النصر الذي تحقق للمقاومة العراقية على الرغم من اختلاف كفتي التوازن بين طرفي الصراع, بين طرف المقاومة العراقية وضعف إمكاناتها وأنها قد ولدت من رحم مأساة الاحتلال وأول بوادر تداعياته, حـيث سجـل التاريخ لها بأنـها أسـرع مقـاومة فـي التاريخ
فـي بـلد يشـهد احتلالاً لم يسبق لبلدٍ آخر أن يكون قد عانى مثل ضخامة الاحتلال والجيوش التي تكالبت عليه, حيث بادرت مجاميع من الشباب الغيارى على دينهم وبلدهم بالتشكل وترتيب صفوف المقاومة, حيث بدأت عشوائية وغير مرتبة, ولـكن يجمع بين صفوفها وإن تفرقـت, فإنه يجمعها القضية الواحدة والهدف الواحد.
وبين الاحتلال الأمريكي المدجج بالسلاح الحديث, يشاركه كل شذّاذ الأرض من جيوش دول تشاركه في العدد والعدة الذين جاوزوا الخمسين دولة, ومعهم جحافل العملاء والخونة من أبناء الجلدة, أذناب الاحتلال الذين جاؤوا على دباباته, ومن خلفهم حكومات العالم بأسره تمول آلة الحرب الأمريكية, فمن لم يشارك بالاحتلال مشاركةً فعلية بالجيش والمال مباشرة, فانه عبر عن خضوعه لخيارات السياسة الأمريكية الأحادية بمشـاركته غيـر المباشـرة بالاحـتلال بدفـع مليارات الدولارات لتسعير الحرب الصليبية المتصهينة علـى شعب مسلم أعزل يعتز بدينـه ويتشرف بالشهادة على ثرى أرض بلاده.
وعلى الرغم من اختـلاف طرفي اللقـاء والمواجهة فـي حرب, لا نخـطئ ولا نبـالغ إذا وصفناها بأنها حرب عالمية, طرفها عالم غصوب فقد الضمير, متجلد المشاعر ومتحجر القلب ومتجاهل لكل القيم الدينية والشرائع السماوية ويغض الطرف عن كل القوانين الإنسانية ويصم آذانه عـن كـل مــا يرى مـن سحـق للشعوب وتدمـير للبـلاد وهتـك للأعـراض وانتهاك لحقـوق الإنسـان, والطـرف الآخر هو المقـاومة العراقيـة المجـاهدة التـي تذود عـن حمى إسلام وارض وشعب أعزل ضعيف.
والعالم الاسلامي يقرأ هذا النصر بأنه قد تحقق وفق سنن الله تعالى الشرعية, وانجازه لوعده الذي تكفل به لعباده المسلمين, وإلاّ فإن ما حدث في السنوات الأولى من عمر الاحتلال, والذي فاجأ العالم بأسره هو صمود المقاومة العراقية, وصبرها وثباتها, وشدة بأسها بأعداء الله تعالى, ونكايتها, وضرباتها النوعية, التي تلقاها الاحتلال على أيدي المجاهدين العراقيين الذين سجّـلوا إقدامـاً قـلَّ نظيره فـي التـاريخ, أدى إلـى الإجهـاز علـى المشروع الأمريـكي بالكامـل, واستنزاف جـيوش الاحـتلال جميـعها, وهـذا مـن موعـود الله للمؤمنين حـيث قـال في محــكم التنزيل:{قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُم مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لَّأُوْلِي الأَبْصَارِ }[آل عمران:13].
وقال تعالى:{وَاذْكُرُواْ إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ }[الأنفال:26].
وقال تعالى:{قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ }[التوبة:14].
وقال تعالى:{أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ }[الحج:39].
وقال تعالى:{الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ }[الحج:40].
وقول الله تعالى:{ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ}[الحج:60].
وقوله تعالى:{وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ }[الروم:47].
