هيئة علماء المسلمين في العراق

العراق أعظم مصنع للأنباء في العالم - محمد الدعمي
العراق أعظم مصنع للأنباء في العالم - محمد الدعمي   العراق أعظم مصنع للأنباء في العالم - محمد الدعمي

العراق أعظم مصنع للأنباء في العالم - محمد الدعمي

انقضى العام السادس على دخول القوات الأميركية والمتحالفة معها العراق ليغدو هذا البلد العربي المتموضع في القلب من خارطة العالم أكبر مصدر للأخبار في العالم طوال هذه السنوات الست ، بحسب إحصائيات إعلامية عالمية دقيقة. الآن يعرف العراقيون جيداً حقيقة جديدة يضيفونها إلى العديد من الحقائق التي سبقوا شعوب العالم الأخرى في إدراكها واستيعاب أبعادها، وهي: حذار أن تكون مصدراً للأنباء والأخبار (أي إحذر التموقع في فوهة المدفع)، فهذه حال لا يحسد عليها أحد. وللمرء أن يقتنع بالعزلة ويرضى بأن يكون منسياً، أفضل له من أن يكون تحت الأضواء، ذلك أن للأضواء ثمناً باهظً. واحد من أخطر وأسوأ الأثمان الباهظة التي دفعها العراق خلال السنوات الست الماضية، وبسبب تموضعه تحت الأضواء هو تدخل الجميع في شؤونه ومحاولاتهم العبث بمصيره وبمصير أبنائه. وهكذا ندرك فضائل العزلة، بمعنى الإبتعاد وتجنب المخاطر وليس بمعنى الجمود والشلل وإنما بمعنى أن يكون المرء بمنأى عن تدخلات الآخرين أصدقاء كانوا أم أعداء.

على كل حال، ربما يكون هذا المدخل مناسباً للإنتقال إلى تشعب آخر من هذا الموضوع، وهو ذاك التشعب الذي أشار إليه الأستاذ عمرو موسى، أمين عام جامعة الدول العربية، في سياق حديثه عن إستعادة العراق لدوره القومي العربي، حيث تنطوي هذه الإشارة على خسارة هذا البلد لذلك الدور في وقت ما من الماضي القريب. هذه ليست حقيقة بالمعنى المطلق، والدليل يمكن أن نتتبعه في الفقرة الأولى من هذه المقالة، في أعلاه: حيث هيمن الشأن العراقي على وسائل الإعلام العالمية والعربية طوال هذه المدة ولم يزل، الأمر الذي إنعكس عبر عدد من إساءات الفهم أو العبثيات غير المقصودة التي سقط بها بعض الإعلاميين في المنطقة ومعهم أجهزة إعلام ضخمة كاملة، أخفقت في الحفاظ على الحيادية المفترضة بالإعلام الملتزم بآداب وأخلاقيات ethics هذه المهنة الخطيرة. ربما هنا يكمن السبب في أن العراق أصبح سباقاً كذلك، قبل سواه، في حقيقة كونه أخطر بقعة في العالم على نحو الإطلاق بالنسبة للعمل الإعلامي، الأمر الذي يلقي الضوء على الأعداد الكبيرة من الصحفيين الذين قتلوا أو أغتيلوا أو فقدوا أثناء تأديتهم لأعمالهم في البقاع الساخنة من هذا البلد المحوري.

أما بقدر تعلق الأمر بوسائل الإعلام العربية، فإن الشعور بثمة تباعد بين العراق وبين محيطه العربي إنما كان شعوراً مصطنعاً أو مبتكراً ومبالغاً به قامت هذه الوسائل الإعلامية بالإيحاء به وبتعميقه وتمريره حد تضليل المتابع العربي بأن "العراق لم يعد جزءاً من الأمة العربية!" لاحظ التضليل والإفتراء المدفوع سياسياً وآيديولوجياً: قامت بعض وسائل الإعلام ، بلا خجل أو أدنى شعور بمسؤوليات شرف المهنة، أقول قامت ببتر العراق من محيطه القومي، وكأن العملية يمكن أن تجري كما تجري عمليات البتر والإستئصال في غرف العمليات الكبرى في المستشفيات!

