هيئة علماء المسلمين في العراق

الفلوجة.. ثمن الخيانة!! حسين المعاضيدي
الفلوجة.. ثمن الخيانة!! حسين المعاضيدي الفلوجة.. ثمن الخيانة!! حسين المعاضيدي

الفلوجة.. ثمن الخيانة!! حسين المعاضيدي

مقال خاص بالهيئة نت اندلعت معارك الفلوجة الأولى، وكنت آنذاك معتقلاً في قسم الثقيلة بأبوغريب.. كنا قرابة المائة وعشرين معتقلاً مقسمين على ثلاث خيم، تسع الواحدة منها لعشرين شخصاً فقط، أما المتبقين فيتناوبون على النوم. كانوا يطلقون على قسمنا (كامب شارلي)، وبجوارنا أقسام أخرى حملت أسماء (ألفا) و(دلتا) الذين تضمهم تسمية فيجلاند.. كنا شبه مقطوعين عن العالم، فلا أخبار تردنا من الخارج ولا معتقلين جدد يفدون إلينا، باستثناء من يخرجونهم من المحاجر، ويأتون بهم إلينا، بعد أشهر يقضونها هناك كحالي أنا، ما يجعلنا في معزل عن العالم من حولنا.. وكل ما كان يصلنا هو رسائل مكتوبة على مناديل ورقية تأتينا أحياناً مع أكياس التغذية التي توزع في أيام الجمع فقط, كون متعهد الطعام الفاسد والذي لا تأكله الكلاب لا يأتي في يوم الجمعة ما يجعله عيداً لنا، دينياً وغذائياً !

كان يفصل بيننا وبين أقسام الخفيفة سياج عالي، وكانوا هم ينعمون بالزيارات ويمتلكون أجهزة راديو وذويهم يعرفون بان أبنائهم على قيد الحياة عكسنا نحن، الذين لا يعرف بوجودنا غير الله, ثم أسراب الطيور المهاجرة التي تمر من فوقنا.
كانوا يلقبونني في الثقيلة، وبحسب مهنتي التي اعتقلت بسببها بـ(الصحفي)، ولهذا جعلوا مني ناطقاً إعلامياً باسم الخيام الثلاث التي يتألف منها قسم (شارلي)، إلى جانب ترشيحهم لي للتفاوض مع الحرس في أوقات الأزمات والمظاهرات والإعتصامات لإيصال مطالبنا إليهم.

وصلتنا رسالة يوماً ألقيت إلينا من (الخفيفة) يبلغوننا فيها بان الفلوجة أصبحت على فوهة بركان، وان معركة وشيكة تكاد تحدث، تصاعدت المعنويات وارتفعت التكبيرات وأنفرجت الأسارير التي لم تعرف يوماً الفرح منذ دخولها إلى ذلك المكان المشؤوم، توقفت العقول عن احتساب الأيام التي تم قضاؤها في المعتقل، وبات جل ما تفكر فيه التحليل والتمحيص والمناقشات الحامية بين المعتقلين، مع البقاء على خط التواصل بانتظار أخبار جديدة.

حركة عسكرية غير طبيعية لقوات الاحتلال كنا نشعر بها من حولنا، والطائرات أخذت حركتها تزداد، وأصوات الآليات يهز ضجيجها أسوار المعتقل، بل وسكون المكان، ونظرات عيون الحرس الموكلة إليهم أمر الإشراف علينا توحي بالكثير.
يومان أو ثلاثة أو أكثر بقليل انقطعت فيها الأخبار لأن عدد من الرسائل سقطت في يد السجانين، وكثيراً ما يحدث ذلك، وهم لا يستطيعون منع تلك الأيادي التي تقوم برمي الرسائل من فوق الأسوار، ولا سبيل لديهم غير إحضار الكلاب البوليسية وقطع الماء والطعام عن المعتقلين، ما لم يسلموا الرسالة التي ترد، وهو ما يجعلنا نجهز رسائل وهمية نقوم بمنحها لهم تتضمن سلامات بين المعتقلين ليس إلا، على أنها الرسائل الواصلة.

ضاقت الصدور حينما شحت الأخبار، وأخذت رسائلنا تنهال على قسم الخفيفة من فوق الأسوار، طالبين منهم وضعنا بالصورة ساعة بساعة، ولحظة بلحظة، وطال الانتظار، كانت الدقائق تمر كأنها ساعات والساعات كالدهور، وفجأة ارتفع الدخان من جانب المعتقل بعد صوت دوي عنيف، فجاءتنا البشائر في الحال من الخفيفة، ان رتلاً أبيد عن بكرة أبيه، على مقربة من سجن أبو غريب، كان في طريقه لإيصال الدعم للقوات التي تحاصر مدينة الفلوجة.

