هيئة علماء المسلمين في العراق

هيئة علماء المسلمتن ثوابت الشرع – وقراءة الحاضر – واستشراف المستقبل .. الشيخ:ناصر الفهداوي الحلقة 2
هيئة علماء المسلمتن ثوابت الشرع – وقراءة الحاضر – واستشراف المستقبل .. الشيخ:ناصر الفهداوي الحلقة 2 هيئة علماء المسلمتن  ثوابت الشرع – وقراءة الحاضر – واستشراف المستقبل .. الشيخ:ناصر الفهداوي الحلقة 2

هيئة علماء المسلمتن ثوابت الشرع – وقراءة الحاضر – واستشراف المستقبل .. الشيخ:ناصر الفهداوي الحلقة 2

ظهرت هيئة علماء المسلمين في 13/4/ 2003م ,في أول تشكيل لها وتم تشكيل مجلساً للشورى فيما بعد تألف مـن (40) أربعيـن عضوا يمثلون مختلف أطياف التوجـه الإسلامي في العراق. وعبر الانتخابات تم اختيار (13) ثلاثة عشر عضوا للأمانة العامة وانتخب من بينهم فضيلة الدكتور: حارث الضاري أمينا عاماً للهيئة.
وتتألّف "الهيئة العامة" في هيئة علماء المسلمين من عدد كبير من العلماء والأئمة و الخطباء و الدعاة, في جميع أنحاء العراق,ولها (أعضاء مؤازرون) لكل من رغب في العمل معها من غير علماء الدين,  كالمفكرين والسياسيين و الأطباء والمهندسين وأساتذة الجامعة وغيرهـم من طبقات المجتمع كـافة.
وكانت ضرورة واجبات العمل في الهيئة تقضي أن يتفرع للهيئة أكثر من عشرين فرعاً في مدن ومحافظات العراق كلها.
وبدأت الهيئة عملها في بلد محطم جعله الاحتلال أثراً بعد عين, وسط الركام و الخراب الذي طال كل شيء في البلاد من وزارات ومؤسسات وخدمات وبنىً تحتية .
فقامت الهيئة ومنذ أول انطلاقتها بسد فراغ دولة, حيث لم يعد يوجد شيء يـلزم الناس وينظم شـؤونهم, ويصد موجة الانفلات العارمة في الأمور و الأحوال لدى العراقيين إلاّ توجيه الهيئة الذي ملأ الفراغ الطارئ, لما لأعضائها  التأثير الكبير والقبول الواسع عند الشعب العراقي على مختلف أطيافهم ومذاهبهم, وهذا من الجانب الإداري في إدارة النازلة في احتلال البلد.
أما في الجانب الشرعي فقدت قامت بضبط الانفلات الأمني و معالجـة الانهيـار المفاجئ للدولة وانهيار القيم بين الناس, من خلال الفتاوى الشرعية  بضبط النفس و الصبر عند النوازل وتحريم سرقة المال العام, بل إن الخلل طال حتى منظومة المساجد في البلـد, بسبب انهيار المؤسسات ألتي كانت تديرها, فقامت الهيئة بممارسة دور وزارة الأوقاف في إدارة المساجد, والملفت للنظر أن دور المساجد تضاعف عدة مرات عما كان عليه قبـل الاحتلال من خلال إقامة الدورات العلمية للأئمة والخطباء والدعاة, وفتح دورات تحفيظ القرآن الكريم على مدار العام, و قامت بتوفير الدعم الكامل لبناء المساجد وترميم أخرى متضررة طالتها يد الاحتلال, ودعم عمل المساجد بالمصاحف والمكتبات العلمية وغيرها الكثير, وقدمت بهذا الصدد خدمات جليلة .
ومع انهيار دولة كانت قائمة بإداراتها ومؤسـساتها حطمها الاحتلال, عملت الهيئـة على تهدئة الأوضاع الداخلية بين جميع مكونات الشعب العراقي المذهبية والعرقية والقومية , بالتوجيه والنصح الشرعي وتوجيه الرسائل المتواصلة لجميع المعنيين  بالشأن العراقي, للحيلولة دون وقوع فتنة طائفية تأتي على البلد فتحرق الأخضر واليابس فتزيد مأساة الشعب لتضاف على مآسي الاحتلال وجرائمه, فيصطلم الشعب العراقي حتى يسحق بعضه بعضاً,  وهنا برز دور الهيئة ليكون صمّام أمان حال دون انزلاق العراق إلى الحرب الأهلية, لمـا للهيئة من سعة أُفق, ورسوخ علم, وقراءة صحيحةٍ لمسار الأحداث.
