نتيـجة لـمسار عـمل هـيئة علـماء الـمسـلمين فـي الـعراق, والـذي قـيمة الـعالم الإسـلامي وشـرفـاء العالم تـقييـماً حـقيقياً يليق بمكانة الهيئة ومشروعها المناهض للاحتلال.
والأمـة الإسـلامية تحـفظ للهيئة مـوقفـها وسـجـلها التاريخي عــبر مـواقـفها الـثابتة ومبادئها الشرعية, وحـصافة رأيها السياسي وتقييمها ورؤيتها لـمسار الأحداث, وإدارتها للصراع في مواجهة أعقد احتلال شهده تاريخ البشرية.
فجعلت من تجربتها وقيادتها لركب علماء المسلمين في العراق وشعبه, وريادتها في مقاومة الاحتلال, ورصانة مشروعها لـمناهضة جـميع مشاريعه, وجـعلت من الأمة أنْ لا مـناص لـها في مـواجهة جـميع التحديات الـمحدقة بالأمة إلاّ بأن تـكرر تجربة هيئة علماء الـمسلمين في العراق, وتسـتنـسخ مشروعها في أي دولة تعيش تحديات المشروع الصليبي الـمتصهين, ووأده وهـو في أول مهده حـيث أصبح لـديها الـقدرة التحليلية الأولية بناءً على الـرصيد الـضخم مـن عـمق تجـربة الهيئة, وأنـها أعـطت الأمـة رصيداً مـعرفياً مـتكامـلاً, ومن خلالـه يتـعرف الـعالم الإسلامي معالم إرهاصات أي مشروع احتلالي يستهدف الأمة الإسلامـية, فتتمكـن مـن مـعالجة تـداعياتـه مـن أول لحظاته, حيث أضافت للأمة صفحات تاريخية يضاف إلى رصيدها.
ونـظراً لإعجاب الـعالم بنضج الـهيئة مـع أول انـطلاقتها وهي تـقف بوجه المشروع الأمـريكي الـتدميري بثبات وصـمود قَلّ نـظيره في الـتاريخ, ذلك المشروع الذي لـم تـقف أمامه أمم, ولم تتجرأ دول العالم الكبرى أن تستخدم حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن, لأنهم قد ارتعدوا أمام جبروت الحلف الأمريكي وأرعـبهم صلف فـرعون العصـر(بوش) وهو يعلن أمام العالم حملته الصليبية, وهو يقول :(أن من لم يكن معنا, فهو ضدنا), حيث لم يتجرأ أحد من زعامات الدول الكبرى أن يتخذ جانب الحياد من الحملة, إلاّ أن يصطف في طابور قاتلي الأمة, لكن الهيئة لاتنظر للموقف والمواجهة بميزان الكثرة والعدد والعدة, وإنما تنظر إليه وفق الرؤية الشرعية والثقة بموعود الله تعالى بنصره لعباده, وهي تـذود عـن حمى الأمة وهـوية الـمسلمين ودينهم, والثقة بقول الله تعالى:( قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّـهُم مُّـلاَقُـواللّهِ كَم مِّـن فِئَـةٍ قَـلِيلَةٍ غَـلَبَتْ فِئَـةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَـعَ الصَّابِرِينَ}[البقرة:24],
فأكرم الله الهيئة بشرف الموقف, وفتح الله عليها من فتوحاته, ما جعلها قدوةً لكل مشروع ريادي في الأمة يراد لـه الصمود والـثبات وتجاوز المحن في كـل بـلد يتـعرض للتهديدات الأمريكية بشـن حملاتها الديمقراطية التدميرية, حتى تسارع إلى حزم أمرها باتجاه تشكيل هيئة للعلماء على غـرار هـيئة علماء المسلمين في العراق, ويعـزون هـذا الإجراء كـخطوة ضرورية لـجمع كـلمة البلـد, لأن العلماء هم صمّام الأمان للأمة أمـام الفـتن الـداخلية التـي يحـاول الـمحتل إثـارتها وتـأجيج الـحروب الأهلية كحلقة مـن مخططـاته, وبما أن الـعلماء مشارب تبعاً للتـوجهات الـفكرية في الـبلد الواحد, فلابد من خطوة جادّةٍ توحـد أطياف البلد على مختلف مذاهبهم الفكرية, حيث شهد العالم في العصر الحديث تجربة فريدة اختصرت أزمنة بكاملها, بكل ما حملت من فكر ونضج وسمو مبادئ, وكأن تجارب العصر الحديث متفرقة, قد اجتمعت خصالها في هيئة علماء المسلمين في العراق, واخـتزلتها الـهيئة عبـر وقفتها التاريخية وثباتها أمام التحديات كلها.
