هيئة علماء المسلمين في العراق

تـأبّط ( ديمقراطية ) ! / عبدالحسين شعبان
تـأبّط ( ديمقراطية ) ! / عبدالحسين شعبان تـأبّط ( ديمقراطية ) ! / عبدالحسين شعبان

تـأبّط ( ديمقراطية ) ! / عبدالحسين شعبان

يقول الكثير من القوى والأحزاب السياسية إن الديمقراطية أصبحت بالنسبة لها خياراً لا رجعة فيه ، ولعل ذلك أمر سليم وجيد ، ولكن السؤال منذ متى أصبحت الديمقراطية مرجعية مشتركة يمكن الاستناد إليها من جانب التيارات والفاعليات السياسية والفكرية والمدنية، كأساس يمكن التعويل عليه لفك الاشتباك في التدافع والنزاع بين الفرقاء ، ولتحديد المسار والمآل، لمن يقبضون على السلطة السياسية ومن ينافسونهم من معارضيهم !؟
لقد كان مثل هذا الحديث قبل ثلاثة عقود من الزمان، أقرب إلى «التهمة» بالارتداد حد الخيانة أحياناً، أو «الحلم» السري المستتر الذي لا يمكن البوح به دفعاً للشبهات، وعلى أقل تقدير فقد كان يُعاب على أصحابه بمجافاة الواقعية السياسية، خصوصاً أن القوى والأنشطة المتنفذة والمتسيّدة في السلطة والمعارضة، كانت تنأى بنفسها عن الانخراط فيه، أو أنها لم تدخر وسعاً إلا في دمغ الداعين إليه على أحسن ظن بالمثالية أو « بالتأورب » (نسبة إلى أوروبا) أو التغرّب (نسبة إلى الغرب) فلم تكن تلك القوى والأحزاب تخفي خياراتها للنموذج الشمولي القوموي- البعثي أو الماركسي- الشيوعي أو الإسلاموي الإيراني أو السوداني لاحقاً.
وليست هناك فروق كبيرة بين التيار العلماني أو التيار الديني، فثمة مشتركات في ادعاء امتلاك الحقيقة والأفضلية على الآخرين، تارة بحجة الوحدة العربية وتحرير فلسطين، وأخرى باسم الدفاع عن الثورة ضد الأعداء الظاهرين أو المختفين، الداخليين والخارجيين، وثالثة باسم حماية مصالح الكادحين والطبقات المسحوقة، ورابعة باسم مصلحة الإسلام الذي هو الحل الشافي لجميع مشاكل العرب والمسلمين، بل والعالم أجمع، ولعل تلك السمة كانت سائدة لدى مختلف الأوساط بما فيها جماعات المجتمع المدني والاتحادات والنقابات والجمعيات، التي كانت في واقع الحال امتداداً وواجهات تنظيمات حزبية وسياسية ودينية أحياناً، كل على انفراد أو باجتماعها أحياناً، في جبهات أو كيانات موحدة.
ولعل قضية الديمقراطية وإن وجدت لها تخريجات باسم الديمقراطية الشعبية أو العربية أو الإسلامية لاحقاً أو الرشيدة أو الحكيمة، كانت بعيدة عن «المفهمة»، أي خالية من مقاربة لمفهومها السائد في الفكر السياسي مثل الإقرار بالحق في المساواة التامة وبالحق في المواطنة الكاملة والاعتراف بسيادة القانون وفصل السلطات، ولا سيما استقلال القضاء، واعتماد التعددية وإجراء انتخابات دورية والمساءلة، وتأكيد مبادئ المشاركة في إدارة الشؤون العامة وحق تولي المناصب العليا، والالتزام بإشاعة الحريات العامة والخاصة، وبالأخص حرية التعبير وحق التنظيم وحق الاعتقاد، وتلكم أساسات في احترام حقوق الإنسان.
والمفهمة تستوجب «مقدرة» في بلورة الحقوق واعتمادها في قوانين وأنظمة، من خلال «المعرفة»، وهذه الأخيرة تستوجب «مأسسة» أي وجود مؤسسات لحمايتها وتطويرها ومراقبة تنفيذها، ولعل هذه تحتاج إلى دور للرأي العام ومؤسساته وبخاصة الإعلامية.