وقال تعالى:{إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ}[غافر:51]
وقال تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ}[محمد:7]
وهذه النصوص الشرعية تدلل بما لايقبل الشك إن الذي تحقق من نصر للمقاومة العراقية إنما بفضل الله وتأييده وكرمه, وعلى الجميع أن يسلموا بذلك, والآيات المباركة تقرر هـذا المـعنى الذي لا محيد عنه, ومن ظن أن الأمر غير ذاك فقد وهم.
والله تعالى هو الذي يقدر مقادير الكون وموازين الخلق, ومن هذه الموازين يأتي حسم المعركة.
بقول الله تعالى:{فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَـكِنَّ اللّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـكِنَّ اللّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاء حَسَناً إِنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}[الأنفال:17]
وبمـا أن المقاومة العراقية نالـت خصوصيات معينة مـن حيث سـرعة انطلاقـها وشـدة نكايتها بأعداء الله تعالى وتعدد الأحلاف والمؤامرات التي حيكت ضدها وأنها قد واجهت احتلالاً يتضمن عشرات الجيوش, فإنه ينتظر منها الكثير, أولها شن الهجمات المتواصلة على الاحتلال للدفع به باتجاه مغادرة البلاد, وبناء مشروع المقاومة وفق مراحل مدروسة ومبادئ وقيم شرعية ثابتة, لاينتهي الا بتقديم النصر لـهذه الأمة, ويتضمن المشروع خـياراً مهماً وفـريـضة شرعـيـة يكون من الأصول المهمة التي يبنى عليها المشروع, وهو ماينتظره المسلمون وجميع الخيرين فـي العـالم وهـو وحــدة صف فصـائل المقـاومة وجـمع كلـمتها وهـذا الخيار مـن أهـم دعــائم المشروع المقاوم للاحتلال والمقرر عبر تأريخ المقاومات التـي حـدثت, مــاكان لـها أن تنـتصر وتحقق مشروعها وتكسب ثمار جهادها, الا بعد جمع الكلمة ووحدة الصف.
جميع الظروف والتداعيات تدعو للوحدة:-
المثير للاستغراب هو تأخر جمع الفصائل, مع الأخذ بنظر الاعتبار أن تعدد الفصـائل في بداية المواجهة مع الاحتلال كان له الرجوح في الخيار العسكري الميداني لتشتيت تركـيز جيش الاحتلال على هدف محدد بعنوان معين, حيث إذا استهدفوا رأس هذا الجمع فإنّه يَـفْـرُطُ عقده ويرجع زخم المقاومة إلى الوراء وتضعف شوكتها, وتضطر إلـى بناء تشكيلها وإعــادة هيكلتها من جديد, وهذا يجعلها تحتاج إلى عدة أشهر للتوقف, ولكن الذي حدث أن المقاومة بدأت بعـدد كـبير مـن الفصائل, مما جعل الاحـتلال متحيراً وعاجزأً عـن تحليل أفكار الفصائل, وتحديــد أهدافه باتجاهـها- وجعل الاحتلال أمـام تسـاؤلات عديـدة: مَـنْ يستهدف مــِنْ رؤوس المقاومة؟ ومـَنْ هو رأس الفصـائل؟ ومـا هـي إستراتيجياتها وتكتيكاتها؟.
فلابد على المحتل من أن يحدد فكر كل فصيل حتى يضع الخطط الميدانية للتحرك باتجاهه...
وبذلك كان تعدد الفصائل ناجحاً عسكرياً وفق التخطيط الميداني والتحيّز إلى الفئات أو التحرّف للقتال وفق المكيدة القتالية.
ونستدل علـى جواز هذا بقـول الله تعالى:( إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ )[الأنفال: ١6]
ثم تمكنت الفصائل من إيقاع النكاية بالمحتلين وإغراقهم في مستنقع العراق, حتى وصل الإرباك بالجيـوش الغازية إلى فقدان السيطرة في الميدان العسكري, وجعلهم يتخبطون بوحـل الهــزيمة حتى لاحت بـوارق النصر بالأفق, وأذهبـت الفصائل هيبـة الجيـش الأمريكي وأسـقـطت الهــالة الإعلامية المصطنعة, التي تحيط به.
