مجلس الأمن الدولي وفي خطوة لافتة ، دعا متمردي التاميل فيما تبقى من الأراضي التي تحت سيطرتهم إلى الاستسلام للقوات الحكومية ، بالمقابل رفضت الحكومة السريلانكية تواجد منظمات الإغاثة الإنسانية الدولية ،
برغم أن عدد النازحين من مناطق القتال في الأيام الأخيرة تجاوز المائة ألف نازح ، معظمهم من النساء والأطفال والشيوخ العاجزين عن حماية أنفسهم ، هذا غير أكثر من سبعة آلاف قتيل في غضون الشهور الثلاثة الماضية ، ولو تم اعتماد إحصائية كاملة لضحايا الحرب الدائرة في سريلانكا منذ ربع قرن ، حين بدأ تحرك الأقلية التاميلية للمطالبة بالاستقلال ، لكانت الأرقام تزيد على مائة ألف قتيل ، غير ما تتركه المعارك من رعب جمعي لا يمكن وضع أرقام تعبر عن مدى غاطسه الحقيقي في عمق الذاكرة الجمعية ليس عند التاميل فقط وإنما عند الشعب السريلانكي ، بأغلبيته السنهالية التي تنتمي للديانة البوذية ، وأقليته التاميلية التي تنمي للديانة الهندوسية .
وقد لا يكون مما يثير الدهشة أن جيوش الإمبراطورية التي لم تكن الشمس تغيب عن ممتلكاتها مرت ذات يوم فوق أرض سيلان التي تحولت فيما بعد إلى سريلانكا ، كما كانت قد مرت فوق جارتها الكبرى الهند درة التاج البريطاني ، وهي الجيوش نفسها التي مرت في العراق والسودان ، ولم يكن مما يثير الاستغراب إذن أن تتردد أنباء عن دم يتدفق بغزارة في العراق بعد تجديد الاحتلال البريطاني له ضمن قوات الولايات المتحدة وتحت إمرة قيادتها ، فحيثما مر الانكليز تركوا وراءهم حقول ألغام جاهزة للتفجير وقنابل موقوتة تضمن للمستعمر البريطاني العودة كمنقذ وخبير لإزالة الألغام التي قام بزرعها بنفسه .
لا أريد أن أناقش حق الحكومة السريلانكية في القتال من أجل الحفاظ على وحدة أراضي البلد ، فذلك حق لا يمتلك أي طرف أن يزج نفسه فيه ، وهو أبسط واجبات الحكومة تجاه بلدها ، ولا أشكك بجدية تلك الحكومة في اعتماد قواعد اشتباك لا غبار عليها أثناء معارك قد لا تتيح فرصة نموذجية لتجنب ويلات حرب استمات فيها الطرفان لتحقيق أهدافهما حتى آخر جندي ، فالحرب تخلف في العادة مآس لا يمكن تجنب آثارها على من هم ليسوا طرفا فيها ، ومن يراقب مشاهد الحروب يجد أن أكثر الأطراف حديثا عن وجوب تجنيب المدنيين ويلات المعارك ، هم أكثر الأطراف خرقا لحقوق الإنسان وسحقا للأطفال والنساء تحت سرف دباباتهم وعجلاتهم الحربية .
ولكن أليس من حق المراقب المحايد ، أو على الأقل المراقب العربي المنصف أن يتساءل عن الفروق بين المشهدين السريلانكي في شمال شرقي البلاد ، والسوداني في دارفور ؟
أم أن العالم استفاق على حين غفلة من الزمن ليجد أن الدم العربي ثمين وعزيز وأغلى من الدم في سريلانكا ؟
وهل كانت هناك حرب إبادة في دارفور كما حاول الغرب أن يدخل في روعنا ؟ أم أنها من زراعة من أخرج من البلاد صاغرا ويريد العودة مطلوبا لإنقاذ البلاد من إقتتال أخوة ما كان لهم يتواجهوا بالسلاح لولا ما تركه من آثام بين أبناء البلد الواحد ؟
لماذا يلاحق الرئيس عمر البشير حينما جند جيشه من أجل الحفاظ على وحدة بلده ، ولماذا أصدر المدعي العام مذكرة باعتقال الرئيس السوداني ويصر بحماقة لا مزيد عليها على تنفيذ مضمون تلك المذكرة المجحفة ؟ ويتجاهل هو والعالم المسمى بالحر ما وقع من خسائر في سريلانكا بين المدنيين في ظروف متشابهة إن لم تكن متطابقة مع ما يجري دار فور؟
ولماذا لا يقف العالم وقفة أخلاقية ولو لمرة واحدة أمام الضمير ويحمّل الولايات المتحدة والمملكة المتحدة مسؤولية الدم المتدفق في العراق بلا توقف من ما يزيد على ست سنوات ؟
لا أشك أبدا بأن دوافع الغرب الذي لم يتحرر تماما من إرثه الاستعماري ، هي دوافع المصلحة المباشرة ، فلو أجرينا مسحا ميدانيا للثروات الثمينة التي تختزنها أرض دار فور ، فإننا سوف لا نستغرب أن تستميت الدول ذات الاقتصادات الكبيرة في العالم على الهيمنة من أجل تقسيم البلدان ذات الثروات الإستراتيجية ، وخاصة اليورانيوم والنفط ، وربما لو لم يكن السودان بلدا عربيا لما تعرض إلى هذه ( الحملة الإنسانية ) المنسقة ولم يكن أبناؤه ليحصلوا على كل هذا الاهتمام من قبل الغرب ، كما حصل العراقيون على ذلك التعاطف النادر قبل الحرب ، تحت لافتة إنقاذه من نظام الحكم ، ولكن عندما جاءت إنسانية الولايات المتحدة وبريطانيا المحمولة على أجنحة طائرات عائلة F وB بكل أرقامها ، وصواريخ توما هوك وقنابل اليورانيوم المنضب والفوسفور الأبيض ، فقد قلصت سكان العراق بأكثر من مليون ونصف مليون مواطن ، ويبدو أنهم يريدون تكرار الدرس في السودان .
ولو كانت سريلانكا تمتلك غير الشاي ، بل لو أن الشاي كان لا يزرع في غير أراضيها ، ربما استنهضت أصحاب الضمائر التي تحركها الثروات الثمينة حتى لو كانت الشاي السيلاني ليتحول إلى سلعة مهمة مثل التي تحرك ماكنة الاقتصاد العالمي فوقفوا وبأعلى الأصوات ، دفاعا عن حقوق الأقلية التاميلية بوجه أوصاف قد لا تقف عند حدود سياسة التمييز الذي تمارسه الأغلبية السنهالية ، ولكن من حسن حظ سريلانكا أن أرضها لم تختزن النفط واليورانيوم والماس والذهب ، وإلا لكانت ما تزال تئن تحت ضغوط الشركات العابرة للقارت والجيوش المتنقلة على ظهور البوارج وحاملات الطائرات ، ومن حسن حظها أيضا أن الشاي ينتشر في الصين والهند وكينيا وهذا ما يجعلها تتحرك من وراء جدار لا يسمح للعالم الحر أن يرى ما يقع خلفه .
Nizar_samarai_(at)_yahoo.com
كوب شاي سيلاني من أجل دارفور ...نزار السامرائي
