هيئة علماء المسلمين في العراق

الجلبي ووعي المأزق العراقي / رضوان السيد
الجلبي ووعي المأزق العراقي / رضوان السيد الجلبي ووعي المأزق العراقي / رضوان السيد

الجلبي ووعي المأزق العراقي / رضوان السيد

منذ أسبوع تنشر صحيفة \" الحياة \" اللندنية مقابلة مطولة مع الدكتور أحمد الجلبي ، أحد أقطاب المعارضة السابقين لصدام حسين ، والذين عادوا في سياق الغزو الأميركي للعراق عام 2003 . وقد لعب الجلبي دوراً في " تجميع المعارضين " لنظام صدام في التسعينيات ، وكان إلى جانبه صديقه اللدود إياد علاوي، أحد الذين اعتمد عليهم الأميركيون في التمهيد للغزو ، وفي ربط العلاقة مع إيران .
ولأسبابٍ ما يزال أكثرها مجهولا ، تبرأ منه الأميركيون وطاردوه لفترة بعد عام 2005 ، وكذلك فعل الإيرانيون بعد عام 2006 ، ويمكن القول إن الجلبي أصابه ما يُصيب الذين تتخذهم الدول والعصابات أدوات لتحقيق أهدافها ، حتى إذا حققتها نفضت أيديها منهم ، وهذا إذا لم يذهبوا ضحية  "البطولة " التي يدّعونها أو تُدَّعى لهم ! والجلبي مشهور بهذه الخصلة ، أي الدخول في صفقات يعتقد فيها نفسه نداً ، ثم يتبين أن تلك الندية هي اعتقاد من جانبه ، لا يشاركه فيه الذين عمل لهم ، وهو يظن أنه يعمل معهم. وليس المقصود من هذا التعليق التشنيع على الجلبي أو تشويه سُمعته ، بل الفهم من فحوى المقابلة -وليس من وقائعها المدّعاة من جانبه- لماذا غزا الأميركيون العراق بالفعل ؟ وما حقيقة اللعبة بين الولايات المتحدة وإيران ، وبخاصة أنهما على مشارف صفقة جديدة ضخمة ، لا تقل هولا واتساعاً عن صفقة " إيران –كونترا " في الثمانينيات !!
فالجلبي الذي قيل إنه كان يتقاضى مبالغ ضخمة من وكالة المخابرات المركزية الأميركية ، يزعم الآن أنه هو الذي ورط الولايات المتحدة في غزو العراق ( الذي لم تكن تريده !) ، وذلك منذ " قانون تحرير العراق " في الكونجرس عام 1998 ، إلى مؤتمرات المعارضة العراقية في بريطانيا ( بحضور الأميركيين ) ، وفي صلاح الدين بالمنطقة الكردية ، بحضورهم أيضاً . والمعروف أن الأميركيين أصروا دائماً على أنهم أرادوا إسقاط صدام لسببين : أسلحة الدمار الشامل التي كان ينتجها بزعمهم ، والإرهاب الذي قالوا إنه كان يمارسه ضدهم بالتعاون مع " القاعدة ". أما بعد عام 2005 ، وبعد أن اندحض الادعاءان ، فقد أصر الأميركيون على أنهم إنما أرادوا إسقاط صدام في الحقيقة من أجل بناء دولة ديمقراطية بالعراق!

بينما يتسع أفق التفاوض بين طهران وواشنطن، يجد العرب أنفسهم مُبعدين، رغم أن أكبر أنصبة التفاوض تخصهم ، وليس (إسرائيل) أو إيران!

