هيئة علماء المسلمين في العراق

الفيضي: الأوضاع الأمنية في العراق الآن هي في الذروة من حيث السوء
الفيضي: الأوضاع الأمنية في العراق الآن هي في الذروة من حيث السوء الفيضي: الأوضاع الأمنية في العراق الآن هي في الذروة من حيث السوء

الفيضي: الأوضاع الأمنية في العراق الآن هي في الذروة من حيث السوء

حاوره عزالدين أحمد يفرض الزخم الذي تشهده الساحة العراقية هذه الأيام تساؤلات عدة حول ما ستحمله الأيام القادمة من استحقاقات لأبناء الرافدين في ظل ما تشهده ساحتهم من تطورات ميدانية وسياسية يأتي في مقدمتها استحقاق الاستفتاء على الدستور المقرر في الخامس عشر من الشهر المقبل في ظل تصاعد كبير في عمليات المقاومة ضد الاحتلال. فإلى ماذا ستفضي هذه التطورات وما هو موقف القوى السياسية العراقية من هذه التطورات؟ وما خطواتها القادمة في ظل إصرار الولايات المتحدة الأمريكية على إنفاذ الدستور الذي تعترض عليه القوى العربية السنية؟ وفي ظل تمسكها ببقاء قواتها في العراق برغم تزايد الأصوات المطالبة بانسحابها؟
هذه الأسئلة وغيرها طرحتها «السبيل» على الدكتور محمد بشار الفيضي الناطق باسم هيئة علماء المسلمين في العراق فكان هذا الحوار؟

السبيل: كيف تقيمون الاوضاع السياسية والأمنية في العراق؟
- الاوضاع الأمنية في العراق الآن هي في الذروة من حيث السوء، وقد كنا نتوقع هذا منذ تم تشكيل الحكومة الحالية، حيث عقدنا مؤتمراً صحفياً في حينه ونصحنا هذه الحكومة، وقلنا لها انها ثمرة انتخابات جزئية في ظروف احتلال، وننظر لها على انها حكومة تصريف اعمال، لكنا نقدم لها ثلاث نصائح، اذا اخذت بها نعتقد ان نجاحا سيسجل لها وسيكون لها مكسب في تخفيف الاوضاع، واذا لم تأخذ بها فإنها ستجازف بمستقبلها السياسي، وسيكون وضعها أسوأ، وهذه النصائح هي:   

الاولى:- ان تعرف الحكومة حجمها الطبيعي ووضعها القانوني وانها لا تمثل الشعب العراقي كله، وعلى هذا الاساس لا يحق لها ادعاء تمثيل العراق بالمحافل الدولية. ولا يحق لها كتابة الدستور الدائم، ولا يحق لها ابرام أي اتفاقات أمنية او اقتصادية بعيدة المدى ذات مساس بالسيادة العراقية، وتبقى قرارتها معرضة و قابلة للطعن من قبل فئات الشعب التي لم تشارك في الانتخابات.

النصيحة الثانية:- اننا نصحناها ان لا تعمد لخلط الاوراق بين المقاومة و«الارهاب» وتفرق بينهما وتنظر الى المقاومة على انها عمل مشروع، النصحية الثالثة هي ان لا تعمد اجهزتها الأمنية لمشاركة قوات الاحتلال في ملاحقة ابناء المقاومة وفي مداهمة البيوت والاعتداء على العراقيين.
وللأسف الشديد لم تلتزم هذه الحكومة بأي نصيحة من النصائح التي قدمناها، فهي اولاً كتبت الدستور الدائم - وكما رأيتم- بطريقة مبنية على الأثرة والانانية وتجاهلت الملايين الذين لم يشتركوا في الانتخابات، وخلطت الاوراق، حيث تعاملت مع المقاومة كلها على انها «ارهاب» وللأسف الشديد دفعت بأجهزتها الى مشاركة قوات الاحتلال في ملاحقة أبناء المقاومة، واضافت جديداً بأن كرست سياسة طائفية بشعة جداً في المناطق الساخنة، مثلما حدث في «تلعفر» وغيرها من مناطق العراق.
ولذلك وبسبب اخطاء هذه الحكومة السياسية اصبح الوضع الأمني مترديا جداً، والعراق الآن في مرحلة من مراحل الذروة من حيث السوء، وهذه الحكومة فقدت رصيدها نهائياً، ولا اعتقد انها ستحظى بأي تأييد في المستقبل السياسي القادم.

