لم تكن زيارة الرئيس باراك اوباما - القصيرة والمفاجئة - للعاصمة المحتلة بغداد لتثير اهتماما لولا انها الزيارة الاولى له - منذ توليه الرئاسة - وضرورة الوصول الى الجنود الامريكيين في العراق وطمأنتهم على تصميمه على الانسحاب نهائيا من العرق بعد \" 18 \" شهرا \" ستكون صعبة وحرجة \" للغاية.
وعشية وصوله - او في ساعات قبيل استقباله - ومكوثه في القاعدة الامريكية العسكرية بالقرب من مطار بغداد الدولي - دون الذهاب الى المنطقة الخضراء - كانت بغداد شهدت ثماني عمليات تفجير في غضون اربع وعشرين ساعة . وكانت هذه التفجيرات رسائل متعددة الرؤوس والاتجاهات ، فهي لم تكن على الاطلاق " من المقاومة العراقية " التي تركز دائما قتالها وعملياتها ضد قوات الاحتلال ومراكز الاحتلال وآلياته .. كما ان هذه التفجيرات ربما لم تكن تحمل طابع " القاعدة " لأنها لم تكن ( انتحارية ) ـ وان بدت وكأنها تقول للعراقيين انها من القاعدة .. خاصة انها استهدفت مناطق " تشير الى النية الخبيثة باشعال فتيل الحرب المذهبية " ـ نشير بصورة خاصة الى تفجيرات الكاظمية والنعيرية.. أي انها من ناتج " داخلي ضمن المتصارعين على المراكز والمصالح في المنطقة الخضراء " ، وربما كان لمخابرت القوى المعادية للعراق وانتمائه العربي الدور الاول في التفجيرات الاخيرة .. أي الموساد ومن يتحالف مع الموساد - المخابرات المركزية الامريكية ومخابرات كل الساعين الى تكريس نسف الكيان الوطني العراقي ودوره العربي.
اذن ، وفي ذكرى احتلال بغداد السادسة كان ثمة من يصر على ان هناك حاجة شديدة لبقاء قوات الاحتلال .. بدليل الحاجة الماسة للأمن ـ ومنذ اليوم . وهناك من يقول - ايضا - ان ثمة القدرة على قلب الطاولة على رؤوس اللاعبين في المنطقة الخضراء من داخل "المحاصصات" المتصارعة خاصة بعد ان هزم العراقيون مشاريع " التمزيق " والتقسيم - بهزيمة دعاة ورواد الفدرالية في الانتخابات المحلية الأخيرة . وهناك من يريد ان يقول: ان الامن لم يستتب في العراق كما تزعم المنطقة الخضراء وكما تروج القيادات الامريكية : ان التناقص في العمليات يعود الى انه من كان يستهدف المدنيين الابرياء العراقيين قد ضعفت قدراته ، وان التركيز الحقيقي للمقاومة العراقية ينصب على محاربة المحتل بصرف النظر عن اعلان قرب انسحابه وجدولة الانسحاب ، فما دام الاحتلال موجودا فلا بد ان يكون له من يقاومه.
وعلى كل حال فان اعلان اوباما بان الجنود الامريكيين في العراق انما " لمساعدة شعب العراق " قد اساء كثيرا لصورة الرجل الواقعي الباحث عن العدل والحرية والسلام وبناء علاقات شراكة مع العرب والمسلمين . ان وجود الجنود الامريكيين في العراق نتيجة قرار اجرامي غير مسبوق ، هو قرار احتلال بلد وتدمير كيانه واستباحة ارواح وممتلكات بنيه ، بما خلف : اكثر من مليون وربع المليون ضحية ، واكثر من مليوني نازح في داخل الوطن ، واكثر من اربعة ملايين لاجئ وهارب الى خارج الوطن ، واكثر من اربعة ملايين طفل يتيم في العراق ومليون ارملة عراقية - ناهيك عن فقدان الامن - وكل موجبات ومستلزمات الحياة : من ماء الشرب الى الوقود الى الكهرباء ، وكل هذا كان بسبب العدوان والاحتلال - ورغم كل الادعاءات والاكاذيب التي اطلقتها ادارة بوش عن " حبها العراقيين وسعيها لمساعدتهم " فانها لم يعد الى بيوتهم تيار الكهرباء ولا الى دورهم المياه الصالحة للشرب ، ولا الى نومهم عذوبة الاحلام والسعادة.
اما الطرف الامريكي - فبعد ستة اعوام - ها هو الرئيس الجديد يجول ويصول في ارجاء المعمورة محاولا اصلاح الصورة القبيحة العدوانية التي تركتها وتركت بصماتها ادارة المحافظين الجدد طوال ثمانية اعوام كانت نتيجتها " تفجير الفقاعة الاقتصادية " واغراق العالم كله في مستنقع لا صلة له بأسبابه على الاطلاق ، انه يحاول ان يمحو حقيقة خسارة الامريكيين لأكثر من خمسين الفا من قواتهم بين قتيل وجريح ومعوق حرب واكثر من عشرين الفا من المرضى ومن الذين تطاردهم لعنة العراق.
ست سنوات عجاف اشتاق العراقيون خلالها الى نوم هادئ والى خدمات تجعل الشوارع نظيفة ، والى استعادة الخدمات الصحية والتعليمية " التي كانت مجانية " الى ان جاءت سنوات الاحتلال ففقد العراقيون سيادتهم وامانهم وحتى احلامهم وآمالهم ووقعوا فريسة الغدر وقوات الغدر ومليشيات القتل والخطف والتفجيرات ، واستهداف اساسيات الحياة الانسانية في عموم وادي الرافدين.
واذا كان العراق يعيش على امل انسحاب نهائي لقوات الاحتلال في غضون الاشهر الثمانية عشر القادمة ، فانه ايضا يعيش هاجس الخوف من " الاقتتال على المكاسب والمناصب والحصص " بين القابعين في المنطقة الخضراء ، فهذه الخلافات وهذا التنافس غير الشريف يدفع العراقيون الابرياء ثمنه من دمائهم وارواحهم وربما حتى من مزيد من بقاء القوات المحتلة في العراق تحت ذرائع توفرها لهم عناصر وهيئات واحزاب وكتل ترى في بقاء الاحتلال مصلحة حيوية ومصيرية مباشرة لها وفي زواله زوال لكل ما نهبته من العراقيين ومن ثرواتهم وامنهم وحقوقهم.
في بداية السنة السابعة للاحتلال ، المقاومة العراقية تقوم بواجبها ، ولكنها ايضا محاطة بسيل من الافتراءات والمفترين ومن الذين لولا الاحتلال لما كانوا ، والذين جاء بهم الاحتلال وفجر كل ما من شأنه تهديد العراق وعروبته ووحدته ونسيجه الانساني وبنيانه التاريخي ودوره القيادي والطليعي في سوح المواجهة مع العدو الصهيوني - الاستعماري.
المقالة تعبر عن رأي كاتبها
ح
العراق .. سنة سابعة ، احتلال ومقاومة / نواف ابو الهيجاء