وبغض النظر عن ضخامة الدعوى التي يقدمها الجلبي بشأن دوره في " توريط " الأميركيين بالغزو، فمن المفيد الذهاب معه للطرف الآخر ، الطرف الإيراني الذي يقول الجلبي إنه شارك في الغزو الأميركي للعراق ليس من خلال المعارضين العراقيين الذين كانوا عنده وحسب ، بل وبشكل مباشر من خلال الاستخبارات والوجود بالمنطقة الكردية ، والدعم المادي واللوجستي . ونعرف من المصادر الأميركية أن الإيرانيين والأميركيين تشاوروا طويلا ، وعملوا معاً قبل الغزو وخلاله ، ثم استغنى الإيرانيون ليس عن الجلبي وحسب ، بل وعن الأميركيين ، وأقبلوا على العمل بأنفسهم ولأنفسهم في العراق حتى الآن ،  في العلن يعتبر الإيرانيون أنفسهم زعماء لمقاومة الاحتلال الأميركي بعد تراجع نشاطات " القاعدة " ولجوء أجزاء منها إليهم . أما الجلبي وقد شعر بالخيبة إزاء الإيرانيين أيضاً ، بعد أن " خانه " الأميركيون كما قال ، فإنه يستغرب الخصومة المدعاة بين أميركا وإيران ، ويورد بالأدلة والوقائع تعاون الطرفين في عملية الغزو . والمعروف أن الأميركيين ، وبعد أن بدأوا ينزعجون من الإيرانيين منذ عام 2006 ، تبادلوا المناوشات معهم ، وقبضوا على بعض عملائهم بالداخل العراقي، واتهموا الجلبي نفسه بخيانتهم مع إيران ، لذلك لاحقوه وأقفلوا بعض مكاتبه . وقد خرج هو لفترة إلى إيران ، ولأن الجلبي أُبعد من الطرفين ( ربما بالاتفاق فيما بينهما ) ، فإنه لا يستطيع قول الكثير عن العلاقة الأميركية ـ الإيرانية بعد عام 2006 . ومما يدل على أن العلاقة بين الأميركيين والإيرانيين لم تنفصم ؛ إقبال الولايات المتحدة الآن على طلب المساعدة من إيران في أفغانستان ، كما ساعدت من قبل في العراق.
ويعتقد الجلبي أن الجمهوريين كانوا بدايةً أميل من الديمقراطيين لغزو العراق ، لذلك فهو يعتقد أن التغيير في القيادة الأميركية ، أذهب أنصاره من الإدارة ، لكن القيادة العسكرية التي عقدت الصفقة مع إيران ، ما تزال موجود ة، وغيتس منها ، كما أن بترايوس كان وقتها قائد العمليات بالعراق.
وهذان الرجلان هما اللذان يقودان الآن المفاوضات السرية مع إيران ، وقد التقى الطرفان على مستوى المخابرات عشرات المرات في أنحاء مختلفة من العالم ، يُقال إن منها بيروت . وكان الرئيس أوباما قد قال في رسالته للإيرانيين بمناسبة النيروز إن الأفق مفتوح للتفاوض ( بل والشراكة) إذا تخلى الإيرانيون عن " النووي وعن الإرهاب ".
وقد أجابه خامنئي ونصحه بعدم التدخل في شؤون إيران ، لكنه قال إنه مستعد للتفاوض إذا غيرت أميركا سياستها . والواقع أن الولايات المتحدة غيرت سياستها بالفعل منذ عام 2007 ، وقد فتحت ذراعيها لإيران حتى من دون التخلي عن " النووي والإرهاب " ، وإلا فكيف تبادر لمكافأة إيران بإظهار ثقتها بها وإعطائها دوراً في أفغانستان ، كما سبق أن شاركت ونالت أنصبة وافرة في العراق ؟!
