حكمت قوى الاستكبار التي تهيمن على العالم قبضتها على عنقه عبر قرون، وعبر مؤسسات أعطتها هي صفة الشرعية وصفة العالمية.
لكن قوانين مؤسسات الاستكبار العالمية لا تفعّل ولا تطبّق إلا على المستضعفين. وهل نسيتم أن أمريكا شرعت لجنودها الحماية من الملاحقة الدولية مهما ارتكبوا من جنايات ومن جرائم حرب؟.
و"إسرائيل" اليوم واحدة من قوى الاستكبار، بل من أعتاها، وهي تتصرف مثلها، فهي تطالب بمحاكمات دولية لخصومها، وكلمتها مسموعة ونداؤها مستجاب.
فإذا جاء أحد يتكلم عن جرائم حرب وفظائع ارتكبت في صبرا وشاتيلا أو في قانا أو في كل مدن فلسطين، وفي الحرب الأخيرة بالذات -الحرب والعدوان على غزة- إذا جاء أحد يطالب بمحاكمة قادة المجرمين، فقد القانون الدولي فجأة قدرته، وشلّت حركته وفاعليته، وضاع طرف الخيط، وفقدت الشرعية الدولية أسنانها.
ولاحظوا الحبكة الفنية، أوكامبو مجرد مدعٍّ عام، ولا معلومات عندنا عن ارتباطه بالمخابرات المركزية، ولكنه في مطلق الأحوال أداة لهم ومنفذ لإراداتهم، وإلا فما الذي يجعل لكلمته هذا النفاذ؟.
ومن مؤهلاته أنه ملاحق بقضايا تحرّش جنسي بأطفال كما ذكرت إذاعة لندن بحيث يصبح ألعوبة في يدهم إن لوى عنقه معهم، أما رأيت كيف أذلّوا كلينتون باليهودية مونيكا؟.
قلت: لاحظوا الحبكة الفنية ودقة الإخراج، يبتدئ مجلس الأمن بإصدار قرار بجواز ملاحقة البشير في قضية دارفور، يهيئ القرار الأرضية القانونية لأوكامبو الذي هو مجرد مدع عام، وقرار مجلس الأمن يصدر فوراً من نوع البند السابع الذي يخوّل الأمم المتحدة ومجلس الأمن شن حرب إذا عوّقت قرارات الأمم المتحدة أو تلكأ أحد في تنفيذ أوامرها.
وفي حالة غزة لا يتقدم العرب أولا بطلب، وإذا تقدموا فسيقف مجلس الأمن حائلاً دون تنفيذ الطلب. وهب جدلاً أنه صدر قرار فستحبطه أمريكا بالفيتو.. لعبة محكمة، وشيطان يتحكم في مصائر الشعوب والدول الجاثية على الركب.
إن قوى الاستكبار يسعى بذمتهم أدناهم وأحقرهم، هذا إن كان لهم ذمة. والمستضعفون يخذل بعضهم بعضاً، ولا يؤازرون بعضهم في المحن والشدائد وكأنهم ما سمعوا هتاف النبي عليه الصلاة والسلام بهم: (المسلم أخو المسلم لا يخذله ولا يسلمه).
أرأيت إلى مجموعة ضخمة من الثيران القوية، يهاجمها أسدان عن اليمين وعن الشمال، فتفر مذعورة إلى أن ينفرد الأسدان بثور منهما، فيمزقانه. ولو صمدت وناطحت بقرونها لجعلت الأسدين مزقاً، لكنه الذعر وقلة التنسيق في حق الثيران والتنسيق في الهجوم في حق الأسدين.
وهذه أمريكا و"إسرائيل" كوحشين يفتكان بالقطيع، ويعملان فيه شر تمزيق وتقطيع. ولو وقفت عند هذا الحد لهان الخطب، لكن بعض القطيع يعاون الوحوش المهاجمة!.
نعود إلى البشير، لقد طالبت الدول العربية ممثلة في ممثلها الشرعي الوحيد.... الجامعة، طالبت بتأجيل المطالبة والمحاكمة سنة. مطالب العاجزين عاجزة!. لم لا نرفضها بالمطلق؟. لم لا نطالب بمحاكمة بوش وأولمرت وباراك وليفني أولاً؟.
إن القيادات إما أن تنحط بشعوبها أو أن تنهض بها، وكما تخلّص الغرب من صدام لبقية فيه، جاء الدور على رجل آخر فيه بقية، إلى أن لا يدعو فينا بقية، فهل تعتبر البقية؟.
جريدة السبيل الاردنية
المقالات تعبر عن اراء اصحابها
ي
البشير وقوى الاستكبار.. د. أحمد نوفل
