هيئة علماء المسلمين في العراق

مدخلان.. نحو الإصلاح السياسي في العراق / بقلم الدكتور محمد عاكف جمال .. كاتب عراقي
مدخلان.. نحو الإصلاح السياسي في العراق / بقلم الدكتور محمد عاكف جمال .. كاتب عراقي مدخلان.. نحو الإصلاح السياسي في العراق / بقلم الدكتور محمد عاكف جمال .. كاتب عراقي

مدخلان.. نحو الإصلاح السياسي في العراق / بقلم الدكتور محمد عاكف جمال .. كاتب عراقي

كَثُر الحديث في الأوساط العراقية ، على مدى السنوات الماضية ، عن الحاجة الماسة إلى الإصلاحات ومكافحة الفساد المستشري في جسد الدولة ، وتزايدت الدعوات وارتفعت وتيرتها للمطالبة بتقويم المسيرة السياسية المتعثرة ،.. بما يضمن إعادة الحياة المدنية ، التي افتقدها العراقيون ، والتي تسمح بإعادة إعمار العراق.
ولكن هذه الدعوات ، على كثرتها ، لم تثمر عن شيء يذكر ، حتى الآن ، فقد قطعت عجلة الفساد السريعة ، مسافات طويلة ، ولم تكن الدعوات للإصلاح ، سوى محاولات غير جادة لم تخرج عن طابعها الإعلامي الدعائي الذي يوظف في الحملات الانتخابية . فهذه الإصلاحات لن تتحقق بمجرد الدعوة لذلك ، ودون وجود وضوح في الرؤية ، ودون وجود برنامج عمل يشخص الخلل ويحدد آليات تقويمه، ودون وجود أسس دستورية.
مسؤولية الإصلاح تقع على عاتق الجميع ، ورغم أنها ليست من اختصاص السلطة التنفيذية وحدها ، إلا أن لهذه السلطة دور هام في مقاربة بعضها ، وذلك باعتمادها على التكنولوجيا الحديثة في مجال النظم الإدارية والمالية ، لضمان النجاح في القضاء على الفساد بشكل أسرع ، وذلك لأنها أداة فعالة للكشف عن المخالفات.
لا نأتي بجديد ، حين نقول ، بأن الفساد ، في معظم أجهزة الدولة ، قد وصل إلى مستويات متقدمة جداً، جعلت العراق في مقدمة البلدان التي تنعدم فيها الشفافية ، وتتفشى فيها الرشاوى ، ويتيسر فيها سرقة المال العام ، إثر تدهور منظومة القيم ، وصعود من لا يمتلك من المؤهلات إلى مراكز قيادية في مؤسسات الدولة ، في ظل عملية سياسية عليها الكثير من المآخذ.
كما لا نأتي بجديد ، حين نقول ، بأن من يتصدر قائمة السرقات وإهدار المال العام هم أناس يشتركون في العملية السياسية من المنتمين إلى الأحزاب التي تقاسمت السلطة منذ سقوط النظام السابق ، أما بالضلوع المباشر في الفساد ، أو في السكوت عنه ، لهذا السبب أو ذاك.
والآن ، وبعد ان نجحت حكومة المالكي ، إلى حد كبير، في تحقيق الأمن وفرض سلطة القانون ، وقامت وزارة الداخلية بالتخلص من عشرات الآلاف من العناصر التابعة للمليشيات التي أسهمت  الأوضاع السياسية الشاذة في العراق في المساعدة على أن دساسها في صفوفها ، ولم يعد الفلتان الأمني ذريعة للتنصل من مسؤولية مواجهة الفساد ، فقد آن الأوان للتخلص من هذه الآفة..
إنها مهمة ليست سهلة ، فقد توطن الفساد في أجهزة الدولة ، وتغلغل في النسيج الاجتماعي، بشكل بات أمر مكافحته يرقى إلى مستوى الأهداف الوطنية الكبيرة ، فالعراق ، لن ينهض ، طالما كانت هذه الآفة تنخر في كيانه .
هنالك مدخلان أساسيان لا غنى عنهما لمواجهة ذلك:
المدخل الأول: الأحزاب السياسية العاملة في العراق ، ليس لها ، ما ينظم عملها ، سوى التقاليد التي نشأت عليها أبان فترة العمل السري ، التي أجُبرت خلالها ، على النزوح إلى الخارج ، ولم يتعرف أعضاؤها ، ناهيك عن الجماهير المؤيدة لها ، بسبب سرية العمل ، على قياداتها سواء داخل العراق أو خارجه.