السبيل: استشرافاً للمستقبل الذي رسمته هل تأملون بانفراجة قريبة في الأيام القادمة؟
- نحن ابتداء متفائلون، حيث اننا نعتقد ان هذه المعركة تسير بعين الله، لأنها معركة لا لبس فيها ولا غموض فهي معركة بين الحق والباطل، هذه ليست الحرب الإيرانية - العراقية، وليست غزو الكويت، هذه معركة نعتقد انها فقدت كل مبرراتها وغير مؤيدة من مجلس الأمن وهي غزو واضح والذرائع التي اتخذت بشأنها سقطت جميعها، فبالتالي اصبحت معركة بين الخير والشر، ومعرفتنا بسنن الله عز وجل في معارك من هذا النوع ان الغلبة ستكون قطعاً للخير والحق لكن من دون شك نحن نمر الآن باخطر مرحلة من مراحل المعركة، الامريكيون يكابرون ولا يريدون ان يظهروا للعالم انهم في مأزق، بل يحاولون القول انهم قادرون على الخروج منه، وسيركزون على موضوع الدستور والانتخابات، لكنني اؤكد ان الدستور سيصبح حاله كحال كل العمليات السياسية السابقة ،وبالنسبة للانتخابات التي يراد لها ان تكون للسنوات الاربع، فلن تختلف الوضعيةكثيراً عن العملية الانتخابية السابقة، وستبقى المقاومة مشتعلة وسيبقى الوضع الأمني متردياً، وسيأتي اليوم الذي تجد امريكا نفسها مضطرة للخروج.

السبيل: من يتحمل برأيكم المسؤولية عن هذا الوضع المتردي سياسياً وأمنياً؟
- المحتل هو اساس كل المشاكل، المقاومة تشتعل يوما بعد يوم بسبب وجود الاحتلال وما يتمخض عنه سلوك الاحتلال من تصرفات اجرامية بحق الشعب يستدعي رد الفعل الطبيعي على الاحتلال واعماله الاجرامية، وما دام الاحتلال موجودا فإن المقاومة ستبقى مشتعلة ، وبدل ان نطلب من المقاومة ان تتوقف ونخالف السنن الفطرية علينا ان نطلب من الاحتلال ان يخرج، لأنه ان خرج لن تبقى مشكلة في البلد وسيتحسن الوضع في وقت قياسي قصير جداً، فإذن الاحتلال هو من يتحمل المسؤولية بالدرجة الاولى والقوى المتعاونة معه، لأنها هي من تزيد ازمة العراقيين.

السبيل: هل تعنون الحكومة العراقية؟
- ليس فقط الحكومة الحالية، كل القوى التي جاءت مع الاحتلال والتي لاحظنا انها لم تنجح في أي تجربة سياسية، حيث دخلت في مجلس الحكم فازداد الوضع سوءاً، دخلت في الحكومة المؤقتة كان الوضع سيئاً كذلك، ودخلت في الحكومة المنتخبة جزئياً فازداد الوضع سوءاً هذه الوجوه لم تعد قادرة على قيادة البلد سياسياً وعليها ان تتنحى وان تترك الفرصة للاخرين، فالقوى المتعاونة مع الاحتلال تتحمل المسؤولية في الدرجة الثانية، وهناك ايضاً نجد بعض القوى الشعبية تتحمل جزءاً من المسؤولية بسكوتها عن ادانة الاحتلال وكأنها تبدو راضية على وجوده، فهي شريكة الى حد ما في هذا الوضع المتأزم. لأن المفروض ان يكون الموقف الشعبي موحداً، وهو رفض الاحتلال لأن هذا هو المنطق الذي امرت به الاديان السماوية والدين الاسلامي.

