1. القران الكريم البقرة الآية 143
2. القران الكريم آل عمران الآية 110
3. وسطية الإسلام وسماحته ودعوته للحوار د. عبد العزيز بن عثمان التو يجري ص 6
المطلب الثاني :الوسطية بالسنة النبوية الشريفة
هنا سنذكر الاحاديث التي استعملت كلمة الوسطية بها واشتملت على معناها الحقيقي ومنها ما جاء في حديث
حدثنا أبو بشر بكر بن خلف وأبو بكر بن خلاد الباهلي قالا حدثنا يحيى بن سعيد حدثنا سفيان حدثني أبي عن أبي
يعلى عن الربيع بن خثيم عن عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه خط خطا مربعا وخطا وسط الخط المربع وخطوطا إلى جانب الخط الذي وسط الخط المربع وخطا خارجا من الخط المربع فقال أتدرون ما هذا قالوا الله ورسوله أعلم قال هذا الإنسان الخط الأوسط وهذه الخطوط إلى جنبه الأعراض تنهشه أو تنهسه من كل مكان فإن أخطأه هذا أصابه هذا والخط المربع الأجل المحيط والخط الخارج الأمل(1)
ومن قوله صلى الله عليه وسلم (وسطوا الامام وسددوا الخلل ) (2)
وتاتي الوسطية بمعنى التوسط الظرفي ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم (لعن الله من جلس وسط الحلقة ) 3
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال رسول (صلى الله عليه وسلم ) (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق )(4)
ووجه الدلالة في هذا الحديث ان الوسطية هي الخيرية ومحاسن الأخلاق ومكارمها هي الوسط بين الطرفين
أخرج البخاري في صحيحه حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما قال(إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلَّا
غَلَبَهُ فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَأَبْشِرُوا وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ وَشَيْءٍ مِنْ الدُّلْجَةِ)(5)
إن هذا الحديث هو ركيزة مهمة في تأطير مفهوم الوسطية ذاك المصطلح الذي غالباً ما يكون محفوفاً بين رذيلة
الإفراط والمبالغة، ورذيلة التفريط والإهمال، فالوسط هو الاهتمام المقتصد المعتدل بالأشياء، سواءٌ كانت تعبدية أو
أخلاقية أو دينية أو دنيوية.
1.ابن ماجة ج1 ص 427
2. ابو داود ص 681
3. ابو داود ج 6 ص 488
4. اخرجه احمد - صححه الألباني في الصحيحة
5.صحيح البخاري
المطلب الثالث : أنواع الوسطية وصفات أهلها
هنا نجد للوسطية حسب المفهوم الفكري لمن يحمله أنواع وخير ما قاله الشيخ ناصر
العمر في كتابه الوسطية في القران الكريم حيث قال . هناك من فهم ان الوسطية تعني
التنازل والتساهل فإذا أراد مسلما قد التزم الصراط المستقيم وسار على الآخرين ودين الله
وسط؟ ولذلك نجد في واقعنا المعاصر أن أكثر الذين يرمون بالتطرف والغلو وأخيرا
بالأصولية هم الذين التزموا بالمنهج على وجهه الصحيح . وفي الطرف الأخر نجد الفئة
من المتحمسين المندفعين يصفون أصحاب المنهج الحق الذين لم يوافقوا هؤلاء على
افكارهم ولم يسايروهم في حماسهم واندفاعهم يصفونهم بالتساهل والتهاون وعدم الغيرة
بل وأحيانا بالتنازل والممالأة ومنشأ ذلك جهلهم بحقيقة الوسطية مع أنهم يدعونها لكنهم لا
يفهمونها على الوجه الصحيح . وهناك الطرف الثالث او الفئة الثالثة ليست من هؤلاء ولا
اولئك وهم حريصون على الالتزام بالمنهج الصحيح ولكنهم يقعون في أخطاء أثناء
ممارساتهم للدعوة قولا وفعلا وسبب هذا الأمر عدم تصورهم لمنهج الوسطية تصورا
شاملا وقصرهم هذا المنهج على بعض آحاده . والنتيجة التي نتوصل لها من هذا كله ان
هذا المنهج بحاجة الى تفصيل وبيان لا لخفائه في ذاته بل هو أوضح من الشمس في
أربعة النهار ولكن خفائه من الأمور النسبية التي تعود إلى بعد كثير من الناس عن منهج
القران والسنة وضعف حصيلتهم العلمية وممارساتهم التعبدية والدعوية
المبحث الثالث ضوابط الوسطية من القران والسنة
المطلب الأول :الاستقامة
استقامة الإنسان لزومه للمنهج المستقيم نحو( قالوا ربنا الله ثم استقاموا) (1)
