كان عهد جورج بوش الابن ذروة صعود الحقبة الريغانية/ التاتشرية، حقبة الليبرالية الجديدة المتوحشة التي انطلقت مطلع الثمانينات من القرن الماضي، وكان آخر حلقاتها ونهايتها،
وقد حاول بوش وفريقه الصهيوني تجديد وتطوير الريغانية وجعلها تعيش لتغطي القرن الزمني الجديد بكامله حتى لو استدعى الأمر إشعال فتيل حرب عالمية اعتراضية بذريعة محاربة الإرهاب.
وبالفعل اختير العراق مسرحاً ومنطلقاً للحرب الأميركية العالمية الاعتراضية التي أرادت قطع الطريق على كتل عالمية جديدة صاعدة، لكنّ العملية الحربية الإجرامية الهائلة لم تنجح في تحقيق أيّ من أهدافها الدولية!.
كانت الحرب الأميركية الاعتراضية العظمى تسعى إلى وضع المنطقة القارية الواقعة ما بين قزوين والأطلسي تحت السيطرة المباشرة التامة لواشنطن بحيث يتحقق لجم الدول الناهضة، وفي مقدمتها الصين والهند، ومعهما روسيا التي تجاوزت كبوتها، ويتحقق مزيد من انضباط وانصياع الدول السبع الحليفة الثرية، فينهض الأساس المتين لقرن أميركي صهيوني عالمي تحتفظ فيه واشنطن بمكانتها وامتيازاتها.
غير أنّ المفاجأة جاءت من الشعب العراقي العظيم الذي عطّل المشروع الأميركي الدولي، واستنزفه في محطته الأولى، وجعله ينكفئ عالمياً بحيث لم تعد أية مكاسب يحققها الأميركيون في العراق -تحديداً- تستحقّ الذكر قياساً بالخسائر الهائلة التي تكبّدوها في العراق، وقياساً بالأهداف الدولية التي تبخّرت وقد دفعوا ثمنها الباهظ الضائع.
أمّا العراق فقد دفع بدوره ثمناً باهظاً جدّاً، لكنّه وضع حجر الأساس لنظام دولي جديد تحتلّ فيه المستعمرات السابقة -كالصين والهند وغيرهما- مراكز قيادية عالمية مرموقة، وهو ما سوف يسجّل في التاريخ البشري العام كمأثرة عراقية لا تمحى!.
حتى العام 2003 كانت واشنطن تعتقد أنّ زمام التاريخ البشري لن يفلت من يدها، وأنّه لا يزال ممكناً إيقاف صعود الصين والهند النوويتين اللتين تضع أولاهما يدها مباشرة على أكثر من تريليون دولار نقداً إضافة إلى تفوّقها الكاسح في ميادين الصناعة والتجارة الدولية، وتحقق ثانيتهما ازدهاراً هائلاً في قطاع التكنولوجيا المتقدّمة -عالم التكنترون- وخاصة في ميدان الحواسيب.
وعندما بدا التعثّر والتخبط والنزيف الأميركي واضحاً في ميادين القتال العراقية، انقلب الموقف الدولي رأساً على عقب، وصارت الولايات المتحدة في حالة خشية حقيقية من أن تبادر الصين والهند -وغيرهما من الدول الناشئة والناهضة- إلى إنشاء مؤسسات دولية جديدة بمعزل عنها وعلى حسابها، في حال شعور هذه الدول بأنّها غير مرحّب بها في المؤسسات الدولية الخاضعة عموماً لواشنطن.
وبالفعل بدأت الصين تظهر انزعاجها من مماطلة منظمة التجارة العالمية في قبول عضويتها، وعبّرت نيودلهي عن ضيقها من معارضة واشنطن لبرنامجها النووي!.
وسرعان ما أدرك الأميركيون حجم الخطر الذي يعنيه انزعاج وضيق الصينيين والهنود، وبدأوا عمليات تقريبهما والتقرّب منهما، فكانت وزارة الدفاع الأميركية سبّاقة في هذا المضمار، فقد قرّرت إعادة نشر جنودها الموجودين خارج حدودها، وسحب بعضهم من دول معينة بما يتفق مع الوقائع الدولية الجديدة التي تفرض أخذ ردود أفعال الصين والهند بعين الاعتبار.
