عاد العراق بعد فترة هدوء نسبي يغرق في دماء أبنائه وأشلائهم، أطفالا وشبابا وشيبا، رجالا ونساء، فآلة الموت الصماء في العراق لا تكاد تستثني سوى من لاذوا بالمنطقة الخضراء، وتحصّنوا بحماية الشركات الأمنية الأمريكية.
أما بقية الشعب العراقي، فمن وفّرته المجاعة والفاقة والسرطانات والأوبئة ومداهمات زوّار الفجر من جيش الحكومة وعناصر أمنها، ومن أخطأه رصاص الاحتلال وحراب فرق الموت، فإلى جحيم التفجيرات ولهيبها..
أما من قُيض له النجاة من كل ذلك، فإما مشرد على حدود العراق، وإما غارق في الفقر والخصاصة وانعدام الرعاية الصحية والخدمات الأساسية.
هكذا هو المشهد في العراق، ستّ سنوات بعد الاحتلال الأمريكي الذي جاء -ومن خلفه أتباعه العراقيون- مبشرا بجنّة أرضية، شرطُ تحققها الوحيد إزالة حكم الرئيس صدام حسين وحزبه.
واليوم -وقد مضت على إسقاط حزب البعث من السلطة في العراق كل هذه السنوات- تبدو ساعة الحكومة "العراقية" متوقفة عند لحظة بداية الغزو، وتبدو آلتها الإعلامية تلوك ذات الاسطوانة المشروخة للرئيس الأمريكي السابق جورج ولكر بوش التي تجاوزها الأمريكان ذاتهم في عهد الرئيس الجديد أوباما، اسطوانة تحميل حزب البعث وتنظيم القاعدة على حد السواء مسؤولية ما يشهده البلد من مآس مروعة، مظهرها الأكثر فظاعة تلك التفجيرات الدموية التي لا هم لها غير حصد أكثر عدد ممكن من الأرواح وبأبشع طريقة ممكنة.
فعلى مدار الفترة القريبة الماضية اعتدنا أن نسمع رئيس الحكومة "العراقية" أو من يمثله يدلي بديباجة معدة سلفا، يصوغها كالمسلّمة التي لا تحتاج إلى براهين: "التفجيرات الانتحارية من فعل حزب البعث والقاعدة".. هكذا بكل بساطة ودون الحاجة إلى تحقيق أو تبثت أو شهود أو حجج.
ولا يكاد يخفى على أحد أن وراء مثل هذا الاتهام -الجاهز- رغبة في استثمار تلك المآسي سياسيا. وتفضح تلك الرغبة التسوية السطحية بين طرفين معروف تاريخيا تباعدهما فكريا وعقائديا، بل تضادهما التام.
ولو كان لأحد أن ينجح في الربط بين البعث والقاعدة، فهو الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش الذي كان أول من (اخترع) الفكرة، وصرف الأموال، ووظف التقنيات، وسخّر رجال مخابراته في سبيل إثباتها، ولم يخرج في الأخير بشيء يذكر.. فهل يرجو المالكي أن ينجح حيث سقط بوش من قبله؟!.
ونكاد نجزم بأن ذكر القاعدة في المسؤولية على التفجيرات الأخيرة يرد على استحياء، ولو استطاعت الحكومة "العراقية" أن تحمّل المسؤولية للبعث وحده لفعلت، فهو عدوها الألد، وهو خصمها الأكثر إثارة للمخاوف؛ لأنه في النهاية حزب سياسي يملك رؤية وتصورا لمسألة الحكم، وله تجربة عملية في قيادة العراق، لسنا في وارد الحكم لها أو عليها، ولكنا ننقل بتجرّد ترحّم العراقيين عليها؛ إذ لا يمكن لعاقل أن يقارن بين مرحلتي ما قبل احتلال العراق وما بعده لجهة الأمن والاستقرار على الأقل.
وما يزيد فزع المالكي وحلفائه السياسيين القناعة المتنامية لدى سلطة الاحتلال بعدم إمكانية القفز على طرف سياسي بأهمية حزب البعث، ثم الأصوات الغربية الكثيرة المنادية بمصالحة حقيقية لا تستثني أحدا بمن في ذلك البعثيون.
في هذا الموضوع بالذات تبدو الصورة مقلوبة، فالخارج يدعو إلى المصالحة فيما تتمسك الحكومة "العراقية" بخيار الاقصاء، وتمضي فيه محكومة من جهة بولاءاتها الإقليمية -والإيرانية تحديدا- ومثقلة من جهة أخرى برصيد غير مشرف من الظلم للعراقيين مدنيين وعسكريين، طالت بعضهم آلة القتل، وغرق من بقي منهم حيا في التهميش والفاقة جراء منعهم من العمل.