وقال القرطبي الاستقامة الاستمرار في وجهة واحدة من غير اخذ في جهة اليمين والشمال(2)
وقال ابن القيم قال عمر ابن الخطاب الاستقامة ان تستقيم على الامر والنهي ولا تروغ روغان الثعالب
.فامر بالاستقامة وهي السداد والاصابة في النيات والاقوال والاعمال (3) وفي صحيح مسلم عن سفيان
بن عبدالله (رضي الله عنه ) قلت يارسول الله قل لي في الاسلام قولا لا اسال عنه احدا غيرك قال عليه
الصلاة والسلام (قل امنت ثم استقم )(4) و عن سفيان عن منصور عن سالم بن أبي الجعد عن
ثوبان قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( استقيموا ولن تحصوا واعلموا أن خير أعمالكم
الصلاة ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن )(5) وفي صحيح مسلم عن ابي هريرة رضي الله عنه قال
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (سَدِّدُوا وَقَارِبُوا وابشروا فَإِنَّهُ لَنْ يُدْخِلَ الْجَنَّةَ أَحَدًا عَمَلُهُ) قَالُوا:
وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: (وَلَا أَنَا إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِيَ اللَّهُ مِنْهُ بِرَحْمَةٍ، وَاعْلَمُوا أَنَّ أَحَبَّ الْعَمَلِ إِلَى اللَّهِ
أَدْوَمُهُ وَإِنْ قَلَّ) (6) وفي مسند الإمام احمد عن انس بن مالك عن النبي
عليه الصلاة والسلام ( لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه )(7)
وذكر القرطبي في تفسيره قال ذكر الطبري في آداب النفوس حدثنا محمد بن عبد الأعلى الصنعاني قال
حدثنا محمد بن ثور عن معمر عن ابان ان رجلا قال لابن مسعود ما الصراط المستقيم قال تركنا محمد
عليه الصلاة والسلام في أدناه وطرفه في الجنة وعن يمينه جواد وعن يساره جواد وثم رجال يدعون
من مر بهم فمن اخذ في تلك الجواد انتهت به إلى النار ومن اخذ على الصراط انتهى به الى الجنة ثم
قرء ابن مسعود (وان هذا صراطي مستقيما )(7)
1.القران الكريم. 5. أخرجه ابن ماجة ج 1 ص 101
2. تفسير القرطبي ص 107 6. صحيح مسلم - (ج 13 / ص 438 - 5043)
3. مدارج السالكين ج 2 ص 104
4.أخرجه مسلم ص 105 7. الوسطية في القران الكريم للشيخ ناصر العمرص 131
ولقد ورد ذكر الاستقامة في القرآن الكريم، في مواطن كثيرةٍ، مرةً بالأمر بها كما في قوله تعالى: ) فَاسْتَقِمْ
كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ ( (هود : 112) . ومرةً بالثناءِ على أهلها، وذكر ما أعد لهم من الخير والثواب، كما
في قوله تعالى:) إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ( ( الأحقاف: 13) .
وكما في قوله تعالى: ( وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقاً) ( الجـن: 16 ) .
ومرةً بطلبِ الهدايةِ إلى الطريق المستقيم، كما في قوله تعالى: ( اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ) ( الفاتحة: 6 ) .
كما جاء في السنة الحث على لزوم الاستقامة كما في قوله صلى الله عليه وسلم : ( قل آمنت بالله ثم استقم )
و مفهوم الاستقامة وضابطه إن الاستقامة في أبسط معانيها، تعني لزوم الطريق المستقيم الذي لا اعوجاج فيه
ولا ميل، ولا إفراط ولا تفريط. وهذا لا يتأتى إلا باتباع الرسول- صلى الله عليه وسلم، والاستسلام لما جاء به
من ربه عز وجل، وبالطريقة التي فهمها أصحابه- رضي الله عنهم- وساروا على نهجها، والإخلاص لله عز
وجل فيها. ولا تكتمل الاستقامة إلا بأمورٍ أربعة:
الأمر الأول: معرفة طريقها، والعلم بها، واستبانتها بالدليل الشرعي الصحيح.
الأمر الثاني: العمل بها، والتزام تطبيقها ظاهرًا وباطنًا.
الأمر الثالث: الدعوة إليها، والتواصي بلزومها، ومدافعة ما يضعفها ويعيقها.
الأمر الرابع: الثبات عليها، والصبر على لزومها، ومدافعة ما يضادها حتى الممات، دون زيادة ولا نقصان.
ولو تأملنا هذه الأمور الأربعة، لرأيناها هي المذكورة في سـورة العصر.