وبدأ الساسة الأمريكيون يستنجدون بالخبراء والمفكرين وكبار القادة العسكريين, لوضع خطط للانسحاب الآمن الذي يحفظ لأمريكا ماء وجههـا وهـذا مـاصرّح به بوش بنفسه حيث قال في أحـد خطاباته بعد أن استعاد استقرار تخطيطه العسكري وتنفس الصعداء قائلاً:((لقد أوشـكت أن أعلـن انسحـاباً كاملاً للجيش من العراق لمـا رأيت انهيار معنـويات الجيـش, لولا تقديم العون من الشعب العراقي المتمثل بجهد مشروع الصحوات)).
وفي هذه اللحظة الحاسمة صار الواجب الشرعي مفروضاً على جميع الفصائل بالتوحد وجـمع الكلـمة وهـو ما يعني عسكرياً استثمار النصر, حيث يقول الاختصاصيون فـي التخطـيط العسكري: (قد يكون من السهل صناعة النصـر ولـكن الصعوبة تكمن فـي استثماره والمحـافظة عليه).
والملاحـظ أن جميع الفصائل تطـرح موافقتـها للوحـدة وجمـع الكلمة, أنها مـع مشـروع الوحـدة وانه واجب شرعي, وأن الجميع يعمل على انبثاقه وانجازه وتنـظر لذلك كثيـراً وتؤشـر حاجـة الفصائل لـهذا المشروع وتبدي أسفها وحسـرتها علـى تأخر مشـروع جـمع الكلـمة ولـكن عندما تحين لحظات الجد واتخاذ القرار تبدأ التبريرات والتردد والحجج.
حتى جاء عام 2007م وظهـرت فيه بشـائـر خيـر بإعلان توحد مجاميـع مـن الفصائل بأربع جبهات جهادية هي (الجهـاد والإصلاح, والجهـاد والتغيير, والجهـاد والتحرير, والجهاد والخـلاص الوطنـي). وشكلت نقطة مهمة في تأريخ عمل المقـاومة, ومـن ثم توحدت في العام نفسه ثلاثة فصائل عسكرية في القيادة العامة للقوت المسلحة (الجيش العراقي) بقيادة عليا.
وكان مـن المؤمـل أن تتوحد هـذه الجبهـات وبقـية الفصائل بمـجلس واحـد يضم جمـيع فصائل المقاومة العراقية وجبهاتها, ولكـن جمـيع الاستقراءات واستشراف مستقل المقاومة يلحظ تأخراً ملحوظاً في مرحلةٍ كان يجب لها أن تنجز في الأعوام الأولى من الاحتلال.
والسؤال الـذي يطرح نفسه بقوة لمـاذا هذا التأخير؟ والمرحلة تتطلب وبإلحـاح شديــد مشروعاً يمثل أمـل الأمة الإسلامية بكـاملها وغـاية طمـوح المسلـمين فـي مشـارق الأرض ومغاربها.
والتقييم المرحلي لتاريخ المقاومة في العراق يؤشر أنها بدأت سريعاً وبانطلاقةٍ مـتميـزة جعلت من أمريكا عاجزة تماماً عن حسم المعركة باتجاهها ووصلت إلى أوج عظمتها, ولكنها لم توفق في استثمار نصرها, وانحدر مؤشر عمليات المقاومة مـن مـرحلة العمـليات الـنوعية إلـى الانحسار والاستنزاف بصفوف المقاومة, والتساؤل الآخر هـل إن هـذا الأمـر مـتعلق بـظـروف الساحة الميدانية وظهـور مشروع الصحوات ومجالس الإسناد؟, وهـذا المشروع أحـدث إربـاكـاً مـلفتاً للنـظر بين صفوف المقاومة بجميع فصائلها, ولـكن فـي الـوقت نفسه لابـد أن يشـكل هذا الظـرف العصيب الذي يمر بتاريخ المقاومة أن يـكون مدعاة للتوحد ودافعاً مهماً لجمع الكلمة.. نعم استطاعت المقاومة مـِنْ أن تمتص زخـم مشروع الصحوات وتهالك المتربصين بـمشروع المقاومة في العراق, وارتمائهم بشدة من أجـل تقديـم الخدمـات للمحتل لإيقاف الضـربات والعمليات الموجهة للاحتلال وأدواته.
