منظر لن أنساه ما حييت، حين وقفت على جسر الصرافية يوم سقوط بغداد بيد المحتلين، وقفت انظر إلى جسر الرابع عشر من تموز الذي يربط طرفي الكرخ بالرصافة من عند مدينة الطب والدبابات الأميركية تجتازه باتجاه الرصافة،
لم أصدق أحقيقة ما يحدث، أتسقط بغداد، أنخسر بلدنا، أتُحتل أرضنا، أنصبح كفلسطين المحتلة، هل سيبدءون في إطلاق تسمية العراق المحتل علينا، وهل سنكون شعباً مغتصب الحقوق، وربما الحرمات، هل سنصبح مثلاً لكل من يحاول ان يقف بوجه أمريكا، هالني المنظر، أغمضت عيني مرة ومرتين وثلاث قبل ان أعود وأفتحهما لربما أكون في حلم بل كابوس، لكنني وكلما فتحت عيني تقع على منظر آلية للمحتل في زاوية ما من بغداد!
لم أصدق، تساقطت الدموع من عيني، وأصابتني حشرجة في صوتي وبحة، شعرت ان الدنيا تلف بي وتدور، أمسكت بسياج الجسر البغدادي الحديدي (الصرافية)، تمسكت به بقوة، وكأن أحداً ما كان يريد ان يسلبني إياه، أو ان أحداً ما كان يريد أن يلقي بي من فوق ذلك الجسر الشاهق الارتفاع، لم أكن قد خفت السقوط من عليه قبل ذلك، بل كنت دائم القفز من فوقه أثناء فترة تدريباتنا العسكرية التي قضيتها في صفوف القوات العراقية المسلحة.. أمسكت به بقوة تمنيت لو انه ألتصق بي كما التصقت به، أخذت يدي بالانزلاق عنه، رغم كماشة أصابعي التي تمسك به بصورة جنونية، ومع انزلاق أصابعي، هوت ركبي إلى الأرض، فجثوت عليها، والدموع تتساقط، قبل ان يتحول الدمع إلى نحيب لم يمر بي من قبل!
قال لي محمد العرب، صديقي الصحفي الذي كان برفقتي، الرجال لا يبكون، يامعاضيدي! صَمَتُّ للحظة, أحقاً لا يبكي الرجال، أحقاً لا ينبغي لنا ان نذرف الدمع ولا نبكي أكثر من النساء على وطن فقدناه، عراقنا خسرناه، يا محمد، ألا يستحق مني ذرف الدمع، ألا يستحق مني البكاء، احتضننا، ولم شملنا، وصاننا، وصان كرامتنا، ألا يستحق منا بعد كل ذلك ان نذرف الدمع عليه؟! خاطبته بصوت مختنق، بغداد تسقط يا محمد، أتدري ما يعني ذلك، يعني ان بغداد لم تعد لنا، يعني أننا سنصبح أغرابا عنها!
كان محمد منهاراً أكثر مني، لكنه والحق يقال كان أجلد مني، امسك بي ووضع يدي حول عنقه، واستندت إلى كتفه الثاني، وسار بي من فوق الجسر، حينما أخذت أقدامي تسير على ذلك الجسر في انحداره باتجاه جانب الكرخ، شريط من الذكريات الجميلة والأليمة والحزينة كان يمر أمامي، استذكرت أيامي في بغداد، حلوها ومرها، لكن في تلك اللحظات حاولت ان أستذكر شيء سيئاً من أيامي، فوجدت أسوا أيامي أجملها !
سرت على أقدامي مع محمد على غير هدىً، اقترحت على صديقي ان نعود ونموت مع من ماتوا، أو فليأخذونا أسرى خير من التواري عن المواجهة بعد انهيار كل شيء، قال لي محمد، المعارك كر وفر يا معاضيدي.. لكن أي كر، وأي فر، البلد يسقط، والبلاد تُحتل، وبغداد بدأت الأغلال تلتف حول كل أركانها، من جنوبها، وشمالها، وغربها، باستثناء شرقها الذي ترك سائباً لغاية في نفس يعقوب.. سرت في طرق حفظتها عن ظهر قلب، حارات وأفرعاً كثيراً ما تجولت فيها، لكني يوماً لم انظر إليها أو أركز فيها كما اليوم، كان كثير منها بناءً قديماً وأبنية تكاد تتهاوى، كان نظري على الدوام باتجاه الأعلى حيث العمارات الشاهقة والقصور الفارهة، لكني اليوم أرى تلك الأبنية المهدمة والحارات الضيقة هي أصل الحياة وتحمل روعة الجمال، جمال ما بعده جمال، كيف لم ألحظ ذلك من قبل لا ادري، لكن يبدو أننا ننظر إلى الأشياء من منظار مختلف حينما نفقدها، فحينها فقط تبرز جماليات الأشياء وخصالها.. كم تمنيت لو أني كتبت عن تلك الحارات، وعن تلك الأزقة، وعن تلك الفروع الضيقة، والبيوت القديمة المتهاوية، لكن اليوم القلم تجمد حبره، كتجمد الدم في عروقي، بعد ان شاهدت بأم عيني بغداد وهي تحتل!
سرنا، ومررنا بدرابين الشيخ معروف، وبمطار المثنى، والطوبجي، والغزالية، كنا نسير بين البيوتات التي غادرها أهلها ولم يتبق غير الكلاب السائبة تتجول بينها، إلى جانب آليات متناثرة هنا وهناك، كنا نحاول تجنب آليات المحتل، لكن الطريق قادنا إليهم شئنا أم أبينا، استوقفونا وصادروا ما بجيوبنا من أوراق وهويات وصور، ثم اخلوا سبيلنا..