السبيل: هناك استحقاقات سياسية متعددة تواجهها الساحة العراقية، انتم في الهيئة هل حسمتم امركم، سيما ما يتعلق بموضوع الدستور والانتخابات؟
- الهيئة بفضل الله، لديها استراتيجية واضحة اعلنتها منذ البداية، وما زالت متمسكة بها لم تخرج عنها، وهي انها لن تشارك في أي عملية سياسية في ظل الاحتلال وترى ان عملية من هذا النوع ستكون مشبوهة وتصب في مصلحة الاحتلال ولن تكون في مصلحة العراقيين قلنا هذا عندما تأسس مجلس الحكم ولامنا كثيرون وقالوا تعجلتم في الحكم على مجلس الحكم، لكننا بينا موقفنا هذا على امرين، معرفتنا بطبيعة عدونا وطبيعة مطامعه وانه سيسخر كل عملية سياسية لصالحه، سيما انه غزا قبلنا اكثر من عشرين دولة، فهو متفوق في توظيف العمليات السياسية لصالحه، ومعرفتنا ايضاً بالاشخاص الذين جاؤوا مع الامريكان، وانهم قبل هذه المرحلة ملئت جيوبهم بالاموال والرعاية الامريكية والبريطانية، وبالتالي لا يمكن لهؤلاء ان يخرجوا عن رغبة السيد الامريكي، لذلك قلنا ان مجلس الحكم هو مشروع امريكي ولن يحل المشكلة العراقية، وبالفعل صدّق ما قلناه ثم لما جاءت الحكومة المؤقتة دعينا للمشاركة فيها، فرفضنا وقلنا ان هذه الحكومة لن تحل المشكلة العراقية وصدّق الواقع ما قلنا كذلك، وعندما جاءت الانتخابات قلنا ذات الكلام وقلنا انها انتخابات مشوهة وغير جديرة بالثقة، ولكن جزء من الشعب اختار هذا الخيار، وترون ان الواقع لم يخرج عن ما توقعناه، وانا اقول لكم الان الدستور القادم اذا ما تم تمريره سيكون مشكلة ولن يكون حلاً للمشكلات ولن يحظى بالاحترام، وسيفرض بالقوة كما فرضت الحكومة ، والعملية الانتخابية القادمة اذا تمت بنفس الظروف والملابسات ايضاً ستزيد العبء العراقي عبئاً، بمعنى انها لن تكون في مصلحة العراق، فلماذا نورط انفسنا في عملية سياسية خاسرة نعلم مسبقاً انها ستكون بمثابة صهوة الجواد يمتطيها الامريكي لتحقيق مآربه بعيداً عن مصالح الشعب العراقي.

السبيل: اذا انتم ترون دعوة العراقيين للمشاركة بالاستفتاء ولو بـ«لا» يعطي شرعية للاحتلال ونوع من المشاركة في عملية سياسية مشوهة؟
- نعم، نحن نقول هذا الدستور يجب ان يرفض من الآن.

السبيل: سواءً المشاركة بـ«لا» او «نعم»؟
- نعم، نحن لا نشجع على المشاركة وان كنا لا نمنعها لسبب بسيط، هو اننا لا نثق في القائمين على عملية الاستفتاء على الدستور، ونتساءل ما الذي يضمن لنا ان الامريكيين والقوى المتحالفة معهم ستعطينا النتائج الصحيحة للاستفتاء؟ لدينا يقين ان معظم الشعب العراقي سيقولون «لا» للدستور، لكن في الوقت ذاته لدينا مخاوف ان هذه الـ«لا» يمكن ان تصبح «نعم» بقدرة قادر، ما دام ان الامريكيين هم المهيمنون، لأن هناك حقيقة يجب ان لا نغفلها، وهي ان الاستفتاء بالنسبة للامريكيين قضية مصيرية، بوش في مأزق يريد ان يقول للعالم انني نجحت، والقوى المتعاونة معه صاغت الدستور بما يخدم مصالحها تماماً، اذا الطرفان في حالة من الحرص على نجاح الاستفتاء مهما كلف الثمن، وهنا نقول، ما الذي يحول بين هؤلاء وبين الكذب على الشعب، ويخرجون على الفضائيات ويقولون ان الاغلبية وافقت على الدستور حيث لا رقابة دولية ولا أمم متحدة.

السبيل: ألا تخشون ان يؤدي موقفكم هذا الى شق الصف السني، خصوصاً ان اطراف سنية اخرى دعت للمشاركة ومنها اطراف في المقاومة؟
- الهيئة تعمل لمصلحة العراق وتتخذ الخطوة التي تراها مناسبة لمصلحة العراقيين، لكن لا اظن ان شق الصف سيحصل، لأننا اعلنا اننا لن نشارك ولا نثق في الاستفتاء لكننا لم نمنع احداً، نحن واجبنا كهيئة شرعية ان نبيّن الموقف ونترك لشعبنا الخيار، لذلك بعثت الهيئة برسالة مفتوحة للشعب العراق وكان احدى توصياتها انكم يا شعب العراق اذا اردتم المشاركة في الاستفتاء فعليكم ان تحذروا من الهيمنة على الاستفتاء لأن الذي سرق اصواتكم في الانتخابات من الممكن ان يسرقها مرة اخرى.