وإذا كانت نهاية الثمانينيات قد شهدت تحوّل الحرب الباردة والصراع الإيديولوجي من شكل إلى شكل آخر، لا سيما بعد انهيار الكتلة الاشتراكية، وهيمنة قطب أحادي على العلاقات الدولية، فإن مسألة الديمقراطية وجدت ضالتها بتحوّل موضوعي لدى تيارات واتجاهات فكرية وسياسية، أو بحكم الأمر الواقع أحياناً وإن لم تستقر أو تهتدي بقناعات راسخة، لا سيما في ضعف التكوين النظري، ناهيكم عن شحة وهشاشة التجربة وتراكماتها.
ومع ذلك يمكن القول إن الديمقراطية أضحت حاجة ماسة سواء كانت اختياراً أو اضطراراً وإنْ كانت الثقافة الديمقراطية وجانبها الحقوقي ما زالا ضعيفين إلى حدود كبيرة، وتعاني شعوب وبلدان المنطقة العربية من شحة في مصادر الثقافة الديمقراطية، ولعلها من أكثر بلدان العالم تأخراً في مقاربة هذه المسألة بالذات وفي الإصلاح والتحول الديمقراطي.
كما أن اختيار القوى المتنفذة في العلاقات الدولية وبخاصة الولايات المتحدة، «الإسلام» عدواً وشحذ جميع الأسلحة لمواجهته، جعل الصراع الدولي يتجه مرة أخرى نحو حرب باردة من نوع جديد، بل إلى حروب ساخنة أحياناً، بدأت منذ حرب تحرير الكويت، التي تجاوزتها إلى تدمير البنية التحتية العراقية وفرض الحصار على الشعب العراقي الذي دام 13 عاماً، ومن ثم شن حروب واحتلال بلدان، خصوصاً بعد أحداث 11 سبتمبر عام 2001، الأمر الذي عزّز النزعة العسكرية الانتقامية وقاد فعلياً إلى غزو أفغانستان واحتلالها بحجة القضاء على الإرهاب الدولي وملاحقة تنظيمات القاعدة وإسقاط حكومة طالبان ، ومن ثم غزو واحتلال العراق ودفع المنطقة إلى خيارات أشدّ عسفاً وعنفاً، الأمر الذي دفع جميع الدعاوى بالإصلاح والديمقراطية، بما فيها الإرهاصات الأولية إلى الهاوية، وأدى إلى تراجع الديمقراطية في المنطقة، خصوصاً بعد سلسلة منفلتة من عقالها من أعمال العنف التي طالت العديد من البلدان والشعوب دون استثناء بين الشرق والغرب.
ووجد الذين تأبطوا الديمقراطية أنفسهم أمام خيارات صعبة وقاسية، فالحكام لا يتنازلون عن سعيهم لتكريس المزيد من سلطاتهم، وهذه المرة باسم مكافحة الإرهاب والانخراط في الحملة الدولية المدعومة أميركياً وغربياً والمسنودة من الأمم المتحدة حسب قراراتها الشهيرة الصادرة عن مجلس الأمن وبخاصة القرار 1368 الصادر في 12 سبتمبر 2001 والقرار 1373 الصادر في 28 سبتمبر 2001 ومن ثم القرار 1390 الصادر في 16 يناير 2002، وهذه القرارات تفرض على الدول الانخراط في الحملة الدولية لمكافحة الإرهاب، كما أنها ترتب مسؤوليات عليها في حالة عدم تعاونها لتحقيق ذلك، لا سيما وهي أعطت الضوء الأخضر لما سمّي «بالحرب الاستباقية» أو «الوقائية» في حال «الشعور» بأن خطراً وشيك الوقوع يمكن أن يحدث أو يحتمل أن يقع.
ومن الجهة الأخرى فإن الغرب والولايات المتحدة صعدا من دعواتهما إلى إصلاح ديمقراطي وتحوّلات سياسية في المنطقة العربية وطرحت مشاريع باسم «الشرق الأوسط الكبير» أو «الجديد»، لكن تلك الموجة انكسرت مرتين عند شواطئ البحر المتوسط، في المرة الأولى عندما انحرفت رياح التغيير التي هبّت على أوروبا الشرقية في الثمانينيات، لا سيما بعد سقوط جدار برلين، حين اعتبرت منطقة الشرق الأوسط بفعل المصالح الدولية الأنانية الضيقة خارج فعل التغيير والإصلاح والتحوّل الديمقراطي الحقيقي، والمرة الثانية عندما فشل المشروع الأميركي في العراق، فأخذ يبحث عن طوق نجاة لا في الديمقراطية الموعودة، والتي ظلت مفقودة لسنوات طويلة، بل في مساومات سياسية والبحث عن سبل الاستقرار الذي تعكّر صفوه.
