ككل منتسبي مهنة الصحافة في عالمنا العربي، يغرينا الكلام الجميل عن حرية الإعلام الذي تفيض به في مثل هذا الوقت من كل سنة بمناسبة (اليوم العالمي لحرية الصحافة) منابرُ الغرب مكتوبة ومسموعة ومرئية وإلكترونية،
ويجد له في منابرنا أصداء واسعة، فتأسرنا الخطابات بمنزعها "الإنساني" وبحرارة "غيرتها" على الإعلام وأهله، و"نضاليتها" بوجه أشكال الرقابة والتضييق على الحريات، وتحاصرنا الأرقام و"الإحصائيات" المضمنة في التقارير عن نجابة هذه الدولة أو تلك في اجتياز اختبار حرية الصحافة أو السقوط فيه بمقاييس الغرب التي لا يرتضي شريكا في ضبطها وتحديدها.
وإن المتلقي العادي خالي الذهن من الخلفيات، والإعلامي المبتدئ، ليعتدّ بمثل ذلك الخطاب حتى ليغدو من مردديه والمروجين له، غير أن المراقب الحصيف والإعلامي الذي عركته التجارب وقارع الأحداث الجسام التي هزت العالم ومنطقتنا العربية، واتخذت خلال العشريتين الأخيرتين منحى دراماتيكيا، لا يستطيع عقله أن يُسْلِمَ القياد بسهولة لمثل تلك الخطابات الغربية المتوهجة عن حرية الإعلام وكرامة الإعلاميين دون أن يتوقف عندها مقارنا متأملا متسائلا عن مدى صدقيتها وسلامة نوايا أصحابها، بل حتى نظافة أيدي صناع القرار في الدول التي تصدر عنها من "دم" الإعلام وأهله.
وإن من أوكد الأسئلة في هذا المجال: هل حقّا توجد في الغرب حرية إعلام بالمفهوم الإطلاقي المروج له؟.. وبصيغة أوضح: هل تمكّن الغرب من تحقيق الحرية الإعلامية بشكل مثالي يتيح له أن يتبوّأ منزلة من يعطي دروسا في المجال؟.
الإجابة هي قطعا لا، فالوقائع التي تفند ذلك قطعيا كثيرة، والعوائق في طريق حرية الإعلام في الغرب كبيرة ومستعصية عن الإزالة؛ لأنها ببساطة تتصل بالنظام أي "السيستم" ذاته.
إن ارتباط القوة الإعلامية في الغرب بالقوة المادية أمر مسلّم به، إذ يسيطر رأس المال على أكبر منابر الإعلام هناك، ويوظفها لخدمة مصالحه السياسية والاقتصادية، يُبرز من الوقائع ما يناسبه، ويغيّب منها ما لا ليس كذلك، ويكيف الحقائق على هواه، بل إنه يعمد إلى صنعها حين لا تتوفر بالشكل المطلوب.
وإن المقدرات المادية الهائلة للقائم من وسائل الإعلام الغربية تجعل من الإعلام في الغرب أشبه ما يكون بناد مغلق للأثرياء.. صحيح أنه لا أحد يمنعك قانونا من فتح صحيفة أو إطلاق فضائية ما دمت ملتزما بمنظومة عامة من القيم، لكنك إن فعلت فلن تستطيع منافسة عمالقة الإعلام الذين يمتلكون من الأموال والنفوذ ما يجعل مؤسساتهم أشبه ما تكون بدول داخل الدول، توجه الرأي العام، وتكيف السياسات، وترفع من ترضى عنه إلى سدة القرار.. فهل في ضوء كل هذا يمكن الحديث عن ديمقراطية الإعلام في الغرب؟..
وإذا كانت الدولة في الغرب لا تفرض الرقابة على الإعلام، فلإنه يوجد من يتولى الدور تلقائيا صونا لمصالحه ودفاعا عنها، أي رأس المال ممثلا بالشركات الإعلامية الضخمة، وبذلك أفلت قطاع الإعلام في الغرب من رقابة الدولة ليقع أسير براثن القطاع الخاص.
وحتى على مستوى الدول، فإن الطابع النفعي في التعامل مع الإعلام ومع الحريات عامة، أمر ثابت.