ولم تجد هذه القيادات نفسها يوماً أمام أعضاءها في مؤتمر تُختبر فيه قدراتها وكفاءاتها ، وتقدم فيه كشفاً عما أنجزته ، وتتعرض للمحاسبة والمسائلة . هذه الأحزاب قد لا تلتزم بمعايير العمل الديمقراطي في حياتها الداخلية ، سواء في شروط منح العضوية ، أو اختيار القيادات ، أو في المتابعة والرقابة ، أمام منتسبيها ، وأمام جمهورها.
الإصلاحات ينبغي أن تستند إلى أسس دستورية تنظم العملية السياسية بما يضمن مصلحة الشعب ، ويحقق رقابة ضرورية من قبل منظماته وأفراده على هذه الأحزاب ، فالعملية الديمقراطية إن لم تكن في منتهى الشفافية ، فهي ليست ديمقراطية بالمرة . الأحزاب السياسية في العراق تعمل ، منذ سقوط النظام السابق ، دون وجود غطاء قانوني يحدد معايير وآليات العمل الذي بموجبه تحظى بالترخيص لممارسة أنشطتها السياسية . المطلوب ، أن يعمد مجلس النواب العراقي إلى الإسراع بسن قانون لتنظيم عمل الأحزاب ، وفق معايير عالمية معروفة في الدول التي عرفت الديمقراطية منذ قرون ، قوانين تلزم هذه الأحزاب بعقد مؤتمرات دورية ، وتلزمها على إجراء انتخابات ديمقراطية لقياداتها ، وهو أمر هام جداً، بالكشف عن مصادرها المالية ، وعلاقاتها السياسية ، بمنظمات أخرى ، أو دول أخرى . فالقانون ، إن وضع بهذا الشكل ، سيعمل ، إلى حد كبير ، على تصفية هذه الأحزاب من العناصر الفاسدة والانتهازية، وربما التي لا تحمل الولاء للعراق ، التي تسللت إلى صفوفها ، وبالتالي ستصفى مؤسسات الدولة منها كذلك.
الحياة الديمقراطية داخل الحزب تنتعش بوجود مجموعة متنوعة من الوسائل ، توظف لإشراك الأعضاء في المداولات الحزبية الداخلية ، وفي صياغة سياسة الحزب ، ورسم أهدافه ، والتخطيط لإستراتيجيته، والمساهمة في صنع قراراته.
ومن التجارب المتراكمة ، لدى عدد كبير من دول العالم التي اتخذت الديمقراطية منهجاً في الحياة ، هنالك ما يؤكد بأن الأحزاب التي تستخدم إجراءات ديمقراطية داخلية ، على مختلف المستويات ، تختار، على الأرجح ، قادة أكثر تمكناً وجاذبية ، وتنتهج سياسات أكثر استجابة للأحداث ، وتتمتع ، نتيجة لذلك، بفرص أكبر للنجاح على الصعيد الانتخابي . كما أن الأحزاب التي تمارس الديمقراطية ، في حياتها الداخلية ، تعزز الثقافة الديمقراطية بشكل عام ، وتسهم بذلك في تعزيز الروح المدنية في المجتمع.
المدخل الثاني : التخلي عن مبدأ التوافق الذي انبثق عن نهج المحاصصة العرقية والطائفية البغيض ، الذي أتت به سلطات الاحتلال الأميركي ، وهو مبدأ لا ينسجم مع المنهج الديمقراطي ، فقد عانى منه جميع العراقيين ، على السواء ، حيث استخدم لإمرار العديد من القرارات والقوانين الضارة بالعراق ، والتي أصبحت الآن عائقاً أمام الإصلاح ، ومنها الدستور الدائم ، واستخدم في أحيان كثيرة بمثابة مظلة للتغطية على الكثير من التجاوزات وحالات الفساد ، وحماية بعض المنخرطين في العملية السياسية من المثول أمام القضاء . فقد سبق للقضاء العراقي أن تقدم ، بعدد من الطلبات ، في مناسبات مختلفة ، لرفع الحصانة البرلمانية عن 11 نائباً ، إلا أن دوافع سياسية وصفقات بين الكتل النيابية الكبيرة ، وفق مبدأ التوافق ، حالت دون ذلك.
المقالة تعبر عن رأي كاتبها
ح

أضف تعليق