وهذه المرحلة سجلت مؤشراً مهماً وأعطت رسالة تؤكد حاجة المقاومة للوحدة وأظهرت الثغرات الواجب إملاؤها من قبـل قـادة المقاومة, حتـى جـاز لقائل أن يقول ما أكثر الثغور واقل الرجال؟!! واللمسات التي يجب أن توضع اليوم على مشـروع المقـاومة يجـب أنْ تبــرهـن أنّ الإرادة الحقيقية في الميدان هي إرادة المقاومة وليست إرادة العدو.
ولكن ما يؤسف له اليوم هو القول إن المنافقين أتقنوا فن إشغال أصحاب القرار والفكر عن التفكير في مصير مشروع المقاومة, لذا تأخرت وحدة فصائل المقاومة خصوصاً مع إتقان, البعض فــن السقوط في حبائلهم والانقياد لمخططاتهم.
وإذا كان غالب الفصائل مع مشروع الوحدة, فإن هناك من لايرغب بجمع الكلمة ووحدة الصف, لأنه يظن أنّ ذلك سيأتي على بعض نفوذه ومكاسبه التي حصل عليها عن طريق مشروع المقاومة وعلى حساب دماء إخوانه المجاهدين, وأن ذلك قد يتحقق على حساب تنازلات يجب عليه أن يقدمها لإنجاز هذا المشروع, وهو لايريد لهذه المرحلة أن تتم وتتحقق لأنه لايُفْصح عن رغبته الجامحة بأن يبقى هو اللاعب الأكبر على مسرح الأحداث ومسار المقاومة العراقية, وأنه قد تخيل لنفسه, متوهماً, برجاً عاجياً ينظر للأحداث ولجميع المشاريع المطروحة بنظرة فوقية متعالية, ولا يتجاوب مع مشروع إلاّ مع مـا يحقق لـه مكاسب عليا, وعليه أن يعي أن توهماته هذه تبقيه عائقاً أمام فرض شرعيٍّ يجب أن يتحقق, لان بقيام وحدة صف المسلمين يتحقق النصر وتتحقق عزة الدين وتحرر بلاد الإسلام.
ومشروع المقاومة ليس مـنفذاً للمكاسب الـذاتية, وبنـاء أمجـاد شخصية على دمـاء المضحين من أبناء الأمة الإسلامية, الذين قدّموا دماءهم وأرواحهم, وعيونُهم ترنو باتجاه وحدة صف المقاومة, وأن الوقوف بالضد من جمع كلمة المقاومة يعـد خيـانة لدمـاء إخـوته, إن أضمر غايات شخصية!, ومشروع المقاومة هو مشروع التضحيات وبذل الدماء وتحمل التبعات وبـذل الغالي والنفيس من اجل عزة الدين ورفعة الأمة, وكل من تصور أنه يكسب مجداً معيناً, وثراءً مادياً, فانه واهم قد غُرِّرَ به, حتى وإن اغتر بألاعيب المحتل فترة من الزمن وسرعان مـاينبـذه المحتل, ويُشخَّص بأنه من الجُهّال الأغرار, ولات ساعة مـندم, وعلـى المنـابذ لمشروع وحــدة المقاومة أن يعـلم أنّ حاضنته التي تَوّجَتْهُ سائداً لجمعها, وقائـداً لركبها, لاتـؤمـن إلاّ بــمشروع المقاومة الذي يقودها إلى الكرامة, وإذا كان غير ذلك فإنه لا خير فيه, وإنها ستنبذ كل من يريد أنْ يتكسب عن طريق المقاومة, ويقيناً أنها ستتجاوزه وتتخلـى عـنه وسيعيش مصيراً تعساً لــن يُحْسـد عليـه, لأن مـشروع المقاومـة وببسـاطة, لـيس دكـاكــيناً للتكـسب, ولـيس جسـراً لنيـل المكاسب والأمجاد,, والشعوب المسلمة المقدامة والحرة لايريدون إلاّ أنْ يكونوا أحراراً يعتزون بإسلامهم وطريقهم الذي تهون في سبيله أغلى التضحيات, ولسان حالهم يقول: ((قـدنــي إلــى الكـرامـة مـع إخـوانـي جمـعاً, وعندها أُقـبـّل قـدميك)).