وازدادت المنطقة اضطراباً وعبثاً بفعل الحصارات والحروب والاحتلال والعنف والإرهاب، خصوصاً باستمرار احتلال ( إسرائيل ) للأراضي العربية، وشنها خلال سنتين ونيف فقط، حربين ضد لبنان عام 2006 وضد غزة أواخر عام 2008 وبداية العام الجاري 2009، ناهيكم عن حصارها الذي زاد على عامين ونصف.
ما زالت الهوة سحيقة حتى لدى دعاة الإصلاح ودعاة الديمقراطية بين الرغبة والواقع وبين الإصلاح الفكري والإصلاح المؤسسي، كما أن الهوة عميقة والتناقض كبير بين التيار الإسلامي وبين الحداثة، وما زالت الأغلبية المهيمنة عليه خارج دائرة الحاضر، بل إن قسمها الأكبر يعيش في قرون سحيقة من الماضي «التليد»، الذي تتم قراءته بانتقائية كبيرة وبما يخدم أوضاع الحاضر الذي ما زال يعيش حالة كسل فكري وخدر نظري.
كذلك فإن الفجوة شاسعة بين التيار الإسلامي والتيار العلماني، خاصة جانبيه القومي واليساري والماركسي، فما تزال النزعة الشمولية مثل السابق مهيمنة عليه وما زالت بعض قواه تقف حجر عثرة أمام الانتماءات والهويات الفرعية، ناهيكم عن الموقف من الأقليات الدينية والإثنية والسلالية واللغوية.
وحتى التيار الذي أطلق عليه التيار الليبرالي الذي كانت مقدماته الأولى من العشرينيات والثلاثينيات والتي تجمّدت أو تقهقرت في الستينيات بسبب هيمنة العسكر والأنظمة الشمولية، بدا متململاً، فقد اتجه قسم من دعاته إلى التعويل على الغرب، بحجة عدم إمكانية التغيير، الأمر الذي جعل قضية الديمقراطية مؤجلة، ناهيكم عن أنه تبشيع لصورتها أمام الجمهور.
الديمقراطية مسار وعملية تراكم طويلة الأمد وتطور تدريجي يأخذ الخصائص الوطنية والثقافية بنظر الاعتبار في إطار المبادئ العامة التي تشكل المشترك الإنساني للتطور الدولي، وبهذا المعنى فهي ليست قرارات فوقية، وهي لا تحتاج إلى من يتأبطها لأهداف ضيقة وأنانية، سياسية أو دينية أو مذهبية أو أيديولوجية، بقدر حاجتها إلى ثقافة تعمّ وتنتشر لدى المجتمع وإلى مؤسسات ضامنة والى علاقة توازن بين الفرد والدولة والمجتمع وبين السلطات، وإلى مراعاة الخصوصية في إطار الهوية الجامعة، وإلى مجتمع مدني حي ومستقل ومؤثر بحيث يكون شريكاً للدولة وقوة اقتراح مؤثرة.
والديمقراطية رغم عيوبها ونواقصها وثغراتها، لكنها لا تزال هي الحل الأنسب والأفضل والأقل خسارة بالنسبة للفرد والمجتمع والدولة، خصوصاً وأنها تحمل آليات تعديل وتصحيح مسارها وتأمين انتقال الشرعية والسلطة إلى خيارات جديدة، لأنها مرتبطة بمنظومة قيم، مع أنه ليس من الضرورة بمكان أن تأتي بالأصلح والأصوب والأعدل.
ولعل ذلك كان موضوع ندوة مهمة التأمت في الرباط بدعوة المؤسسة العربية للديمقراطية وبمشاركة نخبة متميزة من مفكرين وباحثين ومثقفين عرب!! .
المقال يعبر عن رأي كاتبه
ح

أضف تعليق