هيئة علماء المسلمين في العراق

مباركة عربية لاحتلال العراق في ذكراه السادسة.. العرب اونلاين
مباركة عربية لاحتلال العراق في ذكراه السادسة.. العرب اونلاين مباركة عربية لاحتلال العراق في ذكراه السادسة.. العرب اونلاين

مباركة عربية لاحتلال العراق في ذكراه السادسة.. العرب اونلاين

بمزيج من المرارة والفخر، تختلط مشاعر ملايين العراقيين والعرب وأحرار الدنيا وهم يستقبلون الذكرى السادسة للعدوان الأمريكي الذي حدث في مثل هذه الايام قبل ست سنوات. ومرد امتزاج المشاعر هو أنه في الوقت الذي تقترب فيه المقاومة الوطنية الشريفة من قطف ثمار النصر، نرى بالمقابل بداية هرولة عربية إلى بغداد لمباركة الحكومة التي نصبها المحتل بعدما حبك مسرحية سياسية سعى من خلالها إلى خلق كيان عراقي مشوه بكل معنى الكلمة.

الهرولة المقصودة ليست إلا زيارة السيد عمرو موسى أمين عام الجامعة العربية إلى بغداد التي جاءت في وقت له من الدلالات الكثير، لعل أولها أن الصمت العربي الذي زامن احتلال العراق قبل ست سنوات قد كشف أخيرا عن وجهه القبيح، وأعاد إلى الذاكرة كثيرا من البراهين التي لا تحتاج كثيرا من الفضح بعدما ساهم في دفع العراق برمته إلى أسوأ درك بتفكيك كل مقدراته البشرية والمادية بفعل عوامل عديدة ليس أسوأها الغزو العسكري.

ولا ندري لماذا تخير عمرو موسى هذا التوقيت المتزامن للذكرى السادسة للعدوان لزيارة بغداد، اللهم إلا إذا كان لإحياء احتفال متأخر بـ"تحرير العراق من الديكتاتورية"، كما يفعل المتواطئون على الجريمة سواء داخل العراق أو في بعض جواره.

وإذا نسي عمرو موسى، فمن الواجب تذكيره بما أعلنه عشية العدوان عام 2003 عندما اعتبر أن الغزو مدان ولن يقبله، وقد كلفه هذا الموقف "هوجة" كويتية سمع فيها من الإهانات والتهديد ما لم يسمعه من قبل، كل ذلك لأن الكويت صممت على احتضان عملية الغزو.. وقد نجحت في تحويل العراق يبابا.

والواقع أن الاحتلال الأمريكي ليس مسؤولا وحده عن تدمير العراق ولا التغلغل الايراني أيضا، فمفارقات السياسات العربية أسوأ منهما، وساهمت من خلال انقلاباتها وتذبذبها في تكريس الخطيئة وتبرير ما هو أفدح من مخططات ومؤامرات تستهدف أكثر من دولة عربية على الخارطة.

ويبدو أن عمرو موسى ينساق في هذه التصور، فهو باسم الجامعة العربية أعرب -من خلال زيارته بغداد في هذا التوقيت- أنه كان مخطئا في معارضته للحرب على العراق قبل ست سنوات، وإلا لما عبر لرئيس حكومة الاحتلال نوري المالكي عن "سعادته" بزيارته العراق، وقال بصوت واضح "نتابع، ونبارك، وندعم العملية السياسية، وهي عملية عراقية"...

بهذه البساطة انقلب عمرو موسى على مواقفه المبدئية سواء على مستواه الشخصي أو على مستوى المنظمة التي يرأسها والتي ينص ميثاقها على رفض التدخل الأجنبي في شؤون الدول الأعضاء، والعراق دولة عضو ومؤسس للجامعة والأمم المتحدة أيضا، ومثلما كانت المشاركة في غزوه جريمة تماما كالتسهيلات، فإن السكوت والترحيب المتأخر جريمة أيضا في حق هذا البلد الذي عانى كثيرا، وما زال.

إن عراق اليوم لا يشبه عراق الأمس القريب، ولا يشبه أية "دولة" أخرى في العالم، وعندما يجري الحديث عن أن العراق بدأ يتعافى، ويصلح من شأنه بفضل ما يسمونها "ديمقراطيته الناشئة"، فهذا تغافل عن الحقائق وتجميل لعملية الغزو التي باتت قاب قوسين من الانكسار النهائي بدءا من تصميم الرئيس الأمريكي الجديد باراك أوباما عن سحب جانب كبير من القوات وصولا إلى دعوات "المصالحة" مع حزب البعث وكبار ضباط الجيش السابق.

