هيئة علماء المسلمين في العراق

وادي حجلان مؤسسة عسكرية لتجنيد المقاومين !! حسين المعاضيدي
وادي حجلان مؤسسة عسكرية لتجنيد المقاومين !! حسين المعاضيدي وادي حجلان مؤسسة عسكرية لتجنيد المقاومين !! حسين المعاضيدي

وادي حجلان مؤسسة عسكرية لتجنيد المقاومين !! حسين المعاضيدي

لم يسجل التاريخ يوماً ان تحول وادٍ، كل ما كان يعرف عنه انه، مركز لتجمّع مياه السيول، إلى رمز للجهاد، ودائرة للتجنيد، ومبعثاً لرائحة الطيب.. ولم يشهد التاريخ أن يصبح وادٍ الشغل الشاغل لمحتل ملك الأرض والسماء.. ولم يشهد التاريخ صمود أربعة أشخاص بوجه جيش جرار عرمرم من ورائه سبعة جيوش لمدة ثلاثة أيام متتالية وانتصروا عليه، بعد نيلهم الشهادة، لتصبح ساحة معركتهم بعد ذلك مزاراً للباحثين عن المسك والعنبر!! حجلان وادٍ في أقصى غرب العراق على مشارفه تقع مدينة الحقلانية التي أشتق اسمها من أسم الوادي ذاته الذي يعد ثاني اكبر أودية المنطقة الغربية بعد وادي حوران الذي تصل أمتدادته إلى القطرين الشقيقين الأردن وسوريا.
هذا الوادي رغم تعرجه الطويل في الهضبة الغربية إلا ان سر جماله أودعه الله فيه حين اقترابه من نهر الفرات ليصب فيه مياه الأمطار التي تحول نهر الفرات، ولمسافات شاسعة إلى اللون الأصفر، نتيجة غزارة ما يجود به حجلان على الفرات، فعيون الماء المنبعثة من بين صخوره في هذا الوادي والتي تحمل عذوبة الفرات تسحر الألباب، وتجذب الناس والسياح صيفاً وشتاءاً.
في غفلة من الزمن وحينما أحتل الغزاة الأميركان أرض ما بين النهرين كان هذا الوادي واحداً من أبرز ضحايا الاحتلال، فهو لم يكن ينطق، لكنه كان كالجمل يصبر ويكابر ويتحمل ألم وظلم المحتل، لكنه بقي وادي حجلان ولم يتغير، رغم أنينه المدوي!
هدوء وسكينة وصمت يلف ذلك الوادي قبل ان تكسر حاجز الصوت آليات المحتل التي حولته إلى مستنقع للموت كحال جميع مناطق العراق، فالوادي تم هجره وأصبح كجنة خاوية على عروشها إلا من بقايا ذكريات جميلة، يختزنها أهالي تلك البيوتات التي تنتشر على كتفيه.
وادي حجلان حافظ منذ أمد بعيد على تسميته هذه وفشلت جميع الأحداث التي عاصرها ومر بها منذ زمن البابليين ولغاية اندلاع تلك المعركة لتغير أسمه، تلك المعركة التي غيرت أسمه والى الأبد، وحولت مجرى التاريخ بالنسبة لهذا الوادي حينما اخذ أبناء المدينة ومعهم بقية المدن يطلقون عليه تسمية أخرى جديدة، حتى انه ما عاد احد يتذكر تسميته تلك التي رافقته آلاف السنين، ليتحول من وادي حجلان إلى وادي (الشهداء).. فما هي قصة هذه التسمية ولماذا هذا التحول وهذا الاقتران بهذه التسمية.. وما قصة المعركة التي دارت بين جنباته، وبين عيونه وصخوره المتناثرة هنا وهناك؟!!
قصة التحول في تسمية الوادي تعود إلى بدايات الاحتلال الأميركي للعراق، حينما وصل إلى الوادي يوماً ثلة من المقاومين يرومون نصب كمين لقوات الإحتلال الأميركي على مشارف وادي حجلان، وبعد الانتهاء من الكمين الذي انتهى بتدمير آلية لقوات الإحتلال الأميركي ومقتل عدد من جنود المحتل أنسحب المقاومين إلى شعب وادي حجلان ودخلوا إلى إحدى المغارات عند أحد جنبات الوادي الذي تكثر فيه مثل هذه المُغر، وبعد فترة قصيرة وصلت إلى الوادي قوات الاحتلال الأميركي إلى محل انسحاب المجاهدين وهناك دارت معركة شرسة بين المجاهدين الذين لم يكن يتجاوز عددهم الأربعة مقاومين وبين قوة أميركية ضخمة.
وجرت اشتباكات بين الطرفين لمدة ثلاثة أيام متواصلة دون ان تتمكن القوة المحتلة من إحراز النصر، رغم اضطرارها إلى استخدام الطائرات التي راحت تقصف الوادي بشكل عنيف دون جدوى.



