هيئة علماء المسلمين في العراق

المصالحة الوطنية في العراق .. والأسئلة المشروعة / فاضل الربيعي
المصالحة الوطنية في العراق .. والأسئلة المشروعة / فاضل الربيعي المصالحة الوطنية في العراق .. والأسئلة المشروعة / فاضل الربيعي

المصالحة الوطنية في العراق .. والأسئلة المشروعة / فاضل الربيعي

هل يمكن لمشروع المصالحة الوطنية في العراق أن يقوم على أساس إلغاء « فقرات » من الدستور، يكون من شأنها تعطيل أو « شطب مشروع الفيدرالية » ؟ وهل تؤدي المصالحة ( الافتراضية ) في حال تمكّن ... العراقيون من تحقيقها إلى التخلص ، بالفعل ، من نظام المحاصصة الطائفية ، بحيث يُعاد الاعتبار دستورياً لمبدأ « المواطنة » كأساس في العلاقة بين الدولة والمجتمع ؟ .
إن الإجابة عن هذين السؤالين المشروعين ، يمكن أن تكون ممكنة في حال قمنا بمعاينة النماذج الثلاثة التي يهتدي بها النموذج العراقي ، نعني النموذج اللبناني والصومالي والفلسطيني ، لنلاحظ أن النماذج الثلاثة المطروحة أمامنا تقوم على أساس نوع من « توزيع للسلطة » بين الخصوم ، سواء أكان هؤلاء الخصوم يمثلون طوائف دينية أم يمثلون « مذاهب » أم أحزاباً أم قبائل.
أولاً : في النموذج اللبناني مثلاً ، جرت ولا تزال تجري ، مقاربات سياسية عربية ودولية ، ومفاوضات وحوارات محلية بين مختلف الأطراف من أجل الانتقال إلى مرحلة جديدة من التوافق الوطني. ولعل اجتماعات الدوحة التي عُقدت العام الماضي، هي آخر وأكبر هذه المحاولات، حيث نجح اللبنانيون في التوافق على الرئيس ميشيل سليمان ومن ثَمَّ نجحوا في التوافق على تشكيل حكومة السنيورة، وهم يواصلون النقاش في اتجاه تعميق « المقاربة القطرية » وصولاً نحو حل حزمة من المشكلات المتراكمة . لكن التوافق الوطني اللبناني ، رغم هذا النجاح ، جرى ولا يزال يجري ، فوق أرضية اتفاق الطائف، وهو اتفاق يكرّس نظام المحاصصة بين الطوائف والجماعات ، ولا يقوم على أساس التخلص من إرث النزاع حول الحصص. ولذلك فإن النموذج اللبناني سيظل محكوماً بشرط القبول بنظام سياسي يرتكز على أساس التراضي بين الطوائف المتنازعة. بكلامٍ آخر، سوف يكون على اللبنانيين في أي حل نهائي «تكريس» نظام المحاصصة بين المسيحيين والسنة والشيعة، وحتى اللحظة لا توجد أي دلائل على أن اللبنانيين يمكن أن يتخطوا هذا الحاجز.
ثانيا ً: في النموذج الصومالي يحدث الأمر ذاته ، فبعد عودة شيخ شريف رئيساً للدولة الممزقة ، جرى ويجري نوع من التوافق الوطني على أساس نتائج وقرارات مؤتمرات ولقاءات جيبوتي وأسمرة والدوحة ، وهي في الإجمال تؤكد أن الصومال من الناحية الواقعية بات موزعاً بين القبائل ، وأن أي توافق يجب أن يراعي هذا النمط من التوزيع الجغرافي والسياسي للسلطة. إن هذا الحل حتى في المدى البعيد، لن يقوم إلا على أساس احترام « حصص القبائل » من الصومال الممزق . وبكلام آخر ، يجب أن يراعي الصوماليون المبدأ القائل بأن حصصهم من الصومال الذي مزقته حروبهم القبلية ، هي حصص نهائية ، وهي « عادلة ومتساوية » ولا ينبغي المسّ بها ، وهي كما يُلاحَظ ، حصص تجعل من الصومال « صومالات » أي دويلات مدن صغيرة خاضت حروبها وانتهت إلى هذا الحل.
ثالثا ً: في هذا الإطار يمكن للمرء أن يتأمل في نوع الحلول التي يقدمها النموذج الفلسطيني ، إن النموذج الفلسطيني كما يتبلور اليوم عبر حوار القاهرة ، عاجز عن تخطي شرط ولادته كحل توافقي ، يعيد إنتاج «نظام المحاصصة» وهذه المرة بين الفصائل المسلحة (التعبير الرمزي عن القبائل والطوائف) . ولذلك سوف يستحيل علينا تخيّل أي توافق وطني فلسطيني في المدى المنظور ، إلا على أساس نوع من المحاصصة بين الفصائل ، ولعل السجال الدائر حول التمثيل النسبي هو مجرد تعبير عن مأزق النموذج الفلسطيني ، فهو يولد بالفعل من رحم الشرط التاريخي القائم ، أي : من رحم نظام المحاصصة بين الفصائل.
رابعاً : إن النموذج العراقي للمصالحة الوطنية (كما يُراد له أن يتبلور) يتضمن الشرط التاريخي ذاته، أي : شرط القبول بالنمط السائد من توزّع السلطة ، وهذا هو المعنى الحقيقي لتصريحات رئيس الجمهورية جلال الطالباني بعد أيام فقط من مبادرة رئيس الوزراء للحوار مع البعثيين ، حين قال للصحافيين إن أي مسّ بالدستور أو أي تعديل « لبعض فقراته »، خصوصا تلك التي تكرس وجود « العراق الفيدرالي » الجديد ، سوف يواجَه بالرفض من جانب الأكراد . والمفارقة في هذا الكلام أن الطالباني تحدث بلسان « الأمين العام للاتحاد الوطني الكردستاني » الذي يتزعمه ، ولم يتحدث بلسان رئيس الجمهورية التي يمثلها . فهل من المنطقي تصوّر أن المصالحة الوطنية في العراق يمكن أن تتجه في طريق أخرى خارج نظام المحاصصة ؟
المثير للاهتمام في الحوارات الدائرة حول المصالحة أنه لا أحد يبدو مستعداً حتى اللحظة ، للتخلص من « إرث توزيع السلطة » الذي تركه بول بريمر . هذا رغم إدراك الجميع أن الخطر الحقيقي على وجود العراق ككيان موحد يكمن في هذا التوزيع « العادل » لأسلاب وطن مزّقته الحروب والصراعات زمناً طويلاً.
إن النموذج العراقي ، منظوراً إليه من زاوية صلته بنماذج المصالحات الوطنية في المنطقة ، هو نموذج عاجز عن تخطي الشرط التاريخي لولادته ، نعني : شرط تكريس البلاد كاتحاد « فيدرالي » بين دويلات مدن تحكمها جماعات مسلحة تزعم أنها ممثلة « لطوائف » ظلمها التاريخ ، وآن الأوان لكي تأخذ حقها .. وحصتها من الجغرافيا والثروة والنفوذ.
إذا لم يتخلص العراقيون من « ذهنية » التحاصص ، وثقافة توزيع السلطة « بوصفها غنيمة » ، فلن يفعلوا - في الحوار حول المصالحة - أي شيء آخر سوى إعادة إنتاج المأزق .
المقالة تعبر عن رأي كاتبها
ح

أضف تعليق