كثرت تحذيرات المسؤولين العراقيين مؤخراً من “ الانسحاب المبكر” وفي رواية أخرى “ الانسحاب المتسرع” ، والحقيقة أن هذه العبارات الأمريكية المنشأ لاقت رواجاً كبيراً في مؤتمرات المسؤولين العراقيين الصحفية ، منذ أشهر عدة ،
حتى إنه لا يعقد أي مؤتمر صحفي لمسؤول عراقي مع آخر عربي أو أجنبي إلا ويُطعم بتصريحات مبطنة حول رفض الانسحاب و” عدم جاهزية القوات العراقية ”.
هذا الأمر تجدد مع زيارة الأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى حيث أعلن عقب لقاءاته مع المسؤولين العراقيين بالنص “ الانسحاب أمر طبيعي والمواعيد المتوقعة هي عندما يكون العراق جاهزاً لتسلم المسؤوليات كاملة ”، إذنً ، الأمر غير محدد ومرتبط بمدى جاهزية القوات العراقية لملء الفراغ، وكأن “الاتفاقية الأمنية ” لا وجود لها ولم تحدد سقفاً زمنياً للانسحاب ، وهو ما لم يعلق عليه المسؤولون العراقيون ، وذلك لأنه ببساطة ينسجم بشكل كامل مع التصريحات العراقية الرسمية وتصريحات وزير الدفاع الأمريكي روبرت غيتس وبقية القادة العسكريين الأمريكيين.
نفهم من هذا أن الحديث عن الانسحاب مجرد وهم ، أو في أفضل الأحوال الانسحاب ليس قريباً في ظل استمرار التدهور الأمني المتواصل باعتراف قادة العراق وفشلهم في السيطرة على الأوضاع في البلد المحتل ، بالرغم من دعم الاحتلال ، الذي فشل هو الآخر في السيطرة فأطلق تصريحات عن الانسحاب بطريقة لا تقل خبثاً عن طريقة الغزو، باعتبار أن الغزو كان مجرد “خطأ” ارتكبته إدارة جورج بوش، وعليه يتم تصحيح هذا “ الخطأ ” من خلال البدء بـ( انسحاب متدرج ).
والغريب أن هذا الأمر يأتي بعد أن لعب أوباما على الانسحاب من العراق لكسب أصوات الأمريكيين للفوز في الانتخابات الرئاسية ، وقد كان ، فيما هللت الحكومة العراقية فور التوصل لما يسمى “الاتفاقية الأمنية” .. معتبرة أنها بداية عهد جديد في العراق، وأنها أخرجت البلد المحتل من البند السابع ، إلا أنه سرعان ما تم اكتشاف عدم صدق الطرفين الرسميين الأمريكي والعراقي ، حيث لا يزال الغموض يلف هذه الاتفاقية التي يختلف طرفا التوقيع حتى الآن على تسميتها ، فبينما تسميها الحكومة العراقية “الاتفاقية الأمنية للانسحاب ” يطلق عليها الاحتلال “ اتفاقية الإطار الاستراتيجي للتعاون ” وشتان بين التسميتين ، كما أن العراق لم يخرج من تحت نير البند السابع.
الآن ، وبعد تراجع الحديث عن الانسحاب ، أصبحت مصطلحات “ عدم جاهزية القوات العراقية ” وارتباط الانسحاب بـ( الوضع على الأرض ) وإمكانية بقاء أطول للاحتلال “ إذا طلبت الحكومة العراقية ذلك ” هي مصطلحات المرحلة الحالية والمقبلة ، ما يؤكد أن العراقيين ستتواصل معاناتهم من الاحتلال لسنوات أخرى مقبلة ، يسوء فيها الوضع الأمني بشكل متصاعد ليصل إلى ما كان عليه بعد الغزو مباشرة ، وهو ما يشكل مناخاً مناسباً لبقاء الاحتلال لفترات طويلة مقبلة.
أما ما يشاع عن سحب قوات وآليات فهو لدعم الحرب في منطقة أخرى ، وهي أفغانستان للحاجة فيها إلى مزيد من القوات ، وليس في إطار الانسحاب ، أما ما قيل عن بقاء قوات بعد الانسحاب لتدريب القوات العراقية فهو خدعة أخرى يهدف الاحتلال من ورائها إلى الإبقاء على قواعد ثابتة تكون منطلقاً لتوجيه القرار السياسي في البلد المحتل ، والحفاظ على “ النظام السياسي في العراق” القابع في المنطقة الخضراء كما تنص “ الاتفاقية الأمنية ” ، إلى جانب نقطة انطلاق جديدة في المنطقة للعدوان على دول أخرى ، أي أنه لا انسحاب سواء الآن أو غداً ، بل سيكون بقاءً مقنعاً ، كما هو حال اليابان وكوريا الجنوبية وغيرهما.
المقالة تعبر عن رأي كاتبها
ح
انسحاب أم بقاء مقنع / سمير سعيد
