تعيش \"إسرائيل\" اليوم حالة من عدم التوازن وفوضى الأفكار لما يعصف بها من داخلها من قلق حيال كثير من القضايا، لعل أهمها الشكل الذي صارت إليه حماس من شرعية وقبول سياسي ودولي،
ومآلات أحداث الحرب على غزة، وفشلها العسكري والسياسي فيها، إضافة إلى تنامي الأزمات الداخلية في "إسرائيل" من مثل الفساد سواءً أكان أخلاقياً أم إدارياً ومالياً، كل ذلك شكل عوامل محبطة للمجتمع "الإسرائيلي" داخل "إسرائيل" وخارجها أيضاً.
إذا كانت مقولة هزيمة أميركا تأتي من داخلها قد لا تؤشر بدقة إلى حدود هذه الهزيمة، فإنها في "إسرائيل" أقرب إلى ذلك. فالإسرائيليون (المواطنون والمجتمع) أصبحوا أكثر شعوراً بسقوط نظرية "الأمن الإسرائيلي"، وتآكل البنية الداخلية أصبح واضحاً، ولعل الأرقام والنسب الإحصائية أكثر صدقاً من أي حديث إنشائي عن هذا الأمر.
فقد أظهرت الدراسات واستطلاعات الرأي من "إسرائيل" نفسها أن (63%) من اليهود يعيشون (بإرادتهم) خارج "إسرائيل"، والصحيفة الأولى في "إسرائيل" (يديعوت احرنوت) تنشر أن (57%) من "الإسرائيليين" باتوا يعيشون حالات من القلق على المستقبل والمصير وعلى وجود "دولة إسرائيل"، وان الحكومات "الإسرائيلية" المتعاقبة لم تقدم شيئا للإسرائيليين فيما يتعلق بالشعور بالأمن وتحقيق السلام.
هذه الأرقام تشكل في حقيقتها ودلالاتها حديث المجتمع المدني "الإسرائيلي" وآراء "الإسرائيليين" وأفكارهم حيال جميع القضايا المتعلقة بأمنهم ومستقبلهم ومستقبل دولتهم ونهج سياسييهم وزعمائهم، أما حديث بعض نخبهم السياسية والفكرية، فهي أيضاً تشير بوضوح الى مستوى عال من القلق على المصير والوجود، فقد كتب ناحوم بريناع في يديعوت احرونوت في وقت سابق مقالا تحت عنوان «المشكلة ليست أولمرت أو كتساف، ولكن مستقبل ما نسميه الشعب اليهودي» حيث كتب في مفتتح المقال.. «لا أحد يشك في حق الفلسطينيين في دولة، أما اليهود فيشكون في مستقبلهم». وذكر أن الناس بعد 110 سنوات من المؤتمر الصهيوني الأول ابتدأوا يسألون انفسهم: أليست الصهيونية فشلا؟!.
وأورد قصة مفادها أن صديقه الكاتب الأمريكي دانييل غوردس -وهو يعمل في صندوق ماندل الذي يتبرع للعمل الاجتماعي في "إسرائيل"- سأله الطبيب: ماذا تعمل؟. فأجاب: كاتب. فسأله: عن ماذا؟. فقال: عن مستقبل "إسرائيل". فقال الطبيب: أنت إذن تكتب قصصا قصيرة!.
هناك مقال للدكتور باروخ ليشم الناطق السابق بلسان الشرطة في "إسرائيل" تحت عنوان «الجريمة المنظمة حولت "إسرائيل" إلى جمهورية موز» والعنوان يكفي.
وغير ذلك كثير مما أفضى بالشعب "الإسرائيلي" وأجياله المعاصرة إلى الشعور بالقلق والخوف من واقع المجتمع وحال الدولة، وليس هذا فحسب، بل إن معاناة "الشعب الإسرائيلي" ليست على المستوى السياسي، وإنما في مختلف جوانب حياتهم، ولعل خسائر "إسرائيل" بسبب الانتفاضة الثانية على سبيل المثال التي بلغت (10-12) مليون دولار، إضافة إلى تزايد نسب البطالة والعاطلين عن العمل وانخفاض مستوى دخل الفرد.. كلها عوامل قلق وعدم استقرار وفوضى، وهي تؤثر بشكل مباشر وغير مباشر على مستوى وشكل الأداء السياسي لدى قادة "إسرائيل"، ولعل أدل ما يمكن الإشارة إليه أن مجيء حكومة نتنياهو بلغة صارمة ورافضة وبصحبة لهجة إعلامية متطرفة، يمكن أن يكون مرده الى الشعور بالحالة التي وصل إليها الشعب اليهودي داخل "إسرائيل" من إحباط وخوف وقلق، وأنها تريد أن تؤكد أن كل ما سبق لم يجدِ نفعا، ولم يحقق أي مكتسب.
ربما تكون "إسرائيل" قد أدركت هذا الأمر بعد فصول طويلة من المفاوضات والحوارات، فهل يدرك العرب أن كل ما سبق لم يجلب السلام، وأن الإيغال في هذا المنحى ربما يصيب الشعوب بالإحباط والخيبة والقلق؟.
إنه سؤال برسم الإجابة، وربما كان على القمة أن تجيب عنه بوضوح، «لماذا فشلت كل الخيارات في السابق؟. وماذا علينا أن نفعل إزاء ذلك؟».
وعليه فإنه يحق للإسرائيليين أن ينتابهم الشك في مستقبلهم والقلق على دولتهم، ويحق أيضا للعرب عموما وللفلسطينيين أن يصابوا بخيبات كثيرة، وأن يصلوا الى درجة الإحباط مرات كثيرة أيضا.
صحيفة الوقت البحرينية
المقالات تعبر عن اراء اصحابها
ي
«القلق على المستقبل» بين (إسرائيل) والعرب.. مروان العياصرة