ولمن يتتبع مراحل الغزو منذ اندلاعه يكتشف أن هذه "التنازلات" ليست هبات سياسية من الأمريكيين أو ممن صاروا بفضل الغزو حكاما داخل المنطقة الخضراء بقدر ما كانت انجازات حققتها المقاومة الوطنية، هذه المقاومة التي اكتسبت من أدوات المناورة السياسية أكثر مما تفعل على الأرض من عمليات مسلحة موجعة كبدت القوة العظمى وطوابير عملائها خسائر لا يمكن أن تنكر.

قد يقول أحدهم إن الاستقرار الأمني الهش مرده إلى قوة الاجهزة الأمنية والعسكرية الحكومية، ربما يكون في جانب منه صحيحا باعتبار أن عناصر نحو 14 فرقة من ضمن الفرق الـ17 للجيش الجديد هي من القوات المسلحة السابقة، وكذلك غالبية عناصر القوات الأمنية، وهذه القوات ذات خبرة، ولها ولاءات وطنية لا غبار عليها، ولكن في جانب منه نجاح للمقاومة الوطنية التي فرضت إعادة هذه القوات إلى سالف عملها، وإن يعز على قاطني المنطقة الخضراء حاليا الاعتراف بذلك، فإن الأشهر القادمة كفيلة بتفجير عدة مفاجآت.

العراق الذي ما زال في عرف القانون الدولي بلدا محتلا بلا سيادة، قدم شعبه كثيرا من التضحيات التي لم يقدمها شعب مثله في العصر الحديث، فمن نحو مليون شهيد وأربعة ملايين مهجر إلى دمار شامل لبنيته الأساسية ومعالمه الحضارية، زد إليهم ملايين آخرين ما زال واقع معاناتهم وصور التعذيب الماثلة على أجسادهم وأرواحهم تذكرهم بأنهم ذبحوا بأكثر من خنجر، وبعض تلك الخناجر سلها إخوة لهم في الدين والدم.

وما زال هؤلاء الإخوة يزيدون في تعميق الجب لتشتد المعاناة وتتفاقم.

ليس هناك أي تفسير لزيارة عمرو موسى إلى العراق في هذا التوقيت إلا منح شرعية عربية إلى من وصلوا إلى الحكم على ظهر الدبابات الأمريكية بعد أن زوروا الحقائق على الأرض، وبدأوا يطبلون لواقع جديد استنفدوا في وصفه كل قواميس الإطراء والثناء وكأن بلاد الرافدين ستغدو أسطورة سومرية في الديمقراطية والحرية وما شابهها من هذا الزيف!!.

الحقيقة الواقعة على الأرض عكس ذلك تماما، فكل ما بني على الغزو أخذ ينهار، والذين شاركوا في تدمير العراق -ولو بكلمة في السر- سيلعنهم التاريخ، وسرعان ما سيُكنسون ويُركلون إلى خارج دوائر الضوء تماما كما كان مصير "بطل تدمير العراق" الرئيس جورج بوش الذي صار قدره في آخر أيام حكمه قدر نعل حذاء، وكذلك نائبه ديك تشيني الذي خرج من البيت الأبيض على كرسي متحرك أشبه بالمعتوه.

العراق في الذكرى السادسة لاحتلاله بات أفضل من السنوات الماضية، هذا واقع لا ينكر، فالمقاومة بمختلف أجنحتها وفرقها حققت كثيرا من المكاسب، وهي في الطريق لتحقيق البقية، ومن شبه المؤكد أن الذكرى المقبلة ستكون أفضل، ولكن في عراق من دون عملاء أو بالقليل منهم على الأقل، وهذه ستكون من المفاجآت التي لا تعرف لغزها إلا المقاومة البطلة.

وآنذاك يمكن للعراق بوجهه المشرق أن يعود إلى معدنه بلدا قويا، لا تسوده الطائفية والميليشيات، ولا يحكمه متاجرون بتاريخه العظيم أو يتجرأ على مقامه من كبر وصغر من الجيران وخصوصا أشدهم حقدا.


العرب اونلاين


المقالات تعبر عن اراء اصحابها

ي

أضف تعليق