وهكذا فلن تكون هناك مشاكل كبرى بين إيران والولايات المتحدة عام 2009 ، لكن المشاكل مع إيران ستتركز لدى العرب وعندهم . وكان وزير الخارجية السعودي قد حدد المشكلات مع إيران كالتالي : الملف النووي ، أمن الخليج ، والتدخل في العراق ولبنان وفلسطين. وسيكون عليه الآن إضافة السودان! فقد ضربت ( إسرائيل ) قبل نحو شهرين شاحنات تحمل سلاحاً إيرانياً ، يعتقد أنه مُرسل الى "حماس" في غزة ، ومع ذلك قال الإسرائيليون إن مواجهة طهران و" النووي " أكبر من قدرتهم هم ، ولابد من معاونة من الولايات المتحدة . وستضم الولايات المتحدة ، إن لم تكن قد فعلت ، الخصومة ( الإيرانية -الإسرائيلية ) إلى طاولة التفاوض . وهكذا فبينما يتسع أفق التفاوض بين الطرفين ، يجد العرب أنفسهم مُبعدين ، رغم أن أكبر أنصبة التفاوض تدور على أرضهم ، وليس في (إسرائيل) أو إيران! لقد أعطت الولايات المتحدة إيران في العراق وأفغانستان ، فهل تعطيها في أمن الخليج فتتحقق أسوأ مخاوف  العرب ؟!
وتبقى العقبة الكأداء بين الإيرانيين والأميركيين مركزة في نقطتين : " حزب الله "  في لبنان ، والنظام السوري في دمشق ، فالسوريون والأميركيون بلغوا أيضاً في اتصالاتهم آفاقاً بعيدة ، والسوريون معنيون الآن بإطلاق دخان كثيف ، حتى لا تنكشف الأزمة بينهم وبين إيران . ومن الدخان الكثيف مقابلة الأسد الأخيرة مع صحيفة " السفير " اللبنانية والتي ذهب خلالها بعيداً في " دعم المقاومة "، بينما أرسل سفيره إلى لبنان تدليلا على حُسن النوايا قبل قمة الدوحة ، حيث سيستطيع سرد إنجازاته ؛ ومنها انتخاب الرئيس اللبناني ، وحالة التهدئة السائدة ، وبذلك فقد يعتقد الأسد أنه لن تكون لديه هموم كبيرة ، ولذا فقد اقترح على اللبنانيين أن ينشأوا حكومة وحدة وطنية بعد الانتخابات ، أياً تكن نتائج الأخيرة.
وإذا كانت إيران أفادت وتفيد من الحربين على أفغانستان والعراق ، فماذا تريد سوريا من التفاوض مع الولايات المتحدة أو برعايتها ؟ وهل تستفيد من المهادنة الأميركية ، والمصالحة العربية ، العودة للتدخل في لبنان والحصول على مساعدات من الأوروبيين والعرب ؟ هذا غير مرجح ، ففي المسار الجديد لن تكون هناك جوائز لسوريا أو لغيرها ، فالمنطق الذي يتحدث بحسبه الأميركيون هو منطق الوفاق والدبلوماسية ، بعد أن كانوا هم أنفسهم قد خرجوا على ذلك المنطق ، واعتنقوا منطق " الفوضى البناءة " ، وحرب الأفكار وما شابه.
أراد الجبلي في مقابلته إعطاء نفسه دوراً كبيراً في عملية الغزو ، وهذا هدف " طموح " لكن هل هو مشروع ؟ ، إنما الذي حدث هو أن مليون عراقي وأكثر هلكوا حتى الآن ، ومن يرجو النجاح لا يلتفت وراءه ، لا من الخوف ، ولا من أجل الإشادة بالماضي أو التبرؤ منه ، وإذا كانت المرارة لديه ناجمة عن الاستبعاد ، فالصحيح أنه في مصيبة العراق تهون كل المصائب الأخرى ، وإنه ليبلغ من هول تلك المصيبة ، أن تتبرأ حتى إيران التي أسهمت فيها بنصيب وافر من نتائجها . أما الجلبي ، وبسبب وعيه المعروف ، فإنه يصر على الفخر بها ، وادعاء أبوتها.
المقالة تعبر عن رأي كاتبها
ح

أضف تعليق