وفي العصر دخان من جهة أخرى، وأصوات الأنفجارات في كل مكان، كان الجميع يتسابق على قطع الطريق على أرتال الدعم والإسناد والتموين للقوات التي تحاصر الفلوجة، حتى اخذ المجاهدون والمقاومون يتسابقون ويتنافسون على أماكن زرع العبوات الناسفة وأماكن الكمائن المسلحة ضد أرتال المحتل.
كان واضحاً ان المقاومة والمجاهدين هم من يفرضون سيطرتهم على الأرض، ودليلنا في ذلك أصوات الأنفجارات، التي لا تحتاج لخبير ليميز تلك التي تعود لأبناء جلدتنا عن تلك التي تعود لأحفاد الخنازير،

ثم اختفت الطائرات حتى أصبحنا لا نراها إلا نادراً، والحراس أخذت مزاجيتهم تتعكر، وباتوا عدوانيين، والخوف يسيطر عليهم!

الرسائل تنهال بغزارة تارة وتنقطع تارة أخرى.. فقد عادت وانقطعت، وانقطع معها طعام المتعهد عنا، والمؤلف من أصابع الصوصج الثلاثة مع الصمونة التي تمثل عشاءنا، والتي تضر أكثر مما تنفع، وحفنة الرز التي تأتينا في الغداء انقطعت هي الأخرى، في ظل غياب وجبة الفطور التي لم نرها يوماً.

ففتك بنا الجوع قبل ان يتقرر الاستعاضة بالطعام الأميركي المعلب عن طعام المتعهد، لكن ما كان يهمنا هو معرفة تفاصيل ما يجري، وصلتنا رسالة سرعان ما تم توزيعها على جميع أقسام الثقيلة، تم تسليمها لي لأقوم بقراءتها باعتباري الناطق الإعلامي لقسم (شارلي)، أخذت أستعرض الأخبار، كانت بشائر فرح لابد ان يسمع بها الجميع، وحتى لا نلفت انتباه الحراس، حملت الرسالة وتنقلت بها بين الخيم الثلاث التي يتألف منها معتقلنا، وأخذت أقرأ لهم البيانات.

كانت الرسائل تصلنا بصيغة بيانات، حتى يبدو على مرسلها وكأنه متخصص في كتابة البيانات الحربية والخبرية.. بيان يتحدث عن تدمير رتل، وآخر عن سقوط مدينة بأكملها بيد المجاهدين، وثالث يتحدث عن سقوط محافظة ومحافظتين وثلاث، حتى تجاوزت أعداد المحافظات التي سيطرت عليها المقاومة قرابة العشر محافظات.. أحسسنا ان النصر أصبح في مرمى حجر، والحراس يبدو ان نفس الشعور داهمهم، بل وصل الحال بهم إلى أنهم راحوا يطلبون منا ان نعاملهم معاملة حسنة إن تم اقتحام السجن وتم القبض عليهم من قبل المقاومة.

أخذوا يطلبوا منا إيصالهم إلى حيث المكان الآمن خارج العراق، ان حدث ذلك.. احد المشايخ خاطبهم وحتى لا يضطرهم لإطلاق النار على المعتقلين في حال تم اقتحام السجن، فأكد لهم بأنه سيضمن لهم معاملة حسنة، وأنهم سيكونون بأيدي أمينة، حتى يتم تهريبهم خارج العراق.

أنتظر الجميع، والكل كان يترقب اللحظة التي يتم فيها احتلال السجن من قبل المجاهدين، طال الانتظار، واخذ الأمل بالتضاؤل، وخفت بريق العيون، وساد الصمت بشكل غريب، وحل السكون قبل ان يكسره فجأة صوت الرصاص، ودوي القذائف التي أخذت تنهال على المعتقل من كل حدب وصوب، هو الهجوم إذن، وساعة الصفر قد حانت، كنت احتفظ بملابس صنعتها من أكياس مرقطة جعلتها شبيهة بالزي الأميركي لتعينني في التخفي والتمويه في حال اضطررنا للهرب، لبستها وانتعلت حذاءاً رياضياً تركه لي احد زملائي المعتقلين، الذي تم نقله إلى مكان آخر، وتجهزت مع بقية المعتقلين، كانت حركتنا سريعة، فقد قرب موعد الانقضاض على الحرس.