ولم تتأخّر وزارة الخارجية الأميركية كثيراً عن شقيقتها، ففي كانون الثاني/ يناير 2006 أعلنت الوزيرة كونداليزا رايس قرارا بنقل مائة من العاملين في وزارتها من أوروبا إلى الهند والصين ودول أخرى ناشئة وناهضة.
وقد ترافق ذلك مع مساع جدّية لتوطيد العلاقات الثنائية مع كلّ من الصين والهند حتى أنّ واشنطن أبرمت مع الهند اتفاقية تعاون في ميدان الطاقة النووية المدنية، وذهبت أبعد من ذلك بكثير، فاعترفت ضمناً بالهند كدولة نووية على الرغم من الانعكاس السلبي لذلك الاعتراف على باكستان شريكتها في محاربة "الإرهاب"!.
لقد راحت واشنطن تحاول تكييف المؤسسات الدولية الخاضعة عموماً لنفوذها بما يتفق وتوطيد علاقاتها بالدول الناشئة والناهضة والصاعدة -كما تسمّى- غير آبهة بحليفاتها الأوروبيات التي تخشى محقة أن يتحقق ذلك على حسابها!. وكان روبرت زوليك نائب وزيرة الخارجية الأميركية قد دعا الصين فعلاً منذ العام 2005 إلى الدخول في شراكة قيادية دولية "مسؤولة" إلى جانب الولايات المتحدة!.
وغداة إنشاء كتلة الدول الاقتصادية النامية دعت واشنطن البرازيل والهند وجنوب أفريقيا إلى "غرفة المناقشات الخضراء" المخصصة لاجتماعات دورة التجارة العالمية (دورة الدوحة كما تسمى)، وكانت قد دعت الصين في وقت مبكّر للمشاركة دورياً في اجتماعات وزراء المالية وحكام المصارف المركزية في مجموعة الدول الصناعية السبع، وسعت لتعديل نظام التصويت حسب الحصص (الكوتا) في صندوق النقد الدولي كي تتناسب حصة الصين في التصويت مع ثقلها الجديد!.
اليوم بعد أن ذهبت إدارة بوش التي تفاقمت الأزمة الأميركية والعالمية في عهدها ونتيجة لسياساتها، وجاءت إدارة أوباما المنشغلة بالدرجة الأولى بالخروج من الأزمة، تستعدّ لندن لاحتضان مجموعة الدول العشرين التي سوف تجتمع في 2/4/2009 لمعالجة الأزمة المالية والاقتصادية العالمية، ويأتي موقع الصين في الاجتماع المنتظر في الصف الأول، وكواحد من ثلاثة مواقع رئيسة، فهو ندّ لموقع الولايات المتحدة ولموقع الاتحاد الأوروبي، وإنّه لمن الواضح استحالة معالجة أزمة النظام الدولي من دون مشاركة الصين وتعاونها، وكذلك من دون مشاركة وتعاون بقية الدول الناشئة والناهضة والصاعدة التي تحضر جنباً إلى جنب مع الدول الصناعية الثرية السبع التي طالما احتكرت معالجة شؤون العالم أجمع وتقرير مصائره بناءً على ما تقتضيه مصالحها وحدها!.
وهكذا فإنّه لمن المؤكّد أنّ تغييراً جذرياً تاريخياً طرأ على بنية النظام الدولي، اذ لأول مرة منذ خمسة قرون تحتل مستعمرات سابقة مواقع قيادية حاسمة في النظام الدولي، ولنا أن نتوقع ما سوف يترتب على ذلك من مستجدات إيجابية على الأغلب!.
العرب اونلاين
المقالات تعبر عن اراء اصحابها
ي
مستعمرات سابقة في الإدارة الدولية!.. نصر شمالي
