" قلّبْ صفحات التاريخ العالمي وانظرْ في ذلك السجّل الأمين هل تجد أمة غُلبت على أمرها، ونكبت بالاحتلال ورزئت في الاستقلال ثم نالت حريتها على منحة من الغاصب وتنازلاً من المستبد ومنّة من المستعبد .. كلا، فما عهدنا الحرية تعطى، إننا عهدنا الحرية تؤخذ، وما عهدنا الاستقلال يوهب ويُمنح، إنّنا علمنا الاستقلال يُنال بالجهاد والاستماتة والتضحية، وما رأينا التاريخ يسجل بين دفتي حوادثه خيبة للمجاهد، وإنما رأيناه يسجل خيبة للمستجدي."
لعلّ من أوْجبِ الواجباتِ التي علينا نحو شعوبنا أن نقرأ لها تاريخها المصفّى الذي به مادة حرّيتها ورفعتها، فنستخلصها لها ونسقيها إياها خالصة كبصائر لكل سائر، و منائر لكل ثائر، سلبت منه أرضه وقصدت عقيدته ولغته وتاريخه، فلابدّ وأنْ يكون فيما بين يديه من أخبار ما مضى من النماذج التي يتأسّى بها حتى لا تزِلَّ له قدم، ولأنّ التاريخ عجلة تدور لتعود إلى مبدئها، وأعداء هذه الأمة يتداولون المهام بينهم بحسب كبيرهم الذي علّمهم الشرّ، فلا خلاف بينهم إلا في مسمّياتهم.
وبالعودة لمَن قال معي ونقشها في صدره (أنا حرّ يأبى الاحتلال) بعدما قرأ واستقرأ واقتنع بالحلقة الأولى من المقال.. أقول له لقد ترتبت علينا مسؤولية وأمانة يجب القيام بها وأداؤها ولو بأقل درجات الأداء.
ولا تدع للشيطان فجاً فيغويك.. لتبرر لنفسك وتقول دعوني وشأني وحالي كي أعيش.. لا تحملوني المسؤولية والأمانة فالأهم العيش الرغيد دون هموم أو واجب أو تكليف..!! واسمح لي هنا أن أقول إن قفصاً تعيش فيه دون هموم أو واجب أو تكليف وفتات الطعام يرمى لك بين الحين والحين.. فماذا ستسمي هذا العيش؟
فما نيل المطالب بالتمني **** ولكن تؤخذ الدنيا غلابا
فطريق الحرية والعيش الكريم والمحافظة على الأموال والأعراض لابد له من تحمل مسؤولية وصعاب وتضحية حتى لو كانت قليلة (فالحرّ يأبى الاحتلال) إن تمسكت بها وعضضت عليها وصبرت من أجلها وحدثت نفسك بها باستمرار فهذا خير، وتكون بذلك قد وضعت لبنة ودعماً وجهداً وموقفاً في طريق التحرير والعيش الكريم، وهذا ما قدمنا له بأقل درجات أداء الأمانة.
وان علت الهمّة وعزمت على تقديم المزيد.. فانظر حولك ستجد رجالاً أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعاً سجداً يبتغون فضلاً من الله ورضواناً... نذروا أنفسهم وقدموها في سبيل الله ضحوا بالغالي والنفيس لله ثم من أجلي وأجلك تحملوا العبء الكبير واختاروا سنام الأمور.. حفاظاً عليّ وعليك وحفاظاً على الأرض والثروات والأعراض.. متعاهدين على المضي في القافلة ليبلّغهم الله لما ساروا في سبيله وضحوا من أجله من نصر الدنيا وثواب الآخرة. وهؤلاء كثر بفضل الله واليوم جاءت مرحلة دعمهم وتأييدهم والوقوف معهم ومساندتهم ومشاركتهم مقاومتهم بما تستطيع لتحضى حضوتهم في الدنيا والآخرة.
ولا ننسى أننا نعيش عمراً محدوداً ولن نخلد أبداً، وقد قيل: (عنـدما نعيش لذاتنـا تبدو الحياة قصيـرة وضئيلـة أما عنـدما نعيش لغيـرنـا .. فتـُصبح الحيـاة طويلـة وعميقـة). ولا ننسى أننا نعيش وسط أسرتنا وأقاربنا وعشيرتنا وجيراننا ومنطقتنا ومحافظتنا ومجتمعنا وبلدنا.. فما الذي سنقدمه ونسطره لأنفسنا من سيرة في ذاكرة هؤلاء؟ فكلّ شيء يقدّم أو يقال سيُذكر وسيشهد عليه الشهداء.. إن كان خيراً أو غيره.. إن كان موقفاً يدعو للفخر أو تضحية تروي الأرض أو كلمة تُسجل في ذاكرة التاريخ... كل ذلك سيعيش ولن يموت مهما طال الزمن.
أخيراً لنعيش معاً هذه الهمسات المكنونة والموجودة في دواخلنا لنحفزها ونطوّرها ونتعاهدها بالرعاية ونوقضها فيمَن حولنا ممن نحبّ لهم الخير.. فهي طريق الخير والعز والفخر والفرج القريب بإذن الله.
فقم يا ابن البلاد اليوم وانهض **** بلا مهل فقد طال القعود
و قل يا ابن البلاد لكل لصٍ **** تجلّى الصبح وانتبه الرقود.
لن تحجب الشمس بغربال... فالحرّ يأبى الاحتلال. (الحلقة الثانية) حامد الخزرجي