والتي هي مقومات الاستقامة، وبالتالي هي أسباب الفوز والنجاة من الخسران، فمن كملها كلها فقد كملت
استقامته، ومن لم يُكملها نقصت استقامته بحسب ذلك. ولا يصدقُ وصف الاستقامة على عبدٍ إلاَّ بتحقيق أمرين
كبيرين. الأمر الأول : الاستقامة على أمر الله عز وجل ظاهرًا وباطنًا، بالإخلاص لله تعالى، ومتابعة لرسول الله
صلى الله عليه وسلم في ذلك دون إفراط ولا تفريط، ولا جفاءٍ ولا غلو. الأمر الثاني : الثبات على هذا الأمر
وعدم اتباع السبل، والصبر على لزومه حتى الممات. ونظرًا لأهمية التوسط بين الإفراط والتفريط في تحقيق
الاستقامة، فإنَّهُ لا بُدَّ من تفصيل القول في هذا الضابط، وذلك لأن كثيرًا ممن يتحدث عن الاستقامة، لا يتطرق
إلى أهمية التوسط في تحقيق وصف الاستقامة، وإنما يقصرُ أكثر الحديث عنها، على لزوم طاعة الله عز وجل
وعدم التقصير فيها، والاستمرار على ذلك إلى الموت. وقليلٌ منهم من يشير إلى أن مما يضاد الاستقامة أيضًا
الغلو والزيادة، ولو كان بنية الطاعة والعبادة، فكما أنَّ مما يقدحُ في الاستقامة التفريط، وارتكاب المعاصي،
فكذلك مما يقدح فيها الزيادة والطغيان، والغلو والإفراط. قال الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم
: ( فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا) ( هود : 112 ) . ففهم من الآية أنَّ الزيادة والطغيان ممَّا
يضاد الاستقامة، وبناءً على هذا الفهم الشامل للاستقامة، فإنَّ العبد مأمور بالاستقامة في دينه كله، عقيدة
وعبادة وسلوكًا، وأن يلزم الوسطية في كل أمور دينه، ويحذر من الميل إلى أحد الطرفين، طرف التفريط
والتقصير، أو طرف الغلو والإفراط. ولو تأملنا مذهب أهل السنة والجماعة، لرأيناه رمز الاستقامة في أبواب
الدين كله؛ فهم وسطٌ في أبواب الاعتقاد بين الغالين والجافي،ن وفي أبواب العبادات بين المبتدعين الزائدين
فيها، ما لم يأذن به الله عز وجل ، وبين المفرطين المضيعين لها من أهل الفساد والفجور، وكذلك في أبواب
الأخلاق والسلوك فهم وسط في أخلاقهم بين الإفراط والتفريط إذ أن كل خلق محمود فهو مكتنف بخلقين
ذميمين أحدهما غلو وإفراط والآخر تقصير وتفريط، وهذا ما يوضحه الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى بقوله :
»وكل خلق محمود مكتنَفٌ بخلقين ذميمين. وهو وسط بينهما. وطرفاه خلقان ذميمان، كالجود: الذي يكتنفه
خلقا البخل والتبذير، والتواضـع الذي يكتنفه خلقان الذل والمهانة، والكبر والعـلو. فإنَّ النفس متى انحرفت
عن )التوسط« انحرفت إلى أحد الخلقين الذميمين ولابد، فإذا انحرفت عن خلق »التواضع«، انحرفت إما إلى
كبرٍ وعلو، وإما إلى ذلٍ ومهانة وحقارة. وإذا انحرفت عن خلق »الحياء« انحرفت: إما إلى قِحَةٍ وجرأة، وإما
إلى عجـزٍ وخور ومهانة، وإذا انحرفت عن خلق الحلم، انحرفت إما إلى الطيش والترف، والحدة والخفة، وإما
إلى الذل والمهانة والحقارة، وإذا انحرفت عن خُلق الأناة والرفق، انحرفت إما إلى عجلةٍ وطيشٍ وعنف، وإما
إلى تفريطٍ وإضاعة، والرفق والأناة بينهما، وصاحب الخلق الوسط مهيبٌ محبوب، عزيز جانبه، حبيبٌ لقاؤه،
وفي صفة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ) من رآه بديهة هابه، ومن خالطه عشرة أحبه) أهـ والحاصلُ أن
الاستقامة هي: التزام دين الله عز وجل، بلزوم الوسطية التي هي سمة هذا الدين، وهي دليلٌ اتباع الرسول
صلى الله عليه وسلم وما كان عليه أصحابه- رضي الله عنهم، مع الإخلاص لله عز وجل في ذلك كله، ولزوم
ذلك كلهُ في حياة العبد، حتى يتوفاه الله عز وجل.(1)
1. شبكة نور الإسلام الاستقامة مفهومها وأحوالها الشيخ عبد العزيز بن ناصر الجليل
http://www.islamlight.net/index.php?option=content&task=view&id=1304
المطلب الثاني اليسر ورفع الحرج
ولما كانت هذه الشريعة آخر شريعة سماوية، كان لابد أن تكون مميزة بخصائص ومميزات تجعلها قابلة للثبات
والاستمرار ومواكبة لحياة الإنسان مهما كان، وفي أي عصر كان وفي أي مكان كان. ومن أهم المميزات التي
تميزت بها شريعتنا الغراء رفع الحرج عن المكلفين والتيسير عليهم، وهذه ميزة ميزت الشريعة الإسلامية عن
غيرها من الشرائع الأخرى السابقة التي ضمَّنها الله -عز وجل- من الأعمال الشاقة ما يتناسب وأحوال
وأوضاع تلك الأمم التي جاءت لها تلك الشرائع، والأمثلة على ذلك كثيرة منها: اشتراط قتل النفس للتوبة من
المعصية، والتخلص من الخطيئة، ويدل على ذلك قوله تعالى: }فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ
عِنْدَ بَارِئِكُمْ{([1])، ومثله أيضاً تطهير الثوب بقطع موضع النجاسة منه، وبطلان الصلاة في غير موضع العبادة
المخصوص، وغير ذلك من الأمور التي كلّف بها من نزلت عليهم تلك الشرائع السابقة([2]). هذا ولم تسلم
شريعة من الشرائع السابقة من المشاق والتشديد والعنت، لذلك علّمنا الله عز وجل دعاءً وهو قوله تعالى:
}رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ{([3])، بل إن هذه
الأمة قد بشرت بنبيها -محمد- - صلى الله عليه وسلم - الأنبياء الذين سبقوه - صلى الله عليه وسلم –
وجاءت صفاته في التوراة والإنجيل والتي منها أنه سيُبعث - صلى الله عليه وسلم - ميسِراً ومخفِفاً عن الأمة
التي سيبعث فيها. قال تعالى: }الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ
وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ
وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ{([4])، ومعنى قوله -عز وجل- (ويضع عنهم إصرهم والأغلال) أنه - صلى الله
عليه وسلم - جاء بالتيسير والسماحة([5]). الأدلة على رفع الحرج في الشريعة الإسلامية لمّا كان مبدأ رفع
الحرج والتيسير من أهم ميزات الشريعة الإسلامية، فقد تضافرت أدلة عديدة قد بلغت مبلغ القطع للدلالة على
هذا المبدأ، وقد جاءت تلك الأدلة في الكتاب والسنة والإجماع. أولاً: الأدلة من الكتاب الكريم: جاءت آيات عدة
في أكثر من موطن في الكتاب الكريم تشهد لهذا المبدأ ناطقة شاهدة على رسوخه في الشريعة الإسلامية، ومن
تلك الآيات: قوله تعالى: وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ . قوله تعالى: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ
الْعُسْرَ. قوله تعالى: (يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفاً). قوله تعالى: (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلا
وُسْعَهَا)
1. سورة البقرة من الآية 54
2. فتح الباري، ابن حجر العسقلاني 1/93.
3. سورة البقرة من الآية 286.
4. سورة الأعراف آية 157.
5. تفسير ابن كثير 2/222.
وجه الدلالة: هذه الآيات منطوقها واضح صريح في رفع الحرج عن المكلفين والتيسير عليهم، وعدم
تكليفهم ما لا يطيقون.
ثانياً: الأدلة من السنة النبوية:
وردت أحاديث عدة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تدل على مبدأ رفع الحرج والتيسير على
المكلفين منها:
1- وصيته - صلى الله عليه وسلم - لأبي موسى الأشعري ومعاذ بن جبل رضي الله عنهما: (يسرا
ولا تعسرا وبشرا ولا تنفرا وتطاوعا ولا تختلفا)
2- قوله - صلى الله عليه وسلم -: (إن الدين يسر ولن يشاد هذا الدين أحد إلاّ غلبه فسددوا وقاربوا)
3- قوله - صلى الله عليه وسلم -: (إن خير دينكم أيسره)
وجه الدلالة: الأحاديث السابقة تدل بمنطوقها الواضح الصريح على أن من سمات هذا الدين اليسر
والسماحة.
ثالثاً: الإجماع: انعقد الإجماع على عدم وقوع المشقة غير المألوفة في التكاليف الشرعية، مما يدل على
عدم قصد الشارع إعنات المكلفين أو تكليفهم ما لا تطيقه ومالا تتحمله نفوسهم
مظاهر التيسير ورفع الحرج في الشريعة الإسلامية
لمّا كان مبدأ رفع الحرج والتيسير على المكلفين من المبادئ الرئيسة في شرعنا الحنيف فقد تجلت
مظاهر رفع الحرج والتيسير في شتى مجالات هذه الشريعة الغراء، وفي أحكامها الشرعية التي طلبت
من المكلفين. وسأقوم فيما يلي ببيان بعض من تلك المظاهر:
1- قلة التكاليف: إن العبادات التي شرعت في حقنا نجد أنها قليلة في كمها وكيفها إذا ما قيست بالشرائع السابقة، ولعل السبب في ذلك حتى لا يثقل على العباد كثرة تلك التكاليف فلا يطيقون
القيام بها ويتركونها فخفف عنهم بقلتها حتى يحصل منهم الامتثال لتلك التكاليف. ففي العبادات نجد أن
الله عز وجل تخفيفاً عنا شرع لنا خمس صلوات في اليوم والليلة، وأباح لنا الصلاة في أي مكان أدركتنا فيه
الصلاة، وفرض علينا صيام شهر واحد من أشهر السنة، وفرض الحج لمن استطاع إليه سبيلاً مرة واحدة في
العمر. وفي المعاملات لم يأتِ على تفصيل أحكامها بل وضع لنا من القواعد العامة فيها ما يجعلها تطبق في
كل زمان ومكان، منها قوله تعالى: وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا، وقوله تعالى: }يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا
تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ، وقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
أَوْفُوا بِالْعُقُودِ وأما في غير العبادات والمعاملات فإننا نجد أن الشارع الحكيم قد نصّ على الحرمات وحددها،
ومن ذلك قوله تعالى: }حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ، وقوله تعالى: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وبين
إباحة الطيبات في قوله تعالى: الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ، ونجد في نفس المقام أن الشارع الحكيم بعد بيانه لما
سبق ينكر وبشدة على مَن يشق على المسلمين فيحرم عليهم ما لم يرد به نص على تحريمه فقال تعالى: وَقَدْ
فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ، أي بينه لكم وفصله لكم فلا يمكن أن يأتي شخص ليحرم ما لم ينزل به نص يدل على
تحريمه دلالة واضحة لأن في هذا افتراءً على الله عز وجل، وفي نفس الوقت تشديداً على المسلمين وإيقاعهم
في حرج ومشقة.