السبيل: في موضوع الاوضاع الأمنية وتدهورها، تحذر اطراف كثيرة من حدوث حرب طائفية، ما هو رأيكم؟
- منذ بداية الاحتلال كان هذا الخيار مطروحاً وكنا نستبعد عبر وسائل الاعلام حدوثه ، ونقول اننا نثق بالشعب العراقي، وهو من النضج بمكان بحيث يسمو على الازمات التي من الممكن ان تدفعه لحرب أهلية.
ومررنا بتجارب جعلتنا نزداد ثقة في هذا الموضوع، في بداية الاحتلال لاحظنا ان الامريكيين فتحوا مخازن السلاح على مدى ثلاثة اسابيع يأخذ منها الناس ويمرون امام الدبابات الامريكية والامريكي يصرف وجهة كأن الامر لا يعنيه، ففهمنا ان هناك مخطط كبير لحرب أهلية، فمن يقول بأن امريكا لا تريد حرب أهلية واهم، امريكا كانت تتمنى حرباً أهلية وعلى الرغم من ان هناك مؤامرات صيغت بوضوح لاشعال هذه الفتنة كما حدث في تفجيرات الكاظمية وكربلاء واغتيال علماء السنة تجاوز الشعب العراقي موضوع الطائفية وحتى اللحظة نحن نثق بأن الشعب لن ينزلق الى حرب أهلية رغم حرص الكثيرين على اشعالها.

السبيل: في موضوع تهديدات ابو مصعب الزرقاوي الأخيرة لأطراف سنية وشيعية أصدرتم بياناً وأوضحتم فيه روايتكم لهذه التهديدات ما هي الخطو ة القادمة بالنسبة لكم؟
- البيان كما هو معلوم تضمن دعوة لأبي مصعب للتراجع عن هذا التهديد العام، نحن ننتظر منه ان يستجيب لهذه الدعوة، فنحن نخوض معركة شرسة مع الاحتلال وبالتالي نحتاج الى ان تتوحد كل القوى الشعبية في خندق مقاومة الاحتلال، ونعتقد ان دعوة ابي مصعب هي في الاتجاه الخاطئ تماماً لأنها تحاول تحقيق ما يطمح له المحتل من تقسيم العراق فعلياً على نحو طائفي وعرقي، وفي ذات الوقت تعطي المحتل دعم لوجوده في العراق، فهي من الناحية السياسية خاطئة، ومن الناحية الشرعية ايضاً خاطئة، لأننا نعجب على أي اساس من الشرع يجيز قتل البريء بما فعل الجاني، والقاعدة الشرعية في هذا المجال معروفة وهي «ولا تزر وازرة وزر اخرى»، كما انه لا يجوز للمسلم ان يتعلق في مثل هذه القضايا بقاعدة الثأر والانفعالات العاطفية، يجب ان تحكمنا في هذه القضايا الحساسة احكام الشرع، وان لا نستجيب لرد فعل عاطفي وننتقم من الابرياء وهنا نتذكر ما فعله الرسول صلى الله عليه وسلم عندما وجد عمه حمزة وقد مثّل به في معركة احد وقال «لأمثلن بسبعين منهم»، ثم تراجع المصطفى عليه الصلاة والسلام، لأنه «وجزاء سيئة سيئة مثلها» ونزلت الآية المعروفة «وان عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به، ولئن صبرتم لهو خير للصابرين» فنحن ذكرناه بالله ونتمنى ان يتراجع.

السبيل: ولكن هناك من يقول انكم في لغة مخاطبتكم للزقاوي ربما تبررون بعض افعاله؟
- نحن نجد ان الزرقاوي يمارس نوعين من العمل ، اولاً يستهدف فيه قوات الاحتلال وهذا عمل مشروع لأن الامريكان غزوا بلادنا وجاءوا بكل جنسيات الدنيا، فالمبدأ الشرعي انا لا استطيع القول للمجاهد العربي اخرج من ارضي فضلا عن ان امريكا جيّشت العالم ضدي.
وثانياً حينما يجيز الزرقاوي قتل الابرياء فإّذا افترضنا فيه حسن النية، هو يسيء الينا من حيث لا يدري، وعليه ان يفهم تعقيدات الظرف العراقي.

السبيل: برز التناقض العراقي الرسمي في موضوع جدولة انسحاب الاحتلال بينما كان الموقف الامريكي واضحاً بأنه لا تفكير في جدولة الانسحاب، انتم في الهيئة كيف تنظرون الى هذه المسألة؟
- شيء طبيعي جداً ان لا يطلب جلال الطالباني والجعفري وغيرهم من الذين يخوضون العملية السياسية بمباركة الاحتلال من الامريكان الخروج وهم بذلك يرتكبون خطئاً فادحاً.
اما نحن فنعتقد ان جدولة الانسحاب مطلب لا نتنازل عنه نصت عليه الشرائع والقوانين في العالم، ولن نتنازل لا اليوم ولا غداً عن هذا المطالبة بخروج المحتلين دون قيد او شرط ، وفي تقديري الشخصي سيظل الامريكيون يكابرون، لكن اليوم الذي سيجدولون فيه انسحابهم سيكون قريباً.
صحيفة السبيل
29/9/2005

أضف تعليق