فـظهرت هيئة علماء القدس, وهيئة علماء فلسطين, وهيئة علماء الصومال, وهيئة عـلماء السودان, وما من دولة تـعيش بوادر حـملة احتـلالـية تستهدف وجودهـا وسيادتـها وهـويتها إلاّ وتبـادر مـباشرةً إلى خطـوة تشكـيل هـيئة للعلماء في ذلك البلد, كإجراءٍ مهم لـتحصين الـبلد مـن جميع حـلقات التآمر التي تُشن على ذلك البلد, وظهرت هيئات كثيرة لعلماء المسلمين في أفق عالمنا الاسلامي وفي مشارق الأرض ومغاربها, فـأخـذت هـذه الـهيئات وفي جميع دول العالم الإسلامي, جميع ملامح مشروع هيئة علماء المسلمين في العراق ومعالم وأطر وطروحات الهيئة, فنالت نجاحاً متميزاً في عملها, لأنها استفادت من مشروع الهيئة, وانتفعت مـن تجربتها وهـي تقف أمام مشروع عـجز الـعالـم بأسـره مـن الوقوف ضده ولم يتجرأ أنْ يحرك ساكنا لصد العدوان الأمريكي وهو يحتل البلاد.
وهـذا من تـوفيـق الله تعـالى وكرمه وفـتحه لخيارات الهيئة وتسـديد رأيـها وجـمع كلمتها ووحدة صفها, انـطلاقا مـن الـمشورة التي أمـر الـشرع بها والـتي ميّزت عمل الـهيئة.
فوجـد العالم الـيوم أمامه تجربة جـاهزة بـادر بها علماء العراق, وهم يقفون بوجه أكـبر تحد واحتلال يسـتهدف محو الـهوية الإسلامية وإزالتها من الوجود, ماجعل الأمة تزداد ثقتها بطروحات الهيئة ومشروعها. ومن عظيم كرم الله تعالى على هذه الأمة أن يَسّرَ لها هذا الخيار, وجـعل لـها القبـول الـواسع في الشـارع الـعربي والإسـلامي وعلـى صـعيد الـمستوى الـرسـمي الـدولي فـي جـميع دول الـعالم, وحـازت عـلى الـثناء الحسـن في جميع المؤتمرات والـمحافـل الـدولية, ومـا مـن دولـة يــرد فـيها ذكـر الـهيئـة إلاّ وتشــيد بـمـواقـفها وثبـاتهـا وصمـودها أمام الاحـتلال الأمريـكي وأحـلافه الاحتلالـية, وكـل ذلـك جـعلها مـناراً يُحتـذى به في أمة تكالب عليها الأعداء من كل حدب وصوب.
وعلى الرغم من محدودية الوسائل المتاحة للهيئة وضعف الجانب المادي المُـتيسّر للهيئة, فإن نشاطها وعـملها وحضورها الـمتميز في جميع مفاصل المشهد العراقي, وحضور رأيها ورؤيتها في قضايا الأمة الإسلامية قـد لـفت أنظار الـعالم بأسره, فما مـن منفذ عمل أو بـادرة خير إلاّ وتـرى للهيئة وجوداً حقيقياً ومـؤثراً فـيه, وتجدهـا الـيد الحانية والبلسم الشافي الـذي يداوي جراحات الشعب العراقي وما ناله من مصائب وكوارث على أيدي الاحتلال.
