هيئة علماء المسلمين في العراق

التحقيق في مسؤولية بريطانيا عن حرب العراق.. ليث كمال نصراوين*
التحقيق في مسؤولية بريطانيا عن حرب العراق.. ليث كمال نصراوين* التحقيق في مسؤولية بريطانيا عن حرب العراق.. ليث كمال نصراوين*

التحقيق في مسؤولية بريطانيا عن حرب العراق.. ليث كمال نصراوين*

كشفت مصادر صحفية في بريطانيا نهاية الشهر الماضي عن نية رئيس الوزراء البريطاني العمالي غوردن براون تشكيل لجنة وزارية خاصة لإجراء تحقيق واسع في قرار مشاركة بريطانيا حليفتها أمريكا في الحملة العسكرية على العراق وفي الإطاحة بنظام الرئيس السابق صدام حسين. فقد تضمنت الشائعات أن براون قد حدد موعدا زمنيا للبدء بالتحقيق الوزاري، وهو نهاية شهر تموز من العام الحالي على ضوء استكمال سحب أكثر من أربعة آلاف جندي بريطاني موجود في القواعد العسكرية في مدينة البصرة.

إزاء تلك التسريبات الصحفية، لم يجد وزير الخارجية البريطاني ديفيد ميليباند أي مفر للإنكار، فقد أعلن أن الهدف الرئيس من التحقيق الوزاري سيكون البحث في شرعية القرارات الحكومية المتعلقة بإرسال الجنود البريطانيين للقتال في العراق ومدى صحة التقارير عن امتلاك النظام العراقي السابق أسلحة دمار شامل وآلية تعامل المخابرات البريطانية مع تلك التقارير.

كما أعلن مليباند أن مثل هذا التقرير يأتي استجابة لرغبة شعبية كبيرة في بريطانيا وخصوصا من ذوي القتلى من الجنود البريطانيين الذين وصل عددهم الى أكثر من 175 قتيلا منذ اندلاع الحرب العسكرية على العراق عام 2003.

من خلال متابعة مجريات التطورات السياسية والدستورية في بريطانيا نجد أن قرار إجراء التحقيق الوزاري في تورط بريطانيا في الحرب على العراق لا يعدو أن يكون أكثر من محاولة بائسة من الرئيس براون لمواجهة التدهور الكبير في شعبية حزبه العمالي في استطلاعات الرأي العام لصالح حزب المحافظين.

فالعد التنازلي للانتخابات التشريعية العامة في بريطانيا منتصف العام القادم قد بدأ، وما زال حزب المحافظين بزعامة ديفيد كاميرون يملك الحظ الأوفر للفوز بأغلبية المقاعد البرلمانية، وبالتالي خلافة براون في تشكيل حكومة من المحافظين لأول مرة منذ عام 1997.

إن أية أقاويل أو تكهنات عن رغبة الحزب العمالي في البحث في قانونية قرارات خوض الحرب في العراق هي مجرد غطاء لأهداف حزبية وسياسية خاصة لرئيس الوزراء وكبار أعضاء الحزب العمالي.

وإن أي خلاف داخل أعضاء الحزب العمالي مع رئيس الوزراء السابق توني بلير الذي ورط بريطانيا في مثل هذه الحرب الدموية لن يصل حد التشهير والانتقاد العلني لقرارات صادرة عن حكومة عمالية بالدرجة الأولى، وإن كانت قد صدرت من شخص غير محبوب كتوني بلير.

هذا الاستنتاج له ما يدعمه في تصريحات ديفيد مليباند الذي أعلن أن التحقيق الوزاري في الحرب على العراق سيكون سريا بعيدا عن عيون الصحافة والرقابة الشعبية، وذلك على خلاف العريضة التي وقع عليها ذوو الضحايا من الجنود البريطانيين الذين يطالبون بتحقيق رسمي وعلني، وهو الأمر الذي يؤكد عدم جدية تعامل الحكومة البريطانية مع قرار التحقيق.

كما أن ما يزيد الشك والريبة في الهدف الأساسي من إجراء التحقيق الوزاري أنه قد جاء بعد أن رفض البرلمان البريطاني عام 2007 اقتراحا تقدمت به الحكومة العمالية لإجراء تحقيق واسع في الحرب على العراق بأغلبية 299 صوتا على اعتبار أنه قد سبق أن أعد تقريران في ذلك السياق، هما تقرير اللورد هيتون عن مقتل ديفيد كيللي أحد مستشاري وزارة الدفاع في الحكومة العمالية عام 2003، وتقرير اللورد بتلر عن فشل المخابرات البريطانية في التعامل مع المعلومات الاستخبارية الخاصة بمشاريع العراق العسكرية عام 2004.

كما تتزايد الشكوك في جدوى قرار التحقيق خاصة وأنه يتزامن مع ما قررته الحكومة العمالية أواخر الشهر الماضي من منع نشر محاضر اجتماعات مجلس الوزراء عام 2003 التي تتضمن مناقشات وقرارات حكومة بلير بمشاركة القوات الأمريكية الحملة العسكرية على العراق بحجة حماية المصلحة العليا للبلاد.

كما أن ما يدعم الاستنتاجات عن تسييس التحقيق الوزاري ما أعلنه مكتب رئيس الوزراء أن غوردن براون سوف يعلن رسميا قراره بإنشاء لجنة التحقيق في أيلول القادم في المؤتمر السنوي العام للحزب العمالي كمحاولة لاستمالة مشاعر الناخبين البريطانيين لصالح حزبه العمالي.

مثل هذا القرار بإجراء تحقيق في الحرب العسكرية على العراق كان يجب أن يجري إعلانه الرسمي في البرلمان البريطاني وأمام نواب الأمة كما سبق أن جرى عام 1983 عندما قررت رئيسة الوزراء السابقة مارغريت تاتشر إجراء تحقيق في حرب الفوكلاند التي خاضتها بريطانيا ضد الأرجنتين عام 1982.

فإذا ما أعلن براون قرار إجراء التحقيق الوزاري في أيلول القادم، فإن إجراءات تشكيل اللجنة الوزارية ومباشرتها لمهامها لن يكون قبل نهاية العام الحالي، وهو ما يعني أن أية قرارات بهذا الشأن لن تظهر قبل منتصف العام القادم أي بعد الانتخابات النيابية العامة في آيار 2010، وبالتالي يكون الهدف من التحقيق قد تحقق، وهو ضمان إعادة انتخاب براون رئيسا للوزراء بغض النظر عما سوف يتمخض عنه التحقيق الوزاري من نتائج أو توصيات.

* باحث دستوري في جامعة مانشستر


وكالة يقين للانباء


المقالات تعبر عن اراء اصحابها

ي

أضف تعليق