جـاء انبثاق الهيئة في وقت كانت الإدارة الأمريكية قد أعدت مشـروعاً كبيـراً يرافق حملتها الصليبية على العالم الاسلامي, بما سمته(مشروع الشرق الأوسط الكبير)الـذي يـعبر عن حقيقة محتواه, الذي يعني سلب المسمّى الإسلامي عن الأمة المسلمة وإهانتها والاستهانة بها دولاً وشعوباً, وإشاعة هذا المسمى الذي نسمعه اليـوم في جميع أجهزة الإعلام في الدول الإسلامية, وهذا المشروع الكبير يستهدف الهوية الإسلامية, ناهيك عن استهداف اقتصادها وعوامل نهضتها عبر ما سمته أمريكا بـ(مشروع العولـمة) الذي كان أولى  بداياته عبـر احتلال العراق بداية ومن قبله أفغانستان.
        فقيمت الهيئة هذا المشروع ورصدته وجعلت منه محور عملها من أول انطلاقتـها  والوقوف بالقدر الذي يجب أن يوازي هذا المشروع في ضخامته وفداحـة تأثـيراته علـى  ساحة العمل الاسلامي, وكان لابـد من أن تظهر الهيئة بمشروع يتصدى لجميع تحديـات المشروع الصهيوصليبي لفرض الهيمنة الأمريكية على العالم الإسلامي و مـحو الهويـة الإسلامية وتقف له بالضد في جميع مفاصله, ومع ترسانة السلاح  الأمريكي الحديـث, والقدرات التكنولـوجيـة المتطورة ومنظومة السلاح الالكتروني, الذي يفوق التصورات مؤيّداً بمليارات العالم وهو يشن حملة أممية, لانبالغ إذا سميناها حرباً كونية على العالم الإسلامي منطلقا من العراق بمشروع  يستأصل دولاً وينحر شعوباً, وبإمكانك أن تتصور, ماذا ينبغي أن يعد لمواجهة مثل هذه الحملات وما هي المتطلبات الواجب توفرها والإمكانات التي يجب إعدادها لإجهاض مخططاته ومقاومة احتلاله.
حملت الهيئة قضية العراق وحرصت على أداء الأمانة الشرعية والتاريخية الموكلة إليها لتحمّل جميع تبعات الموقف من امتصاص صدمة الاحتلال وانهيار جميع مؤسـسات الدولة, ومن اليوم الأول تم تجاوز صدمة الاحتلال وبدأت اللقاءات تتوالى على مدار اليوم كله لصناعة تصور كامل لتطورات الأحداث وقراءة متغيرات الساحة, وفي اليوم الرابع تم عقد اجتماع هيئة الشورى وإعلان تشكيل هيئة علماء المسلمين في العراق, وتم رسم وبناء الصورة الأولية لحقيقة ما يجرى على الساحة, للتعاطي مع الأحداث وصياغة الموقف وتـم تحديد مسار الهيئة ورسم مشروعها في مناهضة الاحتلال, بأن تسير وفق الخط الشرعي في حماية الهوية الإسلامية ووجوب المحافظة عليها أولاً, ومشاركتها بالرأي السياسي المبنـي على ثوابت الشرع ومنهج الإسلام, والاستفادة من دروس تاريخ الأمة الإسلامية في ثوابتها وصمودها, مع قراءة الحاضر ورصد تطوراته واستشراف المستقبل في صياغـة الموقـف المطلوب, وفق سنن الله تعالى التي خطها لعباده.
وبدأ المشهد العسكري والسياسي معقداً جداً, بل كان من أعقد المراحل التي تمر بأمتنا الإسلامية, وملغماً بالمفاجآت ويحتاج إلى مشروعٍ كبير وضخم يصد الزحف الصليبي الذي هجم على الإسلام من كل جهاته وجوانبه وأقطاره واستهدف كل مفصل من مفاصل دين المسلمين وحياتهم واقتصادهم وعوامل نهضتهم.
ونذكر لسماحة الأمين العام مواقفه في تقييم الاحتلال وتحديد أطرافه بدقة, واستشراف مستقبله وزيف وعوده وكذب شعاراته في حرية الشعوب والديمقراطية ولعبة الإصلاحات, فكان يتحرك بنفسه في عموم محافظات العراق بمحاضراته وجهوده, وأذكر منها محاضرة عقدت في بغداد/السيدية في الأيام الأولى من الاحتلال , وحاول البعض أن يعد الاحتلال مكسباً صنع لهم فرصةً لنيل المناصب في ظله, وحاول إقناع الحضور بذلك فلم يفلح, وتكلم الأمين العام قائلاً: أيها الناس لايغرنّكم زيف الاحتلال وكذبه وكذب ماجاء به بأنه جاء لكم من أجل الديمقراطية والتغيير وأنه سيرحل بعد أن يحقق ذلك, بل إن الاحتلال جاء ليبقى ويدمّر البلد وأنه إنما يشن حرباً صليبية على الإسلام ليستأصل الهوية الإسلامية, وأن ساستهم هم من صرح بذلك مراراً وتكراراً, حيث قال "كولن باول"(إنما جئنا لنبقى قروناً) وقال "رامسفيلد": إذا تحمل العراقيون صدام خمساً وثلاثين عاماً فعليهم أن يتحملوا وجودنا ضعف هذه المدة(70) عاما وبعها ليحكموا علينا, هل نبقى أم نخرج), وحدد الحل لإخراجه قائلاً: على الاحتلال أن يرحل عن البلد ويترك العراق للعراقيين وإذا لم يرحل سريعاً فإننا سنتخذ فيهم طريق الأجداد, وأنه لن يخرج إلاّ عن طرق المقاومة, وأن ماأخذ بالقوة لايسترد إلاّ بالقوة).
