تبدو تصريحات وزير الخارجية السعودي سعود الفيصل في الولايات المتحدة بمثابة التعبير الأوضح عن مخاوف بلاده من مخاطر ما يجري في العراق؛ ليس على وحدتها واستقرارها فحسب، وإنما على تماسك واستقرار الأوضاع العربية المحيطة أيضاً.
والنتيجة هي أن الرجل لم يعبر عن مخاوف السعودية وحدها، وإنما مخاوف دول مجلس التعاون الخليجي مجتمعة، وإن بدا أن حال بعضها يتفوق على بعض، لاسيما تلك التي تؤوي أقلية شيعية بدأت ترفع رأسها مطالبة بأوضاع مختلفة عن تلك التي عاشتها طوال عقود، مع التذكير بأن الشيعة في البحرين يشكلون غالبية، فيما بدا واضحاً أن خطابهم السياسي في الآونة الأخيرة قد أخذ يميل نحو التشدد، لكأنه يستبطن الندم على تمرير الصفقة التي عقدت مع قيادة البلاد، والتي لم يكونوا ليقبلوا بها لو علموا بما كان ينتظر العراق.
في سياق توقيت التصريحات التي أدلى بها الفيصل يمكن القول إنها ذات صلة بإرسال مسودة الدستور العراقي للأمم المتحدة من أجل اعتمادها، وذلك بعدما عوّل البعض على تعديلها قبل الاستفتاء، (مازال ذلك ممكناً)، تحديداً البند المتعلق بالفيدرالية، كما أن هناك المخاوف المتعلقة بتطورات عملية المطاردة لسوريا وما يمكن أن يترتب عليها بشأن الوضع العراقي، لاسيما وهي التي تتحمل العبء الأكبر في سياق مواجهة الطوفان الذي يدق بابها بعنف.
لكن ذلك ليس كل شيء، فهناك إضافة إلى ذلك ما يتعلق بالورطة الأمريكية في العراق وتراجع وضع المحافظين الجدد داخل الولايات المتحدة بعد تصاعد الانتقادات المتعلقة بالحرب، إضافة إلى تداعيات إعصار "كاترينا" على وضع الرئيس الأمريكي.
وإذا كان النفوذ الإيراني في العراق هو محور التصريحات التي أدلى بها سعود الفيصل كأهم نتائج السياسات الأمريكية في ذلك البلد منذ الاحتلال، فإن مسألة التقسيم الذي تطرحه الفيدرالية لا تقل أهمية عن ذلك كله، لاسيما وهي تهدد بوضع مشابه، وأقله اضطرابات تنتشر في عموم المنطقة، ومن بينها السعودية والبحرين والكويت، فضلاً عن سوريا المستهدفة بتداعيات زلزال الحريري.
وفي حين ردت الولايات المتحدة على تصريحات الفيصل واعتبرتها "غير مسؤولة" إلا أنها تدرك بالمقابل أنها تعبر عن واقع الحال على الأرض، ذلك أن إيران هي المستفيد الأول والأهم من كل ما جرى إلى الآن، بل إن من العبث حصر النفوذ الإيراني في العراق بالعلاقة المهمة مع التنظيمات الشيعية القادمة من الخارج مثل حزب الدعوة والمجلس الأعلى للثورة الإسلامية، ذلك أن تجربة طهران السياسية والأمنية لا تدفعها إلى ربط مصيرها في العراق برجل أو رجلين، بل تمدها نحو علاقات مباشرة أمنية وسياسية ودينية مع فرقاء كثر في الساحة، ومع أناس من مختلف المستويات. وليس سراً أن نفوذ إيران في محافظات الجنوب الشيعية يبدو أكبر بكثير من نفوذ الحكيم والجعفري، كما أنه ليس سراً أيضاً أن بريطانيا تدرك تماماً حدود النفوذ الإيراني في تلك المناطق، وهو بالضبط ما يكبل يديها في مسألة مطاردة القدرات النووية الإيرانية، بل إن قصة الجنديين البريطانيين الأخيرة والاحتجاجات التي تلتها هي محض رسالة تذكير من طهران للندن بأن جنودها في الجنوب العراقي هم رهائن بيد الاستخبارات الإيرانية، تماما مثلما هو حال الجنود الأمريكان في المناطق الأخرى، وإن بدا وضع البريطانيين أسوأ، إذ أن إسقاط توني بلير لن يأخذ من الإيرانيين وقتاً طويلاً إذا قرروا استهداف قواته بشكل يومي، وهم قادرون على ذلك بالطبع.