2- ومن مظاهر اليسر ورفع الحرج عن المسلمين أن شرّع لهم الله عز وجل الرخص.
فالرخصة في اللغة هي اليسر والسهولة، وفي الاصطلاح اسم لما أباحه الشارع عند الضرورة تخفيفاً عن
المكلين ورفعاً للحرج عنهم أو هي ما وسع للمكلف في فعله لعذر وعجز عنه مع قيام السبب المحرم.
أو هي ما شرع من الأحكام لعذر مع قيام المحرم لولا العذر لثبتت الحرمة. فنلحظ من خلال تلك التعاريف بأن
المكلف في الأصل أنه قد شرع في حقه أحكام يجب أن يلتزم بها وهي ما تسمى بالعزيمة وهي الأحكام التي
شرعت ابتداءً دون وجود ظروف طارئة يمر بها المكلف، ولكن قد يحدث وأن تمر على المكلف ظروف طارئة،
وأعذار تستدعي التخفيف، لولاها لبقي الحكم الأصلي ولكن تخفيفا عن المكلفين ورفعاً للحرج عنهم، ودفعاً
للمشقة عنهم شرعت الرخصة والتي هي استثناء جزئي من كلي، وسبب الاستثناء ملاحظة الشارع الضرورات
والأعذار، ولذا فإن الأصوليين يعدون تشريع الرخص من باب المصالح الحاجية والتي شرعت لحاجة الناس
إليها، والتي لو لم تشرع لوقع الناس في حرج ومشقة وعنت. والرخصة بهذا المعنى تشمل الأحكام الآتية:
1- ما انتقل فيه الحكم من المنع الذي يقتضيه الدليل إلى الجواز الذي يعم الوجوب كأكل الميتة للمضطر بالقدر
2- الذي يدفع به عن نفسه الهلاك وهذا ثابت بقوله تعالى: }وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ، ودل عليه قوله
3- تعالى: }فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ، وهذا على خلاف قوله تعالى:
4- إنما حرم عليكم الميتة، كما يعم أيضاً الندب مثاله: كقصر الصلاة الرباعية للمسافر عند مَن يرى بأن
5- ذلك مندوب وهو ثابت بقوله - صلى الله عليه وسلم - (صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته) على خلاف الدليل الموجب للإتمام وهو قوله - صلى الله عليه وسلم - (وصلوا كما رأيتموني أصلي)
6- كما يعم الإباحة كرؤية الطبيب المعالج لعورة المرأة -إذا لم توجد الطبيبة المسلمة- فقد كان ممنوعاً محرماً إلاّ أنه أبيح لرفع الحرج وتيسيراً على المكلفين.
ويعم أيضاً خلاف الأولى كالفطر في نهار رمضان لمن لا يتأذى من الصوم الثابت بقوله تعالى: }فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وهو على خلاف قوله تعالى: }فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وكان خلاف الأولى لقوله تعالى: وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ
2- ما جاء به النص مخالفاً للقياس كالسلم إذ القياس يقتضي بطلانه لأنه بيع معدوم، وبيع المعدوم من المقرر فقهاً أنه باطل لقوله - صلى الله عليه وسلم - لحكيم بن حزام رضي الله عنه: (لا تبع ما ليس عندك) ، ولكن ورد النص بجوازه وهو قوله - صلى الله عليه وسلم - (مَن أسلف فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم)
وما شرعت الإجارة والمضاربة.. وغيرها من العقود التي صححت على خلاف القياس إلاّ من باب التيسير ورفع الحرج عن المكلفين وذلك لحاجتهم الماسة إلى تصحيح تلك العقود التي لو لم تصحح لوقع المكلفون في حرج ومشقة وعنت لا يطيقونه ولا يتحملونه تخفيفاً عنهم شرعت وصححت تلك العقود على خلاف القياس.
3- ما انتقل فيه الحكم من الوجوب الذي يقتضيه الدليل إلى الترك الذي يعم الحرام، ومثاله: كحرمة صوم المريض إذا كان الصوم يؤدي به إلى الهلاك المؤكد.
أقسام الرخصة:
1- رخصة فعل: وهي التي يدعو فيها الشارع بسبب الضرورة أو الحاجة إلى فعل ما نهى عنه المكلف، فقد نهى عن أكل الميتة فرخص فيها عند الحاجة والضرورة الملحة تيسيراً على المكلف.