سلكنا الطرق الزراعية، وعبرنا الكثير من مبازل الري والسواقي، التي تركت على غاربها تسقي الحقول، بلا فلاح وبلا مزارع، بعد ان توارى الكل واختفى الجمع.. كان طريقاً شاقاً أنهكني، عطشت فشربت مرة من ماء كان موضوعاً أمام الدجاج في حقل دواجن صغير، وحينما تعبت ورمضت أكثر، شربت من مياه آسنة، إذ لم يعد يهمني أن امرض، أو حتى أن أموت، فمعادلة الموت والحياة عندي باتت سواء، بل تمنيت الموت على حساب رؤية بغداد وهي تقع أسيرة بيد الغزاة.
واصلت المسير ومعي محمد، كانت هناك آلية للاحتلال تقطع علينا الطريق، أشار لنا خنزير أميركي، أو هكذا بدى لي، أن نسير رافعي أيدينا إلى الأعلى حتى اجتيازنا آلياتهم التي كانت تبعد عنا قرابة المائتي متر، رفضت رفع يدي في وقت رفع محمد يديه، ليس شجاعة مني حينها، ولا تعباً، أو إرهاقاً، بل طلباً للموت، صرخ بي محمد أن أرفع يديك, فأبيت، فأمسك بيدي وراح يرفع بها قسراً، فشددتها منه فتقدمني بخطوات وهو يتمتم بكلمات عن الأمل، والمعنويات، والكر والفر، لم يعد يهمني شيء، لاشيء في بالي، غير الذكريات التي أرهقتني أكثر من أي شيء آخر، لم تخطر أمي على بالي ولو للحظة، وأبي غاب كغياب شمس الغروب، لا مكان لأخوتي أو أخواتي ولا لأصدقائي أو أحبائي، كل ما بقي في ذهني تلك الذكريات، ذكريات بغداد، الجلوس على شاطئ دجلتها، التجوال في شارع المتنبي والرشيد والجمهورية، أبو النواس وما أدراك ما أبو النواس، الكرخ وجارتها الرصافة، أعظميتها وكاظميتها، كرادتها، شعلتها، تمثال عنترة، وتمثال السعدون الذي سرق كما سرقت بغداد، تمثال الرصافي، صلاح الدين شاهراً سيفه، منتفضاً بحصانه، الشورجة، شارع النهر، في كل زاوية، وكل ركن منها كان لي ذكرى وعنوان، ساحات مختلفة شهدت مغامراتي الصحفية, وحدائق كثيرة تجولت فيها وحفظتني أكثر مما حفظتها، قاعات كثر وفنادق، حضرت فيها مؤتمرات صحفية، ومسارح عدة، كنت متفرجاً تارة، وصحفياً فيها تارة أخرى، ذكريات كادت تفتك بي، وسط كلمات محمد المشجعة في ان المعركة الآن بدأت، وان لنا شوطاً طويلاً لابد لنا من قطعه، ويذكرني بحديث لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) وهو يصف جيش مؤتة المنهار بأنهم الكرارون، لا الفرارون كما كان المسلمون يصفونهم حين عودتهم من أرض المعركة!
كان محمد يحاول ان يمنع عني شمس الحقيقة بغربال، فهو يدرك ان بغداد ليست مؤتة، وان الإميركان ليسوا بأخلاق الروم، وان كراروا الأمس لا يتكررون اليوم!
وصلنا عند حدود الفلوجة، وكان المحتلون لم يصلوها بعد، فاستوقفتنا نقطة تفتيش يرتدي أفرادها بدلات عسكرية زيتونية اللون.. كان التعب ظاهراً علينا ووجوهنا مكفهرة، وأنا كنت كمن فُـتِـكَ بأبيه، بل بأخيه، بل بإمه وأبيه وأخيه، وعشيرته التي تؤويه.. سألنا احدهم:
كيف حال بغداد، ولم يكن خبر سقوطها أسيرة قد وصله، قال له محمد، نسأل الله لها العافية.
أما أنا فأدرت رأسي باتجاه بغداد، وذرفت دمعة، وتنهدت حسرة، وزفرت قيحاً، وحينما حاولت ان أخبره الحقيقة، عجزت، ولم يطاوعني لساني على قول ان بغداد اليوم، باتت محتلة!
كنت قد أنهيت مقالتي هذه، وقبل ان أرسلها للنشر فاجأني رفيق دربي، محمد العرب، وقد كتب مقالة يحكي فيها قصة الرحلة نفسها، موجهاً ذات السؤال الذي وجهه لي يوم كنا نسير في الطرقات والحارات والمزارع في تلك الرحلة، هل حقاً دخل الخنازير بغداد يا معاضيدي؟!!
فكان لزاماً علي إجابة عضيدي في تلك الرحلة، ولا يزال، محمد العرب، وأقول له:
بعد ست سنوات يا محمد أجيبك بنفس الجواب:
من ذاق خبز بغداد، وأرتشف رشفة من مائها، كيف يرتضي بغيرها، وكيف يتركها للخنازير؟!!
والطريق الذي سلكناه، يامحمد، سنعود ونسلكه، ولكن هذه المرة باتجاه بغداد.. بإذن الله، وإلا فالموت خير لنا!
Almaadidi_hussein_(at)_yahoo.com
أنا وبغداد.. دمع واحتلال!... حسين المعاضيدي..مقال خاص بالهيئة نت