وحذار حذار مِنْ مصير مَنْ أغراه شياطين الإنس والجن وسرعان ماتخلّوا عنه, وقول الله تعالى ينادي بقوله:{كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنسَانِ اكْـفـــُرْ فَلَمَّا كَـفـَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ }[الحشر:16].
والعـراقيـون لـن يـتخلوا عـن المقـاومة, والتـاريخ يشـهد لـهم غضباتهم, وانتفاضاتهم, والمستعمر الغازي أول من نال هزائمه المنكرة على أيديهم, وهم يغادرون كل من يتلكأ بهم عن تحرير بلـدهم ويتـكـفّأ بأحابيل الاحتلال. والتخلي عـن خيار المقاومة والجنوح باتجاه بعـض المكاسب المتوهمة المشبوهة التي يغري الاحتلال بها بعض الأطراف التي لا تـجـيد الـدهاء السياسي ولاتمـيّـز الوعود الماكرة, التي سرعان ما يتنصل عنها الاحتلال بعد ما ينال مبتغاه من الألاعيب والأكاذيب التي تنطلي على بسطاء الفهوم الذين لاخبرة لهم في حقيقة اللعبة السياسية, وممارسة نصب الفخاخ بطريق فصائل المقاومة.
فلربما وعن طيب نية يستدرج الاحتلال بعض أطراف المقاومة للتفاوض ومساومتهم على مكاسب لا قيمة لها, ومهما توهمها الطرف المفاوض فإنها لاتعدو أن تكون من ألاعيب الاحتلال وإغراءاته في إدارة ميدان المعركة.
وهذه التفاوضات جزء من المعارك التي يجيدها الاحتلال وبدهاء منقطع النظير والتاريخ اصدق شاهد على ذلك, حيث إن الأعداء لم ينتصروا في معاركهم إلاّ عن طريق طرف ضعيف, يغريه الاحتلال ويسخّره لخدمة أهدافه وإدارة دَفّة الصراع وقلب الموازين لصناعة نصرٍ مسلوب من أيدي الطرف المقاوم, فلا نصر للاحتلال عبر تاريخ أمتنا الإسلامية إلاّ عن طريق أبناء جلدة الأمة الإسلامية, عندما ينفرد طرف بالخيانة وعادة مايستجيب الطرف الأضعف في وجوده في الميدان العسكري, لخطف مكاسب شخصية ونيل منصب دنيوي يزول بعد فترة بعد أن أُستخدم كورقة, ومن ثم يرميه ويتخلى عنه, وكان بإمكان جميع صفوف المقاومة أن تتجاوز كل هذه الأخطاء وهذه الفخاخ بجمع الكلمة ووحدة الصف.
فوائد وحدة الفصائل وجمع كلمتهم:-
الوجوب الشرعي بوحدة صف المسلمين وجمع كلمة المقاومة بوجه الاحتلال فرض من فروض الوقت الذي لايحل لمسلم أن يحيد عنه, وأنّ من تخلى عن أداء هذا الفرض في وقتـه سيجري عليه الشرع أحكامه, أدناها وجوب تشخيصه وتأشـير ذلك بحقه كدلالة واضحة تـدل على عدم نضجه, وعلامة على خلط النية, إضافة إلى الأحكام الشرعية التي تترتب عليه إذا ما أفصح عن غاياته, وكشف المسلمون رغباته وتكسباته عن طريق ادّعاء المقاومة.