لـم يكتف الاحتلال بمئات المجازر التي ارتكبها بحق الـشعب الـعراقي وبحار الدم الـتي أجـرتها ويـلات الـديمـقراطية الأمـريكية, وهـو يصنع عـراقاً جديداً عـلى مـذبح الحرية الـدموية ذات المواصفات الأمريكية الإرهابية, حتى بـدأ الاحتلال الأمريكي بممارسـة سلسلة مـن حلقـات الإجـرام بحق الـعراق وهـوية شـعبه الـمسـلم, لـيمارس نوعاً آخر مـن الإرهـاب الـسياسي, بـدأ بـما يسمى بالعملية الـسياسية وتشـكيل مجلس الحكم الطائفي والـعرقي وكـتابة دســتور لـمشروع سـياسي يرسي دعائم الاحتلال ويؤسـس لأصوله ويشرعن وجـوده ويطيل أمده, مـع غياب الـصوت الـمعارض في مسرح الأحداث السياسية في العراق, وهنـا وجَـدَت الهيئة نفسها مضطرة للولوج إلى عالم السياسة, بسبب سقوط السياسيين والأحزاب بمشروع سياسي أرسـى دعـائمه المحتل الأمـريكي, وقـد كـانت حـاضرة بـقراءتها وتشخيصها الـدقيق لحقيقة المشروع الأمريكي السياسي في العراق, وفضحت نواياه الخبيثة ورصدت كل مرحلة مـن مراحله عبر الحكومات التي نصبها المحتل, وكشفت جميع الصفقات المشبوهة للاحتلال التي عـقدها مع الـسـاسة العاملين معه, وفضحت الـمؤامـرات الـتي تحاك على شـعبه في ظل الشـعارات والأكاذيب الـزائفة, وقد كان الشعب العراقي لايفقه شيئاً منها, في ظل صدمته من فجأة الاحتلال الـذي دمّر البلد, وكانت حكومات الاحتلال جميعها تغطـي على جرائمه, وتعقد الصفقات تلو الصفقات لبيع البلد, في ظل انشغال شعبه بهموم لقمة العيش والمستقبل المرعب المجهول الذي ينتظرهم, لكن الهيئة لم يكن ليخفى عليها شـيء من ذلك, حيث انبرت لتكشف حقيقة اللعبة المحكمة التي عمل الاحتلال على صـياغتها وإحكام حلقاتها, ولم تنقطع عن هذه المهمة لحظةً واحدة ومازالت مستمّرة, وقـد كان تقيـيم الهيئة للمشروع السـياسي الجاري في ظل الاحتلال تقييما دقيقا وأنه ماجاء إلاّ ليصب في مصلحته, ومـاكان ليحقق أي مصـلحة أو مـنفعة تُذكـر للعراقيين.
رصدت الهيئة كل خطوة من خطوات العملية السياسية الجارية في ظل الاحتلال, ولم يكن موقفها منها مبنيا على قراءة مستعجلة أو تشخيص عاطفي مرتجل غير مدروس, أو رِدّة فعل مبنيٍّ على حماسٍ مُفْرِط, وإنما جـاء نتيجة قـراءة شــرعية ثـابتة ومعرفة تـاريخية, وجاءت قراءة الهيئة متطابقة مع حقيقة المشـروع الأمريكي في نهب ثروات الشعوب وسلب خيراتها ومـسـخ هـويتها, وقيّمت الـعملية السياسية على أنها سـتدفع بالـعراقيين إلى مزيد من الأزمات والـكوارث والأوبئة وانتهاك حقوق, ولـن تكـون حلاًّ صحيحاً للتـمهيد فـي خـروج الاحتلال كما ادّعى المحتل, وإن أعطاها صبغة الديمقراطية ووصف الحرية, ووصفها بأنها جاءت لخدمة الـشعب الـعراقي... وسـرعان مانتج عـنها مـشاريع وخطـوات وُظـفت لـتحقيق مطامع المحتلين وأهدافهم وتحقيق مصالحهم.