لكن السؤال الذي يبقى غير مؤكد الإجابة هو ذلك المتعلق برغبة طهران بالفعل بانفصال الجنوب الشيعي عما تبقى من العراق، ذلك أن تكريس فيروس التفتيت في المنطقة سيصيب إيران أكثر من سواها وهي التي تعاني من نزعات انفصالية واضحة من عرب الأهواز الذين تمدها مناطقهم بمعظم ثرواتها من النفط والغاز، وكذلك من الأكراد، فضلاً عن السنّة في الشمال.
هناك بالطبع الموقف الأمريكي المحكوم بدوره للهواجس الصهيونية التي تضع إيران في مقدمة الاستهداف بوصفها الدولة التي تحاول كسر الاحتكار النووي الإسرائيلي في المنطقة، إذ أن إدراك واشنطن لصحة كلام الفيصل لا يمكّنها من فعل شيء، والسبب هو استمرار وقوعها أسيرة لمعادلة الفرار من نيران المقاومة نحو التحالف مع المقربين من إيران على أمل استمالتهم بعيداً عنها بعد تمرغهم في "بركات" السلطة ومزاياها ، لكنها لعبة غير مضمونة في كل الأحوال لسبب بسيط هو أن نفوذ طهران لا ينحصر في جماعة الحكيم والجعفري كما أشرنا، بل يتجاوزهما بكثير، ويكفي أن كلمة من السيستاني، - وهو رجل إيراني - يمكنها أن تخلط الكثير من الأوراق في الساحة العراقية !
ما ينبغي التطرق إليه هنا قبل الحديث عن الموقف السعودي والعربي عموماً في الرد على ما يجري هو ما يتعلق بردود الحكيم المستعلية على تصريحات الفيصل، والتي تنطوي على شيء من التهديد لدول الجوار، وهي من دون شك ردود تتحسب لما هو آت من مواقف، ولما هو قائم منها في واقع الحال.
من المؤكد أن المواجهة العربية مع مخاطر الساحة العراقية لا يمكن أن تتم خارج سياق دعم العرب السنة بكل فئاتهم، ليس فقط في سياق تكريس معادلة المقاومة، بما فيها تلك التي تستهدف الحكومة الطائفية التي وضعت نفسها في خدمة الاحتلال، مضيفة إلى ذلك ممارسات أكثر دموية بحق مناطق العرب السنة، بل أيضاً في ميدان العمل السياسي، وبخاصة دعم مشاركة هذه الفئة في الاستفتاء من أجل إفشاله، وصولاً إلى المشاركة الواسعة في الانتخابات القادمة من أجل إعادة الاعتبار لدورهم ووزنهم.
وإذا كان من الصعب التعويل على المسار السياسي تبعاً لتحكم الطرف الشيعي بكامل تفاصيله وآلياته، فإن المقاومة هي الملاذ الآمن لمواجهة اللعبة الخطيرة التي تهدد المنطقة برمتها، فيما لا تخدم غير لعبة التفتيت التي يريدها الصهاينة من أجل تمرير ما عجزوا عن تمريره من خلال مسيرة أوسلو، ما يعني أن على من أراد مواجهة الموقف الخطير أن يبادر إلى دعم المقاومة، فهل يجرؤ النظام العربي الرسمي على فعل ذلك، ولو من تحت الطاولة ؟!
الاسلام اليوم
1/10/2005
تصريحات الفيصل.. ومخاوف الجوار ! ...ياسر الزعاترة