وخطاب الشرع بهذا الفرض بقول الله تعالى:[ وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }[الأنفال:41].
وربنا يخاطب الأمة المسلمة بصفة الجمع فسماهما (جمعان) أي أن الفرقان الذي استجلب نصرة الله تعالى للمؤمنين بإنزال الملائكة تقاتل مع المسلمين وصفه الله بأنه (جمع وقف بوجه جمع).
وقال تعالى:{إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً كَأَنَّهُم بُنيَانٌ مَّرْصُوصٌ }[الصف:4].
وقال تعالى{ وَقَاتِلُواْ الْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَآفَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ }[التوبة:36].
واقتلوهم كافة: بمعنى جميعاً وفي كل الشهور, وهذا إجماع المفسرين على هذا المعنى.
وقال تعالى:{وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ }[آل عمران:103].
وجمع الكلمة وتأليف القلوب ووحدة الصف بين أهل الموقف المشرف إنما هي مِنّة يمتنَّ بها المولى جل وعلا على عباده بذكره لها في قوله تعالى:{وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَـكِنَّ اللّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ }[الأنفال:63].
ومن السنة المباركة الأحاديث الكثيرة التي تدعو المسلمين إلى وحدة الجماعة وتوحيد الكلمة ووحدة الصف, لا تعد كثرة.
رجحان المصلحة الشرعية في جمع كلمة الفصائل وتوحيدها :-
وحدة الفصائل تعد بحد ذاتها انجازاً من انجازات النصر, يدل على بلوغ مرحلة النضوج الميداني والفكري والسياسي, تنتقل بالمقاومة من مرحلة الشتات والتفرق إلى مرحلة العمليات النوعية المتواصلة التي تحدث تدميراً ونكاية بالاحتلال.
تستطيع المقاومة بوحدتها وجمع صفها أن تجابه وتتغلب على جميع الاختراقات التي تمزق صفها وتنال من وحدتها, وتؤخر مسيرتها باتجاه كسب النصر وصناعة عوامله.
لايمكن لجميع مشاريع الاحتلال من إيقاع التأثير على المقاومة مهما تعاظمت المشاريع وكبر خطرها, فإنه إذا ما ووجهت بجدار الوحدة الصلب, الذي يواجه جميع مخططات الأعداء لإضعاف صف المقاومة.
كشف خفايا ونوايا المتسترين بالعمل المقاوم الذين يجعلون من المشروع المقاوم قنطرةً لمكاسبهم وجسراً لنيل المناصب الذين سرعان مايتخلون عن الإسلام وتحرير البلد عندما تعترضهم إغراءات الاحتلال.
تُبيّن المقاومة بوحدتها بأنها القوة الفعلية الوحيدة والمؤثرة على أرض الواقع وبيدها القرار في التحكم والتخطيط والتنفيذ, وأنها هي المتغلبة عسكرياً, ولا يمكن تجاهل طرفها ميدانياً.
سيكون لها الحضور الفاعل على متغيرات الأحداث, وستكون عامل صَدٍّ ضد إضفاء الشرعية على جميع حكومات الاحتلال, فقرار وحدة الفصائل المقاومة يسقط شرعية حكومة الاحتلال مباشرةً, ويعطي الشرعية ويحصرها باتجاه فصائل المقاومة. وعندها سيحسب الاحتلال لها ألف حساب, وقبل أن يتخذ أي طرف عربي أو إقليمي عندما يحاول إضفاء الشرعية الدولية على حكومة الاحتلال, إذا ما حاول إرسال سفير أو يفتح مكتب إدارة أعمال أو يقرر الاعتراف بما ينتج عن الاحتلال, ويتجاهل طرف المقاومة.