ولـم تكن الهيئة رغـم صعوبة ظرفها وشدّة الـنازلة التي حلت عليها, وثقل الأمانـة التـاريخية الـموكلة إليها, بـمعزل عـن قضايا الأمة وحـلقات التآمر التي تحـاك ضـدها, وأنـها تجري وفـق مشروع احتـلالي يسـتهدف الأمة كلها, لأن الـعالم الإسـلامي أوْلى الهيئة اهتماما بقضيتها وأيدها على موقفها من الاحتلال, وهـو يرى فـيها صدق مـشروعها وعـمق تجربتها وشـموليتها في معـالجة آثـار الاحتلال وجراحاته, والـمحافظة عـلى وحـدة الـشـعب الـعراقي وجمع كـلمته, ومن شموليتها أنها أولت قضايا الأمة الإسلامية اهتماماً ونصرة, وعندما يرى العالم الإسلام رأياً للهيئة في قضية ما من قضايا الأمة فإنهم يـولونه اهتماما خاصاً ويجعلونه ركناً مهما في فـكرهم, ودعامة رئيسية مـن دعائم رؤيتهم وقـراءتهم للمشهد الذي يخص تلك القضية, حتى يـكون رأي الـهيئة جـزءاً لايـتجزأ مـن الـمشروع الـذي يـقف بـوجه الـتحديات التي تحيط بالأمة.
والقضية الفلسطينية على رأس هذه القضايا والتي لم تغب عن بال الهيئة ومشروعها, وقـد كانت حاضـرة مـنذ اللـحظة الأولـى لـنشأة الـهيئة, وواكـبت جـميع تـطـورات الـقضـية الفلسطينية وكان للهيئة الحضور الواضـح والـموقف الـمتميز الـذي يكـون في تخطيط الأمـة بمكان يـليق بوجود الهيئة وحضورها الفاعل فـي عالمنا العربي والإسلامي, حيث كان لـها مـوقفها مـن الـتهديدات الأمريـكية ضـد دولـة سـوريا بـعد اغتيال رئيس وزراء لـبنان رفـيق الـحريري, وجميع الاعتـداءات الأمـريـكية علـى سـيادة سـوريا, وموقفها من الغزو الأثيوبي للصـومال وتشخيصه على انه احتلال أثيوبي وقتال بالنيابة عن أمريكا ونبهت الأمة من ذلك, وكذلك الحرب اللبنانية ضـد إسرائيل, وقضية الحجاب في فرنسا, والموقف من حملة التشويه والـطعن الـدنماركية فـي الـرسـوم المسـيئة لسـيدنا رسـول الله (صلى الله عليه وسلم), والتصريحات السـلبية لبابا الـفاتيكان التي تسـوّق للحقد الأمـريكي الصـليبي وتبـارك حمـلاته الاحتلالية ضـد العالم الإسلامي وقيّمتها على أنها تصـب في نفس الاتجـاه والهدف, وغيـرها الكثير من القضايا.
اليوم وبعد ست سنوات من العمل الدؤوب والجهد المتواصل, حيث سجلت الهيئة وهي في الموقع المتقدم مع صفوف القوى المناهضة للاحتلال, في ركب صفوف المجاهدين الذين يذودون عن حمى أمتنا المسلمة, وظهر فيها عمق تجربة رفـدت الأمة العربية والعالم الإسلامي برصيد معرفي وموقف ثابت, استطاع أن يؤثر في الأمة أيّما تأثير, حتى أصبحت الهيئة اليوم هيئات تقف في مقدمة الثغور بوجه المؤامرات التي تحاك على الأمة الإسلامية, وصمدت أمام جميع حملات الطعن والتشويه التي شنّها أرباب المصالح والمكاسب المنتفعين من وجود الاحتلال الأمريكي وحملاته الصليبية على الأمة, المتطفلين على جراحـاتها, ولـم تركع أمام الجلاّد الأمريكي رغم جبروته وضخامة مشروعه, لا بل طوّقت مشروعه وحدّت من نفوذه حتى غرق في مستنقع الهزيمة في العراق.
هيئة علماء المسلمين ..عمق التجربة – وعالمية التأثير الشيخ: ناصر الفهداوي..الحلقة (3)