2- رخصة ترك: وهي التي يدعو الشارع فيها بسبب الضرورة أو الحاجة إلى ترك ما أوجبه، مثاله: كترك الصوم في رمضان للمريض والمسافر.
أنواع الرخصة:
- إباحة المحظورات عند الضرورة فمن أُكره على التلفظ لكلمة الكفر وقلبه مطمئن بالإيمان أبيح له ذلك لقوله تعالى: }إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالأِيمَانِ، أو اضطر إلى تناول محرم لضرورة فيباح له ذلك.
1- وأما حكم هذا النوع: وجوب العمل بالرخصة إذا تعينت طريقاً لدفع الضرر عن النفس، ولكن في حالة التلفظ بكلمة الكفر فالأولى عند الأحناف عدم الأخذ بالرخصة والأولى الأخذ بالعزيمة لما في ذلك من إغاظة للكفار وإظهار للتمسك بالعقيدة، ولكن إن أخذ بالرخصة أخذه بها مشروع وجائز.
2- إباحة ترك الواجب في حالة وجود عذر يجعل أداءه شاقاً على المكلف فرفعاً للحرج وتيسيراً عليه أبيح له ترك الواجب، ومثال ذلك إباحة الفطر في نهار رمضان للمريض أو المسافر، وذلك لأن المريض متلبس بعذر يجعل أداء ما كلف به صعباً عليه وشاقاً على النفس فلو لم تشرع تلك الرخصة لوقع المكلف في حرج وضيق، فتيسيراً عليه ورفعاً للحرج عنه أبيح له ترك الواجب، وكذا الأمر بالنسبة للمسافر وكذلك يباح للمسافر تيسيراً عليه ورفعاً للحرج عنه أن يقصر من الصلاة الرباعية والتي تؤدى ركعتين بدلاً من أربع، دل على ذلك التخفيف والتيسير قوله تعالى }وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوّاً مُبِيناً.
حكم هذا النوع: عند الجمهور العمل بالعزيمة أفضل من العمل بالرخصة بشرط ألا يترتب على ذلك ضرر بيّن بالمكلف، فإذا ترتب ضرر يلزم حينئذ العمل بالرخصة الذي يكون متحتماً وواجباً لدرء المفسدة ولدفع الضرر الذي يحصل جراء الأخذ بالعزيمة. والذي يدل على ذلك أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خرج عام الفتح إلى مكة في رمضان فصام حتى إذا بلغ كراع الغميم وصام الناس معه فقيل له: إن الناس قد شق عليهم الصوم. وإن الناس ينظرون فيما فعلت فدعا بقدح من ماء فشربه والناس ينظرون إليه فأفطر بعضهم وظل البعض الآخر صائماً فقيل له - صلى الله عليه وسلم - إن بعض الناس قد صام فقال عليه الصلاة والسلام: (أولئك العصاة أولئك العصاة).
فقوله - صلى الله عليه وسلم - أولئك العصاة تنفير من هذا العمل الذي قاموا به وهو بقاؤهم صائمين بالرغم من إفطار الرسول - صلى الله عليه وسلم - فلو كان فعلهم مشروعاً وجائزاً لما وصفهم الرسول - صلى الله عليه وسلم - بذلك الوصف.
3- تصحيح بعض العقود الاستثنائية التي لم تتوافر فيها الشروط العامة لانعقاد العقد وصحته، ولكن جرت بها معاملات الناس وصارت من حاجاتهم حكم هذا النوع: الأخذ بها جائز لأنه يؤدي إلى رفع الحرج والمشقة عن الناس لحاجتهم لتلك المعاملات التي لا تخلو منها حياتهم العملية.
أسباب الرخصة: للرخصة أسباب منها:
1- الضرورة وهذا السبب مبني على أصل تشريعي وهو أن الضرورات تبيح المحظورات، وقد تقدم فيما سبق أمثلة على ذلك تدل على مبدأ رفع الحرج والتيسير على المكلفين.
2- رفع الحرج والضيق والمشقة وهذا السبب مبني على أصل تشريعي وهو أن المشقة تجلب التيسير، ومرّ معنا فيما سبق أمثلة على ذلك.
أسباب التخفيف: أورد الإمام السيوطي -يرحمه الله- في كتابه الأشباه والنظائر سبعة أسباب للتخفيف كلها تدل بمجموعها على أصالة مبدأ رفع الحرج والتيسير على المكلفين، وأنه سمة بارزة وواضحة في شرعنا الحنيف وهي:
1- السفر: ورخصه كثيرة كإباحة الفطر للمسافر، وقصر الصلاة وغير ذلك.
2- المرض: ومن رخصه إباحة التيمم عند مشقة استعمال المريض للماء، والقعود في الصلاة والفطر في نهار رمضان.