إن في مسارعة حكومة المالكي إلى تحميل هذا الطرف أو ذاك مسؤولية الانخرام الأمني الذي عاد يغرق العراق في بركة من الدماء، هو محاولة مكشوفة للانصراف عن لب الموضوع، وتسطيح قضية أبعد وأعمق من مجردّ مشغل أمني.
إنها قضية فشل سياسي مدوٍّ، عنوانه عملية سياسية عرجاء، قامت على المحاصصة الطائفية، وراعت إملاءات الخارج والمحتل أكثر مما عكست الحاجات الحقيقية للعراقيين.
أما التنمية في العراق بفروعها الاقتصادية والاجتماعية، فلا أحد يتحدث عنها؛ لأنها ببساطة مفهوم افتراضي، فالناس في عراقِ النفط تجوع وتعرى، وتلجأ للتسول!!..
والمواطنون في عراق دجلة والفرات يعطشون صيفا، ويغرقون شتاء في مياه الصرف الصحي!!..
لقد ظلت الحكومة "العراقية" على مدار الأشهر الماضية تنفخ في صورة "الاستقرار الأمني"، وتسوّقه على أنه إنجازها الأكبر في غياب أي إنجاز سواه، فلا غرابة والحال تلك أن تلجأ إلى الغوغاء الدعائية وهي ترى "إنجازها" الوحيد يتطاير مع شظايا التفجيرات "الانتحارية".
فإذا كانت تلك الحكومة قد ادعت المسؤولية عما هو إيجابي، فإن الشجاعة السياسية تقتضي تحمل مسؤولية ما هو سلبي أيضا.
إن حكومة المالكي مسؤولة دون شك عن العودة القوية للعنف إلى العراق، فهي من جهة اقترفت خطأ استراتيجيا حين سارعت إلى تهميش "الصحوات" التي تقتضي "الأمانة" الاعتراف لعناصرها بأنهم ساهموا في ما شهده العراق من استقرار نسبي خلال الأشهر الماضية.
وفي هذا الموضوع بالذات غاب عن حكومة المالكي التفكير الاستراتيجي، وحضرت المصالح الطائفية الضيقة، فقد بدت الخشية واضحة من أن تتحول "الصحوات" إلى قوة سياسية سنية بالأساس منافسة للنفوذ الشيعي في العراق.
كما لا يمكن التغافل عن مسؤولية الاحتلال في ما يحدث بالعراق، وأيضا مسؤولية طرف إقليمي من مصلحته تأبيد احتلال العراق وغرقه في الفوضى كي لا ينهض مجددا كقوة إقليمية وظهير صلب للقضايا العربية.
إن من يدفع ضريبة الدم الثقيلة للمطامع السياسية الداخلية، وللمطامح التوسعية الإقليمية وتصفية الحسابات الدولية هم العراقيون وحدهم.
ومن هنا وجب على الشعب العراقي بكل أطيافه الانتباه إلى حجم اللعبة التي يوظف فيها، ولا يجني منها سوى الخسارات، والتوحد بالتالي بوجه جلاّديه متعددي الأوجه والغايات.
ولا مناص لحكومة المالكي وجميع أطراف العملية السياسية -إذا أرادوا أن يحتفظوا بآخر حظوظهم في اكتساب ثقة الشعب العراقي- من أمور ثلاثة:
- العمل مع جميع العراقيين -بمن فيهم المقاومة- على تسريع خروج الاحتلال وتخليص العراق من الاتفاقات الأمنية المكبلة المبرمة معه.
- التخلص فورا من الولاءات والإملاءات الإقليمية، ووضع مصلحة العراق العربي الموحد فوق كل اعتبار.
- البدء فورا بعملية مصالحة لا تستثني أحدا من مكونات الشعب العراقي، ولا تلتفت إلى مآسي الماضي، بل تتجه إلى المستقبل.
أما ما عدا ذلك من إلقاء مسؤولية كل المآسي العراقية على هذا الطرف أو ذاك، فهو انصراف عن الأسباب الحقيقية للحريق المتعاظم في العراق الذي لن تستثني ألسنة لهبه مستقبلا حتى سكان المنطقة الخضراء!!.
المقالات تعبر عن اراء اصحابها
العراق.. إما المصالحة.. وإما الجحيم.. العرب اونلاين