كانت المشكلة الأولى التي تواجهنا هي كيفية عبور الأسلاك الشائكة التي تحيط بنا، وقد تغلبنا على هذه المعضلة من خلال التفكير في وضع البطانيات التي كنا ننام بها, فوق تلك الأسلاك، ونجعل منها طريقاً للهروب، أما الأبراج، فكان يتطلب منا السيطرة عليها، وهذا يتطلب أشخاصاً خفيفي الحركة ولهم خبرة في هذا المجال، وبنفس الوقت تكون مهمتهم شبه استشهادية، فكنت احد المتطوعين، وبعد تحديد الأهداف تم تكليفي بإسقاط البرج الأقرب إلى الخيمة التي انتمي إليها، وكان ذلك هو البرج الأصعب، وصعوبته تكمن في وجود ألغام مزروعة أسفل البرج تنفجر من عند الحراس في الأعلى، وقد وضعت خوفاً من تعرض البرج إلى هجوم أرضي من الأسفل!

كنا ننتظر ان يحدث الهجوم فتحات في أسوار السجن، اشتدت المعركة وانهالت القنابل علينا بغزارة، ورغم أنها قنابل موت، إلا إننا كنا نراها قنابل الخلاص، فتحملنا خسائرها وحصادها لأرواح الكثير من زملائنا، على أمل ان يخرج من يتبقى منا على قيد الحياة.. كانت القذائف تتساقط علينا كما المطر، والحرس تواروا عن الأنظار، وانزووا في ملاجئهم، التي دخلوها راكضين تاركين الحبل على الغارب خلفهم، أما حرس الأبراج فقد اخذوا يطلقون النار بكثافة على أي شيء يتحرك خارج السجن.

توقفت النيران وخفت أعداد القذائف المتساقطة علينا حتى توقفت بالكامل، رغم استمرار أسلحة جنود الاحتلال في الرمي العنيف باتجاه مصادر أطلاق القذائف من الأبراج المحيطة بنا من كل جانب.

عاد الهدوء ليعم من جديد، وسط تساؤلاتنا، عن أسباب عدم نجاح الهجوم، راح بعضنا يرفع من معنويات البعض الآخر، فيما انشغل بعضنا الآخر في جمع بقايا أجساد زملائنا الذين مزقتهم قنابل الهجوم، كان أحدهم، وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة يتساءل هل نجح الهجوم، ويؤكد على زملائه ان يتركوه وينجو بأنفسهم، لكن، لا هو نجا ولا غيره نجوا بأنفسهم..

قتل منا حينها ثمانية معتقلين، أحدهم كان صائماً حينما سقطت عليه مباشرة قذيفة هاون حولته إلى قطع متناثرة، وأصيب العشرات بجراح مختلفة، لم يكونوا يتألمون من الجراح بل ما كان يؤلمهم ان السور العالي بقي كما هو ولم تصله أية قذيفة سوى واحدة وقعت على بعد أمتار منه، ولم تحدث الثقب المنتظر.

بقينا نترقب هجوماً ثانياً، وكنا حينها مستعدين لدفع ثمن الحرية أجساداً أخرى، لكن هذه المرة ازداد حقدنا على حراس السجن، وأنا احد الذين  قرروا قتل كل من يقع بيدي من جنود الاحتلال، من حرس وغيرهم، أن تمكنا من اقتحام الأسوار.

لعقنا جراحاتنا وداويناها بأيدينا، وعيوننا ترقب هجوم ثان على المعتقل لنثأر لشهدائنا، ولأنفسنا من الحرس، ومن المحققين المتواجدين في أقسام التحقيق والتعذيب المجاورة لنا، قبل ان تأتينا رسالة كانت علينا كوقع الحسام المهند.. هزتنا وقضت مضاجعنا وجعلتنا نفقد الأمل في حياة أخرى غير تلك التي نعيشها في سجن الموت ذاك!

الرسالة مفادها ان الأحزاب العميلة، المحسوبة على الأنبار، وعلى أهل الفلوجة خصوصاً، ألقوا بحبل النجاة للمحتلين، وأنقذوهم من هزيمة تاريخية، كدأبهم في خيانة العهود والمواثيق، والإسلام الذي حملوا أسمه، دون شريعته، بعد توسطهم لفك الحصار عن قوات الاحتلال، فتم القضاء على آمالنا بالنجاة، تماماً كما تم القضاء على آمال خروج المحتلين في ذلك الوقت بفعل صفقة الخيانة، فبيعت الفلوجة ومن قبلها العراق للمحتلين على أيدي زمر العمالة وبسعر بخس، دراهم معدودات، تلطخت بدماء الشهداء وبآهات الأسرى والمعتقلين!!

حسين المعاضيدي
almaadidi_hussein_(at)_yahoo.com

أضف تعليق