3- الإكراه. 4- النسيان: ومما يدل على أنهما من أسباب التخفيف قوله - صلى الله عليه وسلم -: (إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) ، ومن ذلك عدم الاعتداد بأقوال المكره فلا يقع طلاقه مثلاً، ومن النسيان: فمن نسي وهو صائم فلا حرج عليه، ومن نسي صلاة ليعدها ولا حرج عليه.. وغير ذلك من صور التخفيف.
5- الجهل: فمن شرب خمراً جاهلاً بحقيقتها فيعذر ولا حدَّ عليه ولا تعزير عليه وغير ذلك من الأمثلة.
6- العسر وعموم البلوى: كالصلاة مع النجاسة المعفو عنها كمن به دم قروح وطين الشارع وأثر لنجاسة يعسر زوالها، وإباحة النظر عند الخطبة والتعليم والإشهار والمعاملة والمعالجة، ومشروعية الطلاق لما في إبقاء الحياة الزوجية قائمة ومستمرة من المشقة الحاصلة بسبب نفور الزوجين وعدم قدرتهما على الاستمرار في حياتهما الزوجية.
7- النقص: فإنه نوع من المشقة إذ إن النفوس جبلت على الكمال فناسبه التخفيف في التكليفات منها عدم تكليف الصبي ولا المجنون وعدم تكليف النساء بما وجب على الرجال تخفيفاً عنهن كحضور الجماعات وشهود الجمعة والجهاد وغير ذلك.
- بعد ما أوردناه فيما سبق من بيان لأصالة مبدأ رفع الحرج والتيسير في شرعنا الحنيف لابد أن نشير إلى أنه ليس معنى يسر الشريعة وسماحتها أن يركن الإنسان ويهمل التكاليف الشرعية، ويجعل من التيسير ورفع الحرج مدخلاً للهروب مما كلف به الإنسان.
وأيضاً مع سماحة الإسلام ويسره فهو قد وبخ المتشددين الذين يشددون على المسلمين ويغلو الواحد منهم في دينه ويبالغ في ذلك الغلو وحتى كأن السمة البارزة للإسلام هي الغلو، والذي يعد الأخذ به اتباعاً للهوى لأنه مخالف لدين الله الذي من سماته أنه دين اليسر والسماحة ولا يمكن أن يجتمع اليسر والتشدد في آن واحد. وصفة الغلو وبخ الله عز وجل أصحابها من الأمم السالفة وأنكر عليهم غلوهم ونهاهم عن ذلك في موعظة يستفيد منها المسلمون، فقال تعالى: }يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ، ولما كان الأمر متعلقاً بأمم سبقت هذه الأمة فعلى هذه الأمة الإسلامية أن تتجنب الوقوع بما وقعت يه تلك الأمم من الغلو وأن تبتعد عن أسبابه حتى لا يصيبها ما أصاب تلك الأمم.
ويكفي هنا أن نسوق كلاماً قيماً لابن القيم في كتابه القيم أعلام الموقعين ما يدل دلالة واضحة على سمات بارزة في هذه الشريعة فإن الشريعة مبناها وأساسها على الحِكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد وهي عدل كلها ورحمة كلها ومصالح كلها وحكمة كلها فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور وعن الرحمة إلى ضدها وعن المصلحة إلى المفسدة وعن الحكمة إلى العبث فليست من الشريعة وإن أدخلت فيها بالتأويل فالشريعة عدل الله بين عباده ورحمته بين(1)
1. اليسر ورفع الحرج في الشريعة الإسلامية الدكتور مازن مصباح صباح أستاذ الفقه وأصوله المساعد
جامعة الأزهر – غزة http://islamport.com/w/usl/Web/2559/14.htm
المطلب الثالث الخيرية
والمتأمل في الآية القرآنية الكريمة التي قررت خيرية الأمة الإسلامية وبينت مبررات هذه
الخيرية، يجد أن الله سبحانه وتعالى قد أخر “الإيمان بالله” عن الأمر بالمعروف والنهي عن
المنكر ليكون كالباعث عليهما لأنه لا يصبر على تكليفهما ومتاعبهما إلا مؤمن يبتغي وجه الله
ويركن في كفاحه إليه، فهذا الإيمان بالله هو الباعث للآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر،
على أن يبلغوا رسالات الله، من دون أن يخشوا أحدا سواه. إن خيرية الأمة الإسلامية كما
يوضح الدكتور طنطاوي منوطة بتحقيق أصلين أساسيين يعود نفعهما على كل الأمم
والشعوب وليس على المسلمين وحدهم. أول هذين الأصلين: الأمر بالمعروف والنهي عن
المنكر لأنهما سياج الدين، ولا يمكن أن يتحقق بنيان أمة على الخير والفضيلة إلا بالقيام
بهما، فهما من الأسباب التي استحق بنو إسرائيل اللعنة من الله بسبب تركهما
وثانيهما: الإيمان بالله تعالى، وبجميع ما أمر الله تعالى بالإيمان به.
