ليس من العسير القول إن الجانب الأهم من سياسات أوباما الخارجية -لا سيما المتعلقة بالعراق وأفغانستان وإيران- قد تحدد قبل مجيئه إلى السلطة، وإن السياسة ذاتها تقريباً كانت ستطبق حتى لو فاز جون ماكين بالرئاسة.
نقل الجنرال ديفيد بتريوس إلى أفغانستان قبل أسابيع من انتخابات الرئاسة الأميركية، ثم الإبقاء على روبرت غيتس في وزارة الدفاع تأكيد على هذا البعد، في حين جاءت الإستراتيجية الجديدة بشأن العراق كما أعلنها أوباما قبل أسابيع، وبدت وفية للاتفاق الذي وقعه بوش مع الحكومة "العراقية" لتضيف المزيد من التأكيد على ما ذهبنا إليه.
نتذكر أن الاهتمام بأفغانستان والوعد بنقل مزيد من القوات من العراق إليه كانت أيضا إستراتيجية بوش، وهو ما يعني أن أوباما كان وسيبقى -وكما أكد في حملته الانتخابية- مستمعاً جيداً لما يقوله جنرالات البنتاغون، مضيفا إلى ذلك ميلاً واضحاً إلى التوافق مع الجمهوريين في صياغة سياساته الخارجية، بل وحتى الداخلية في مواجهة الأزمة المالية.
ليست هذه السطور قراءة في سياسات أوباما الخارجية بما فيها الموقف من الصراع العربي الصهيوني، ومن ضمنها العلاقة مع إيران وقوى المقاومة والممانعة في المنطقة، وبالضرورة العلاقة مع المحور الآخر "الاعتدال" والموقف من ملف الديمقراطية والإصلاح، فقد تحدثنا عن ذلك في سياقات مختلفة، وقد نتحدث عنه مراراً وتكراراً في المرحلة المقبلة ما دامت أميركا هي اللاعب الأكثر تأثيرا في هذه المنطقة.
ما يعنينا هنا هو قراءة سياسات أوباما حيال أفغانستان وإمكانية نجاحها في تحقيق المطلوب، مع العلم أن النجاح الذي أشرنا إليه في العراق لا يرتقي إلى المستوى الذي يجري ترويجه، ليس بسبب ما يقرب من تريليون دولار خسرتها أميركا في ذلك البلد معطوفة على آلاف الجنود القتلى (رقم الأربعة آلاف ليس حقيقياً لاعتبارات شرحها كثيرون تتعلق بحقيقة أن الإحصاءات لا تشمل سوى الجنود من حملة الجنسية الأميركية)، فضلاً عن أكثر من 30 ألف جريح لن يعود أكثرهم إلى الخدمة بسبب الإعاقة، بل أيضاً لأن العراق لم يستقر بعد، ومن الصعب الحديث عن شكل علاقته مع واشنطن في ظل هيمنة القوى القريبة من إيران عليه.
بعد نقله 17 ألف جندي إلى أفغانستان ووعود بجلب المزيد، ثم حديثه عن إستراتيجية للخروج، يمكن القول إن أوباما يسعى إلى حل هذه المعضلة، وبالطبع كي يتفرغ أكثر للأزمة المالية، وكي لا يؤدي الوضع هناك إلى مزيد من الاستنزاف المالي والبشري معطوفاً على نزيف من الهيبة السياسية خصوصاً أمام قوىً صاعدة مثل الصين وروسيا.
قبل أسابيع خرجت صحيفة الأوبزرفر البريطانية بسؤال بالغ الأهمية يقول: هل تكون بلاد البشتون فيتنام أوباما؟!. وبلاد البشتون هي معاقل حركة طالبان في باكستان وأفغانستان.
تنبع أهمية السؤال من حقيقة أن زيادة عدد القوات في أفغانستان -كما يمكن أن تكون سبباً في النجاح إذا حققت نتائج عسكرية جيدة تقنع طالبان بالتفاوض- فإنها يمكن أن تكون سبباً في مزيد من الاستنزاف، وبالطبع في ظل معاناة طالبان من قلة الجنود وندرة حركتهم في المناطق بما يتيح فرص اصطيادهم.
ولا شك في أن قدوم الربيع سيمتحن هذه المعادلة بقدر ما في ظل توافر المدد البشري لطالبان معطوفاً على روح الاستشهاد في عناصرها، إضافة بالطبع إلى عناصر النجاح الأخرى لأية حركة مقاومة، ومنها المدد الخارجي الذي تمثله الأراضي الباكستانية سواء كان عبر القبائل البشتونية أم عبر جهات في المؤسسة العسكرية الباكستانية ذاتها.
أما التعويل على التفاوض مع جهات "معتدلة" في حركة طالبان، فلا يبدو مقنعاً في ظل سيطرة الملا محمد عمر شبه المطلقة على الحركة، أما في حال تمكنوا من الرجل، فإن الموقف قد يختلف بعض الشيء، وقد يكون بالإمكان بعدها الحصول على ''معتدلين'' يقبلون التفاوض.
على أن ذلك لا ينفي بعداً آخر يعول عليه الأميركان بقوة، ويتمثل في تكرار تجربة "الصحوات" في العراق التي رعاها الجنرال بتريوس نفسه والتي تقوم بشكل أساسي على شراء زعماء القبائل بالحقائب المليئة بالدولارات، ومعهم بعض قادة المجموعات المسلحة التابعة لطالبان كي تكف عن القتال، وتندمج في العملية السياسية، إضافة بالطبع إلى التركيز على تدريب قوات الأمن الأفغانية.
هنا يبرز بعد خطير بالفعل، لكنه لا يقترب من الخطورة التي توافرت في العراق، فهنا تبدو التقاليد الأفغانية مختلفة بعض الشيء من حيث التشدد في تسليم اللاجئ الغريب كما في حالة بن لادن ومن معه، إضافة إلى الموقف الحدي من الاحتلال الأجنبي.
إضافة إلى ذلك يمكن القول إن التناقضات التي توافرت في الحالة العراقية وتركيز نظر العشائر وقادة "الصحوات" على ما يسمى الخطر الإيراني لا تتوافر هنا في الحالة الأفغانية، فهنا ثمة قبائل تنتمي إلى عرق واحد ومذهب واحد، ولها موقفها الذي يحترم العلماء الذين تمثلهم حركة طالبان.
لا ينفي ذلك بحال أن بريق الذهب قد يعمي بعض القلوب والأبصار على جانبي الحدود الأفغانية الباكستانية، لكن ذلك لا يبدو مؤكداً.
أما الجانب الآخر من الخسارة الأميركية، فيتمثل في ضرورة الدفع لروسيا والصين من أجل المساعدة في حرب طالبان، وهو ما يعني أن الخسارة واقعة في كل حال، فيما يحتمل أن تكون أكبر بكثير إذا تواصلت الحرب، وفشلت مساعي الاستدراج التي تساهم فيها دول عربية معروفة.
صحيفة الوقت البحرينية
المقالات تعبر عن اراء اصحابها
ي
أوباما إلى أفغانستان برؤية عراقية.. ياسر الزعاترة
