\"لدولة إسرائيل يوجد أكثر جيش أخلاقي في العالم، بداية من رئيس الأركان وحتى أصغر الجنود، لكن هذا لا يعني عدم وجود أمور شاذة\".
كان هذا هو الرد الذي تفتق عنه ذهن إيهود باراك على تلك الاعترافات المدوية لثلة من هؤلاء الجنود "الأكثر أخلاقية" الذين أكدّوا من خلالها أنهم مارسوا قتل المدنيين الفلسطينيين في غزة بدم بارد ودون الحاجة إلى أدنى مبرر.
وعلى الرغم من أن ما صرّح به باراك لا يخرج عن سياق الكذب المفضوح الذي اعتدنا سماعه من قادة الصهاينة، إلا أن الأمر يستحق أن نلقي ببعض الضوء على هذا "التفوق الأخلاقي" للجيش الصهيوني.
انتشار للمخدرات، تحرشات جنسية تتعرض لها المجندات، شذوذ جنسي، هذه بعض صور الانحلال الأخلاقي الذي أظهرت دراسات إسرائيلية جادة تفشيها داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية.
فقد كشفت صحيفة يديعوت أحرنوت في تحقيق صحفي لها تزايد انتشار ظاهرة تعاطي المخدرات بين الجنود حتى في أثناء تنفيذهم مهمات حساسة، الأمر الذي لم يقتصر على الجنود فحسب، بل تعداه ليشمل عددا من الضباط.
استطلاع آخر قام به الجيش الإسرائيلي ذاته، أظهر تعرض 81% من المجندات الإسرائيليات -اللواتي يشكلن ثلث الجيش الإسرائيلي- لاعتداءات وتحرشات جنسية من زملائهن، الأمر الذي دفع ما نسبته 43% منهن للتهرب من أداء الخدمة العسكرية.
تقرير آخر لصحيفة يديعوت أحرنوت عرض قصة جندي اغتصبه قائده، في فضيحة أكدت تفشي ظاهرة الشذوذ الجنسي بين الجنود الإسرائيليين.
القتل لمجرد القتل، بل والتلذذ بالقتل، واستهداف سيارات الإسعاف، ونهب وتدمير بيوت وممتلكات المدنيين في غزة، هي مشاهد أخرى من "التميز الأخلاقي" الإسرائيلي.
والمثير للاشمئزاز أن كل ذلك جرى بتعليمات من القيادة الإسرائيلية، وهذا ما أكده المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان مستندا إلى وثيقة عثر عليها في منزل المواطن سامي دردونه الذي اتخذته القوات الإسرائيلية قاعدة لها إبان العدوان الأخير على غزة، وتضمنت هذه الوثيقة تعليمات واضحة للجنود بإطلاق النار على كل ما يتحرك مباشرة ودون تحذير.
ولقد جاءت الاعترافات الأخيرة التي كشفت عنها صحيفة هآرتس إثباتا لصحة ما جاء في هذه الوثيقة، ولعل من أبرز الصور الدالة على قذارة وعدم إنسانية هؤلاء الجنود والتي أظهرتها ذات الصحيفة هي استخدام الجنود منازل المواطنين الفلسطينيين كدورات مياه، فقد وجدت ملابس المواطنين ملطخة بالبراز والقاذورات في مشهد تخجل حتى الحيوانات العجماء عن الإتيان بمثله.
وهنا لا بد من التأكيد على أن مثل هذه التصرفات "الأخلاقية جدا" للجنود الإسرائيليين لا تأتي في سياق ردود أفعال فرضتها عليهم طبيعة المقاومة التي واجهوها أثناء المعركة أو حتى جراء تجارب سابقة، بل هي نابعة من عقيدة عنصرية كامنة في قلوبهم وعقولهم، تلك التي عززتها فتاوى صادرة من كبار حاخاماتهم، وفيها دعوات صريحة لسفك الدماء واستباحة الحرمات وعدم التمييز بين المقاتلين وغيرهم.
ولا ريب في أن ما خلّفه هؤلاء الجنود من رسومات وكتابات على جدران البيوت تحرض على قتل العرب، وتدعو للحرب على حساب السلام، لمما يدلل على عمق تجذر هذه العقيدة العنصرية في انفسهم.
ولا يخرج عن هذا السياق ما كشفته مؤخراً صحيفة هآرتس من الطبيعة العنصرية وغير الإنسانية للمطبوعات والشعارات التي يفضل جنود "الوحدة المختارة" أن تزين ملابسهم التي يرتدونها.
في ظل هذه الحقائق القاطعة المدعومة بشهادات ووثائق من داخل البيت الإسرائيلي يغدو الحديث عن "تفوق أخلاقي" للجيش الإسرائيلي أمراً مثيرا للسخرية.
ولعل هذا ما دفع بعض العقلاء من الإسرائيليين الى دق ناقوس الخطر لمشكلة عنوانها الرئيس هو الانعدام الأخلاقي للجيش الإسرائيلي.
ومن المهم أن نشير هنا إلى أن ما يحصل في الجيش الإسرائيلي يعد امتداداً لصورة عامة من الفساد والتدهور الأخلاقي، تطال كل ركائز المجتمع الإسرائيلي من قيادات سياسية ومؤسسات وأحزاب إضافة إلى عنصر المرأة.
وعلى أية حال فإن ما يمكن أن نقرأه عربا ومسلمين وأصحاب قضية عادلة مما سبق: اننا بصدد إسفين جديد يُدقُّ في قلب هذا الكيان المسخ، فيا ليتنا لم نكن بهذا القدر من الضعف، ويا ليتنا نمتلك زمام إرادتنا السياسية لندرك أننا أمام عدو ليس سوى نمر من ورق.
جريدة السبيل
المقالات تعبر عن آراء أصحابها
ي
باراك ومهزلة الجيش الأكثر أخلاقية.. زيد أبو ملوح