فهذان الأمران يجب أن يتحققا لتكون هذه الأمة خير أمة أخرجت للناس، لأن الأمة التي تهمل
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولا تؤمن بالله لا يمكن أن تكون خير أمة، بل لا توصف
بالخيرية قط، لأنه لا خير إلا في الفضائل والحق والعدل، ولا تقوم هذه الأمة إلا مع وجود
الإيمان بالله وكثرة الدعاة إلى الخير، والناهين عن الشر، ويكون لدعوتهم آثارها القوية التي
تحيا معها الفضائل وتزول بها الرذائل. والمتأمل في الآية القرآنية الكريمة التي قررت خيرية
الأمة الإسلامية وبينت مبررات هذه الخيرية، يجد أن الله سبحانه وتعالى قد أخر “الإيمان
بالله” عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليكون كالباعث عليهما لأنه لا يصبر على
تكليفهما ومتاعبهما إلا مؤمن يبتغي وجه الله ويركن في كفاحه إليه، فهذا الإيمان بالله هو
الباعث للآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، على أن يبلغوا رسالات الله، من دون أن
يخشوا أحدا سواه. إذن فخيرية الأمة الإسلامية ليست في ذاتها كما يقول شيخ الأزهر بل
متوقفة على ما تقوم به هذه الأمة من واجبات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومن
الإيمان بالله وكتبه ورسله والالتزام بكل ما أمر به والانصراف عن كل ما نهى عنه.. فمن قام
بواجبه واتصف من هذه الأمة بهذه الصفات استحق هذا المدح الإلهي.. وقد روي أن الخليفة
العادل عمر بن الخطاب رضي الله عنه رأى من الناس دعة (تراخياً وسلبية) في حجة حجها،
فقرأ هذه الآية: “كنتم خير أمة..” ثم قال: “من سره أن يكون من هذه الأمة فليؤد شرط الله
فيها”. وكما أكد الدكتور أحمد عمر هاشم أستاذ السنة النبوية وعضو مجمع البحوث
بالأزهر ورئيس اللجنة الدينية بالبرلمان المصري يؤكد أن الإسلام لا يعرف العنصرية
ومقياس الأفضلية في شريعة الإسلام لا علاقة له بجنس العرب أو المسلمين، وإنما مقياس
الخيرية هو الإيمان بالله الواحد والقيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهي
مهمة صعبة حيث تتوقف عليها سعادة البشرية كلها وصلاحها. ويضيف: نحن كمسلمين نؤمن
إيمانا جازما بأن لأمتنا خيرية ومنزلة رفيعة بين أمم الأرض، وهذه الخيرية والمكانة الرفيعة
لا تعود إلى جنس المسلمين، بل تعود إلى الرسالة التي كلف الخالق بها أمة الإسلام، وهي
رسالة شاقة وضخمة.. فنحن أبناء أمة خاتمة ذات دعوة سماوية خاتمة، أرسل بها خاتم
الرسل أجمعين صلوات الله وسلامه عليه. إن أمة الإسلام إذا قامت بواجباتها الدينية والتزمت
منهاج ربها استحقت الخيرية التي قررتها نصوص القرآن الكريم لأنها بذلك تحمل رسالة
الإيمان على ظهر الأرض، أمرا بالمعروف ونهيا عن المنكر، وإيمانا بالله.. كما قال جل شأنه:
“كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله”.
وكما جعل الله عز وجل “خيرية” هذه الأمة ترتكز على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
والإيمان بالله، فإنه كذلك رتب فلاح أهلها على هذه الأمور، كما قال سبحانه: “ولتكن منكم
أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون”.
ويوضح الدكتور الشكعة أن المسلمين لا يعتقدون تميزهم الجنسي على أية أمة من الأمم،
ورسولنا الكريم صلوات الله وسلامه عليه يقول في الحديث الصحيح “ليس لعربي على
أعجمي فضل إلا بالتقوى”. (1)
المصادر
1.القران الكريم
2-مختار الصحاح
3- معجم مقاييس اللغة
4-لسان العرب
5-القاموس المحيط
6-معجم ألفاظ القران
7-المفردات في غريب القران
8-جمهر اللغة لابن دريد
9-الوسطية في ضوء القران الكريم الشيخ ناصر العمر
10مفهوم وضوابط الوسطية في الإسلام ودلالتها من السنة
11.وسطية الإسلام ودعوته الى الحوار د. عبد الرب نواب الدين ال نواب
12. عمدة التفسير عن ابن كثير
13. زاد المسير
14. في ظلال القران سيد قطب
15. تفسير الطبري
16. وسطية الإسلام وسماحته ودعوته للحوار د. عبد العزيز بن عثمان التو يجري
17. ابن ماجة
18. ابو داود
19. صحيح الألباني
20. صحيح البخاري
21. تفسير القرطبي
22. مدارج السالكين
23. صحيح مسلم
24. شبكة نور الإسلام الاستقامة مفهومها وأحوالها الشيخ عبد العزيز بن ناصر الجليل
25. فتح الباري، ابن حجر العسقلاني
26. تفسير ابن كثير
27. اليسر ورفع الحرج في الشريعة الإسلامية الدكتور مازن مصباح صباح
تم بحمد الله يوم الجمعة الموافق 24-4-2009 م
مفهوم الوسطية في الاسلام - 2