كيف سمح هؤلاء المضلِلون (بكسر اللام) لأنفسهم بمحاولة قطع العراق من بقية عالمه العربي الكبير: هل يمكن استئصال القلب من الجسد، أو العراق من الأمة؟ وبكلمات أخرى، كيف سوغ هذا الرهط من الكذابين والمفترين لنفسه إزالة أو إجتثاث "العراق العربي"، "عراق البصرة والكوفة" ومدارس الفقه الإسلامية الأولى ومدارس النحو العربية الأولى من تاريخ وتراث الأمة، وبدوافع غير نبيلة بكل تأكيد. ما هذا التعامي عن الحقيقة وما هذه العجمة؟ هل كانوا يريدون تنظيم مجلس عزاء على فقدان العراق وخروجه عن "الصف العربي"؟ يالها من سذاجة أو حماقة أريد لها أن تمرر على المساكين البسطاء. لنفترض أن العراق لم يعد جزء من الأمة العربية، ولكن كيف سيكون لهذه الأمة تاريخ بدون العراق، أي بدون شعراء العراق ومفكريه من المتنبي والشريف الرضي إلى الجواهري وبدر شاكر السياب؟ أي بدون بغداد والكوفة والبصرة، بدون المدرسة المستنصرية وبيت الحكمة، بدون اخوان الصفا، والحلاج والغزالي؟ هذا ما لا يمكن أن يكون.

لقد تمادى بعض الصحفيين والمعلقين المدّورين سياسياً وأيديولوجياً في محاولات عزل العراق عن تراثه وعن عالمه العربي درجة التشكيك بعروبة العراق والدعوة إلى إستثنائه من أنشطة العرب الجماعية، وكأن مشاركته فيها غدت فضلاً أو جميلاً يسدى لبغداد عاصمة الثقافة العربية وللكوفة عاصمة الدولة العربية الإسلامية قبلها لعقود طوال.

إن الأخطاء الإعلامية تكون قاتلة أحياناً، خاصة عندما تنطوي على التشكيك بعروبة العراق وبدوره القومي الذي لا يمكن لأحد أن يتجاوزه أو يتناساه الآن وإلى الأبد.
لقد عشت وعملت في دول عربية عدة، فوجدت في بعضها انك لا يمكن أن تتعرف على عائلة، في هذا البلد او ذاك، دون أن تجد من بينها من نهل من علم العراق وعلومه وجامعاته وثرواته. بل أنك من المحال أن تفترض عدم وجود أثر عراقي على هذه العائلة، إن في الدراسة أو التأهيل أو العمل. لقد كان هذا خطاً إعلامياً كبيراً، هو ذاك الخلل الذي عبر عنه بعض المعلقين الذين ظهروا على شاشات الفضائيات، عن عمد أو دون عمد، وبأسلوب قسري وتعسفي، خال من الآداب واحترام النفس، كي يصادروا أدوار العراقيين في التعليق على الأحداث أو تقييمها. وبكلمات أخرى، تجاوز هؤلاء (وبعضهم ليس من عواصم عربية وإنما من عواصم أجنبية كلندن وباريس)، نقول تجاوز هؤلاء حدودهم وحدود تخصصهم عندما أخذوا يسدون النصح للعراقيين في كيف ينبغي أن يتصرفوا وكيف ينبغي أن يختاروا طريقهم! قد يكون هذا الأمر مقبولاً بقدر تعلق الأمر بالشعور القومي الوفي والمخلص وخلاصه من كافة الشوائب والأنانيات والعصبيات: فلا مانع لدي من الاستماع لنصيحة أخ عربي أو لمحاولته توجيهي، إذا ما كنت متأكداً من صفاء دوافعه وعدم انحيازها وخلاصها من المعوقات والولاءات الصغيرة والمصالح المادية التي أضاءت الإشارات الخضراء للعشرات من هؤلاء الدهاقنة كي يحاولوا العبث بالشؤون العراقية، ................

المقالات تعبر عن راي كاتبيها فقط
ص

أضف تعليق