وحدة فصائل المقاومة سيحفز الكثير من الأطراف لتوفير الدعم للمقاومة,وبجمع كلمة الفصائل سيقتنع العالم كله بمشروع المقاومة وسيجد نفسه مضطراً لنصرتها وتقديم العون لها, لأنها ستصبح اللاعب الأكبر الحقيقي في إدارة الميدان, وقد تؤول متغيرات الصراع باتجاهها وتمسك زمام السلطة وتستحوذ على القبول في مشروع بناء دولة مستقلة ذات سيادة, ومستقرة, بخروج الاحتلال مباشرة, فإذا مالت دفة الصراع باتجاه الطرف المقاوم فإن المصلحة المستقبلية للكثير من الأطراف وفق المتغيرات المتوقعة أن تمد جسورها وإن كانت بشئ من الضعف, لكسب ود الطرف المقاوم.
ونتيجةً لخلط الأوراق في ساحة العمل الميداني, فإن الكثير من الأطراف الراغبين بنصرة المقاومة ومدها يجهلون الطرف الحقيقي الذي يمثل المقاومة.
وكذلك يوجد بعض الأطراف الذين تهمهم تغيير دفة الصراع باتجاه إضعاف الاحتلال الأمريكي وتأخير مشروعه في العراق, فإنهم يرغبون بتأييد الطرف المقاوم الحقيقي الذي يأمنون معه على سرية تأييدهم لها. ليس حباً بالمقاومة وإنما رغبة منهم بحرق الأوراق الأمريكية في الساحة السياسية لإضعاف قرارها السياسي والتأثير عليها كقطب أحادي في العالم.
وحدة فصائل المقاومة في العراق إن كتب لها النجاح, في تحقيقها على أرض العراق ستمهد لنفسها بأن تكون نموذجاً يقتدي بها جميع تجارب العالم, وجميع القوى الرافضة للإذلال, وسيسجل لها التاريخ ذلك, كما سجل التاريخ لها سرعتها في الانطلاق وشدة ضراوتها وضرباتها النوعية في ساحة عمل جهادي, تعد من أكثر ميادين المقاومة تعقيداً في تاريخ امتنا, حيث أعطت دروساً لجميع التجارب التي سبقتها بعشرات السنين حيث أصبحت مدرسة لجميع من سبقها, وسجلت نضجها في خبرتها القتالية وخططها العسكرية, أمام جيوش العالم كلها, حيث فاجأت العالم بإقدامها وشدة نكايتها بأعتى جيوش العالم, ولفتت أنظار العالم, لأن المطلع على عمليات المقاومة ونوعيتها ورقي تخطيطها العسكري ووقوفها ضد الاحتلال لا يجد عاملاً مادياً واحداً يعين طرف المقاومة لترجح على جيوش الاحتلال, فلا تضاريس ولا عدد ولا عدة يعينها على ذلك, وللتاريخ نقولها إن جميع أنظار العالم بانتظار هذه المرحلة التي إذا أنجزت, فإنها ستشكل انعطافاً تاريخياًَ في مسار الأمة, وسيقول العالم بأسره حينها: (طلع البدر علينا من مقاومة العراق) لأن العالم يعرف فيها الثبات وإن كره الطغاة والشموخ الحقيقي في زمن الانكسار.
إن من المسلم به عند جميع فصائل المقاومة, أنه لا يمكن لفصيل ما أو مجموعة معينة من الفصائل أن تحقق النصر, حتى وإن اتحدت وجمعت كلمتها دون بقية الفصائل الأُخرى التي لها وجود حقيقي, وعلى الجميع أن يعلم أنّ بقاءه ووجوده مرتبط بجمع كلمته مع بقية إخوانه من الفصائل, وإنّ عظيم المحنة التي تمر على جميع القوى المناهضة للاحتلال والفصائل المجاهدة تملي على الجميع التكاتف والوحدة لأنه لا غنى لأحد دون بقية إخوانه من جميع الفصائل, على اختلاف مشاريعها وأطيافها وخلفياتها الفكرية.