فعلى مدار السنوات الأخيرة لم تتردد دول غربية كثيرة في التضحية ببعض الحريات بما فيها الإعلامية في نطاق ما يعرف بالحرب على "الإرهاب". وتفهّم "مشروعية" هذا التصرف أمر واقعي حين تكون التهديدات فعلية، لكن ما لا يمكن تفهمه أن ذات الدول تقيم الدنيا عويلا على الحريات حين تلجأ دول من خارج الدائرة الغربية إلى استخدام ذات الحق، صونا لأمنها ودفاعا عن مصالحها.
فقد كشفت صحف بريطانية أن رؤساء أجهزة الاستخبارات في المملكة المتحدة وضعوا خططاً سرية لمراقبة المكالمات الهاتفية واستخدام شبكة الإنترنت، وأن مركز قيادة الاتصالات الحكومية يعكف على تطوير تقنية جديدة لاعتراض ومراقبة جميع الرسائل الإلكترونية وزيارات مواقع الإنترنت والشبكات الاجتماعية والمحادثات الهاتفية عبر الإنترنت والهواتف الأرضية والنقالة، وأن مقدرات مادية ضخمة رصدت للبرنامج المسمى "التحكم بالإنترنت" تبلغ مليار جنيه استرليني.
إن الغرب الذي يرصد الأموال الطائلة، ويستخدم خلاصة تقدمه التكنولوجي في مراقبة مواقع الأنترنيت، هو ذاته التي يطرد بلدانا من "جنة" الحريات الإعلامية حين تضطر الى حجب مواقع أنترنيت تمثل أحيانا تعديا على الكرامة الإنسانية باستهدافها أشخاصا معينين بالإسم، بل من المواقع ما يحمل تحريضا واضحا على دول بعينها ودعوات صريحة إلى مقاطعتها سياسيا وإلحاق أفدح الأضرار بها اقتصاديا.
إن كثيرا مما يقترحه الغرب من الحريات الإعلامية سطحي يتعمد الانصراف عن الجوهر إلى الهوامش.. فهل من الحرية الإعلامية أن يستخدم مصورون مهووسون أرقى الوسائل التقنية بما فيها الطائرات العمودية لمطاردة بعض المشاهير والتجسس على أدق تفاصيل حياتهم الخاصة للظفر بصورة تحقق الإثارة، وتلفت الانتباه، وتدر العوائد المادية؟..
لقد كشفت الكثير من الأحداث التي كانت منطقتنا مسرحا لها تباعد الهوة بين ما يرفعه الغرب من شعارات الحرية وبين ما يمارسه فعلا..
نقول هذا وفي الذاكرة كل ما فعلته الولايات المتحدة - قائدة "العالم الحر"- للتعتيم على فظاعات حربها في العراق التي بلغت ذروتها في توجيه قذائف الدبابات باتجاه فندق كان عسكريوها على علم مسبق بأنه مقر إقامة الصحفيين.
.. نقوله وفي الذاكرة أيضا ضرب "إسرائيل" -التي هي وفق التصنيف الغربي "الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط"!- مقر إقامة الصحفيين خلال الحرب الأخيرة على قطاع غزة.
.. وفي الذاكرة أيضا ما هو أفظع وأشنع: صورة جسد الزميل فضل شناعة المصور الصحفي الفلسطيني وقد مزقته قذيفة من دبابة "إسرائيلية" أطلقت عليه بشكل مباشر ومن مسافة قريبة..
هكذا هي "حرية الإعلام" كما يروج لها الغرب، حين تواجه حرارة الأحداث تنكشف مجرد فزاعة ترفع في وجه "المغضوب عليهم" من الدول والأفراد قصد الضغط وتحسين شروط المساومة.
أما إذا اقتضت المصلحة الغربية، فلا ضير من تبييض وجه أي كان وتبرئة ساحته مهما اتى من جرائم لا تحتاج إلى براهين، وهو ما مارسته آلة الدعاية الغربية لصالح "إسرائيل" على مدار عقود من الزمن.
إنّا كإعلاميين ملتزمون بحرية الإعلام، وتعدد مشهده.. وإن ما تقدم لا يعني انتصارنا لأية ممارسة تمس من ذلك وتقيده، وذلك لقناعتنا التامة بأن إعلاما حرا متعددا يخدم الأمة، ولا يضر بمصالحها.
لكن الإعلام الذي ننتصر له هو الإعلام المسؤول الذي يحفظ حقوق الأفراد ومصالح الأوطان، ولا ينخدع ببكائيات الغرب الزائفة على الحريات التي لا يراها إلا بقدر ما يخدم أهدافه ومصالحه.
المقالات تعبر عن اراء اصحابها
ي
حرّية الإعلام كما نراها.. العرب اونلاين