وفي لقائنا مع سماحته في الأشهر الأولى من الاحتلال, سأله أحد الحاضرين من المشايخ قائلا: مع وجود الاحتلال وشدة المقاومة له وتشتيت مخططاته, كم سيطول وجوده في العراق؟ فأجاب قائلاً:(عليكم أن تجعلوا في حساباتكم ان مطاولتكم للاحتلال لاتقل عن ست سنوات, والهيئة قد أعدت حساباتها للعمل بسياسة النفس الطويل, مع طول فترة وجوده.
وعندها شعرنا أن المدة طويلة وفق هذا التقييم, لكننا اليوم رأينا كم طال الاحتلال وفق تقييم سماحته, وأنها كانت في مكانها.
ومع هذا السبق في استشراف مستقبل الاحتلال ومدة بقاءه ورسوخ القراءة الحقيقية لمشروعه, ومعرفة دقائق مفاصله, بَنَتْ الهيئة مشروعها وأسست لصموده وفق ضوابط الشرع وثوابته, بإدارة سياسية محكمة مستنبطة من السياسة الشرعية المؤصلة وفق قواعد الشرع وأصوله.   
فجاء مشروع الهيئة المقاوم والمناهض للاحتلال شمولياً, ودقيقاً, ويعتمد علـى المعلومة الدقيقة والموثقة في بناء التحليلات واتخاذ المواقف, وفق مراحل بناءٍ مدروسة, ولم تكن نشأة الهيئة عبارة عن نزعة عاطفية انجرت وراء حماسة وقتية, ولم تسع وراء مجـد شخصي أو مكسب دنيوي, وإنما جاء و جـودها كضرورة شرعية لحمل قضية بلـد مسلـم يعاني الجراح والتدمير على يد فراعنة العصر السائرين بحلف الجلاّد الأمريكي, على الرغم من كل تبعات الموقف وتكاليف أمانة القضية وحملات تشويه المنحرفين الذين سقطوا في المشروع الأمريكي, الذين صيروا من أنفسهم أداةً للمحتل وأعوانه, ينفذ بهم مخططاته ومشاريعه ورغباته, وصيّرهم جسراً لتدمير الشعوب  وقتل الإنسانية وهتك الأعراض.
جاءت الهيئة وفي حساباتها مواجهة كل هذا العدوان الإجرامي وضخامته, وكانت حاضرةً في جميع مفاصلة, ولم توقف الاحتلال عند حدِّه فحسب , بل حيّرت أحلاف الباطل كلها بوقفتها وجعلت مع الخيرين وشرفاء العالم احتلام أمريكا متخبطة  وتراوح في مكانها, حتى وقف الاحتلال أمامها متحيراً, فتراه يسجن أعضائها, وتارة يقتل منهم المئات, وتراه أخرى يأتي يستجدي التفاوض بالوعود المغرية الغير شرعية  التي لا تمثل مطالب الهيئة ومشروعها الذي يقضي بخروج الاحتلال والثوابت التي يمليها الشرع وفق معالم واضحة لمشروع الهيئة, وهي خروج الاحتلال والإفراج عن المعتقلين وتعويضهم, وتعويض العراق جميع خسائره الناجمة عن الاحتلال وإعادة الجيش العراقي المهني وجميع مؤسساته.
ومن الأشهر الأولى من الاحتلال صارت الهيئة الطرف المؤثر في موازين قراءة الساحة, والتعرف على مجريات الأحداث على خارطة المتغيرات السياسية, وحرصت جميع الدول على قراءة المشهد العراقي من خلال الهيئة عبر إرسال سفرائها للقاء الأمين العام للهيئة, وذلك لنفوذها في الساحة وتأثيرها الواسع على جميع فصائل المقاومة والقوى المناهضة للاحتلال, وأرسلت كبرى دول العالم سفرائها لمعرفة التصور الحقيقي لما يحدث في العراق من جريمة بحق الإنسانية وماهية رؤية الهيئة ومشروعها المواجه لمشروع الاحتلال لثقتها بمصداقية الهيئة وعدم ثقتها بأكاذيب الاحتلال.

أضف تعليق