في اليوم الثالث للمعركة التي كانت متقطعة نفذت ذخيرة سلاح المجاهدين الأربعة ونفذ حتى مخزن الأعتدة الذي كان برفقتهم في تلك المغارة، وظلت قوات الإحتلال تنتظر يوماً كاملاً خروجهم وتسليم أنفسهم، دون ان يتجرأوا على الاقتراب من باب المغارة، بعدها تقدمت قوة خاصة من المارينز لتقتحم المغارة، وحينما وصلت هذه القوة إلى باب المغارة وجدت المجاهدين الأربعة وقد التحقوا بالرفيق الأعلى قبل يوم كامل من ذلك التاريخ، وجدتهم منكبين على سلاحهم وهو بلا ذخيرة مرتدين أحزمتهم الناسفة على أجسادهم فقتلوا وهم مقبلين غير مدبرين.
  بعد ان غادرت قوات الإحتلال وأخلت الوادي وجاء الأهالي ليستكشفوا طبيعة ما حدث أذهلهم ما شاهدوه واكتشفوه، فالمكان يعج برائحة زكية مصدرها تلك المغارة التي قتل فيها المجاهدون الأربعة، وبقايا دمائهم هنا وهناك تروي حكاية أربعة أبطال صمدوا لثلاثة أيام بوجه أعتى قوة تدميرية في العالم، قصة يتفاخر بها أبناء هذا الجيل وهم ينقلونها للأجيال القادمة.
رائحة المسك سرعان ما انتشر خبرها في تلك المناطق لتصبح تلك المغارة في ذلك الوادي الفسيح قبلة للزائرين ومزاراً للمتبركين، وكان كل من يزور تلك المغارة ترتفع معنوياته ويشتد عزمه ويدرك بطولة هؤلاء الرجال الذين رفضوا إلا الموت من اجل رفعة هذا الدين، فسلك الكثير من الزائرين طريق المقاومة والجهاد ما ان يغادروا تلك المغارة ويشموا رائحتها الزكية، حتى أصبحت كدائرة تجنيد عسكرية ضد المحتل وأعوانه، وهو ما لاحظه المحتل وحاول ان يوقفه بأي طريقة كانت!!
وجد المحتل انه وكحل لهذه المعضلة التي صنعها بيديه أن يكون قريباً من تلك المغارة ويمنع عنها الزائرين، لكن ذلك قد يأتي بنتائج معكوسة كما حصل مع معركة حجلان التي انتهت بتجنيد الكثير من الشباب وكثير من زائري تلك المغارة ممن انخرطوا في العمل المقاوم والعمل الجهادي، فلجأ المحتلون إلى وسيلة جديدة وهي إقامة قاعدة على مقربة من المكان خصوصاً ان تلك المنطقة نقطة التقاء طرق عدة وهي مخرج ومدخل إلى المدينة، فاغتصبت لأجل ذلك مدرستين ابتدائيتين واحدة منهما للبنين والأخرى للبنات تطلان على تلك المغارة التي باتت شغلهم الشاغل..
وما هي سوى أيام حتى ارتفعت الأبراج الخاصة بالقناصة الأميركان المحتلين من ثلاث جهات للقاعدة، في حين تم تخصيص أكثر من أربعة أبراج مقابل تلك المغارة التي تجاور ينابيع حجلان، تلك الينابيع التي كان صوت خريرها في ذلك السكون كسيمفونية تعزف لذكرى أولئك الشهداء الذين عطروا أرض وادي حجلان بالمسك والعطر ورائحة الجنان.
كان إنشاء تلك القاعدة كوجود غراب على شجرة الدار أو كبوم في ليلة مقمرة ينتظر أن يحين الوقت ليبدد نور القمر بظلمة انقضاضه على فريسته، فراح القناصة الأميركان يقتلون كل من يقترب من تلك المغارة، ممن أرادوا زيارتها وشم عطر شهدائها، فقتلت قوات الإحتلال الكثير ممن أقدموا على زيارتها، فاختلطت دماء أولئك الزائرين بمياه الينابيع التي تفور من أرض حجلان كنافورة وسط ميدان عام لتتحول تلك الزرقة والصفاء في مياه الينابيع إلى اللون الأحمر بعد ان امتزجت دمائهم بعيون حجلان وتصب بعد ذلك في نهر الفرات لتروي حكاية المجد الحجلاني وهو يمر بالمدن والقرى والقصبات التي تتناثر على جنبيه حتى مصبه في الخليج العربي.
بعد ان باتت زيارة تلك المغارة وذلك الوادي، بل وحتى زيارة ينابيع المياه للباحثين عن العلاج، من المحرمات في عرف الاحتلال، توقفت الزيارات وراح الأهالي يكتفوا بأبصارها من بعيد وذلك في نظرهم يكفي ليتذكروا قصة شهداء المغارة، أولئك الفتية الذين آمنوا بربهم، فزادهم هدى ورفعة وسمواً، ومنحهم خلود الذكر في الدنيا، قبل أن يمنحوا خلود الجنان في الآخرة، بإذن الله.
ومنذ ذلك اليوم، تحولت تسمية وادي حجلان، من تسميته القديمة، التي لازمته آلاف السنين، إلى وادي الشهداء، بفضل بطولة، وشجاعة، وإقدام أربعة من المجاهدين والمقاومين، ذلك الوادي الذي جمع بين شهداء المغارة والشهداء من زوارها، مغارة ستظل لعناتها تطارد المحتل لغاية خروجه من أرض العراق، بل والى ما بعد الخروج!!
            حسين المعاضيدي
almaadidi_hussein_(at)_yahoo.com

أضف تعليق