لأن طرد الاحتلال وتحرير العراق لا يمكن أن يتحقق الا بجهود الجميع الذين سيشكلون بوحدتهم التكامل المنشود, الذي سيشكل العامل الأكبر من عوامل النصر في إدارة الصراع وحسم المعركة.
وحدة الفصائل ستؤدي إلى تجاوز مرحلة التشفي من الأعداء والمتربصين بالمشروع المقاوم, وهو يقوم على الألفة بين الفصائل مع تعدد الأسماء والعناوين حيث كان المراقبون في أول سنوات المقاومة, يرون الوحدة في صفوف المجاهدين فتراهم يخرجون في معركة واحدة على تعدد فصائلهم ولا تفرق بينهم الأسماء.
وتسمع من الجميع الترضّي والقبول, بل حتى المنافقين كانوا يدّعون تأييد مشروع المقاومة بالظاهر, ولكن لما حدثت الجفوة بين قيادات الفصائل وتفرقت القلوب, تَنَكّر الناس لفضل المقاومة, التي أعزت الأمة ورفعت رأس المسلمين وجميع الخيرين والشرفاء في العالم, وتجهم الناس لجميع فصائل المقاومة لمّا ذهبت هيبتهم, فلا يمكن لعاقل أن يتغافل عن سنن الله تعالى وتناسي ماهو معلوم بالفِطَرِ السليمة, بوجوب البعد عن التنازع والاختلاف, والاعتصام بالكتاب والسنة, وسنن الله تعالى التي لا تبديل لها, وهي تقضي أن الاختلاف سبب حتمي للفشل والضعف, ولابد من الصبر على المخالف في الرأي (خاصة في المتغيّرات) وإرجاء كثير من الجدال والنقاش لحين انجلاء الحملة الصليبية على الإسلام, وطرد الاحتلال وتحرير البلد.
والله تعالى يعلمنا بقوله:{وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ }[الأنفال:46].
لما كانت وحدة الصف وجمع كلمة الفصائل فريضة شرعية بأمر الله تعالى ووحيه إلى رسوله الأكرم (:) , فإنه مما لاشك فيه أن مرتكب خلافه ستترتب عليه الأحكام الشرعية التي تقوم بحق مفرّق صف الأمة, والخارج عن إجماع المسلمين, والمخالف لأمـر رسول الله (:) الـذي حـذّر الشـرع مـن مـخالفته أشـد التـحذيـر, قـال الله تعالى:{ فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ }[النور:63].
وقد يكون الواجب على الجميع تشخيص من يعجبه أن يغرد خارج السرب ووجوب نبذه, وتحذيره من أن يكون عقبة أمام إنجاز مرحلة مهمة من مراحل إنجاز مشروع المقاومة.
توحيد الفصائل سيطرح على أقل تقدير رؤية شمولية لمشروع وطني تستعيد فيه إرادة دولة محررة تتمكن من بناء أجهزتها باستقرار, ومـن دون فوضى, وبمشورة مـن الجميع.
وإذا كان تقييم فترة ما؟ بأنها قد يسوغ فيها التفرق والاختلاف, فإنه من الواجب المحتم أنه ينبغي أن تحسم سريعاً وتجهض اليوم في محلها, وقبل التحرير لا يسمح مطلقاً بالخلاف والتفرق وتعدد العناوين, لأن ذلك سَيُدْخل الجميع في التخبط والشتات والتمزق والتشرذم, لأن عامل الإرباك سيكون على أشدّه.
في الحلقات القادمة إن شاء الله سنبين الآلية الفصل, لمشروع حقيقي يجمع صف المقاومة ويوحد صفها, وتشخيص وإبراز جميع المشتركات التي تبني المشروع المقاوم للفصائل.
وحدة صف المقاومة فريضة شرعية يا مقاومون اتحدوا ..الشيخ ناصر الفهداوي
