هيئة علماء المسلمين في العراق

الممكنات الأميركية والعواقب العراقية / محمد عارف
الممكنات الأميركية والعواقب العراقية / محمد عارف الممكنات الأميركية والعواقب العراقية / محمد عارف

الممكنات الأميركية والعواقب العراقية / محمد عارف

يقول مثل إنجليزي ساخر : \" النقود تتكلم ، وتقول وهي تغادر جيبك : باي باي \". وقد سمع العالم تحية الوداع \" باي باي \" التي أطلقتها نفقات الحرب على العراق ، فهناك 864 مليار دولار أنفقها الرئيس الأميركي السابق على الحرب ، و787 مليار دولار أطلقها الرئيس الأميركي الحالي لمعالجة آثار تلك الحرب على اقتصاد بلاده.
والعلاقة بين المبلغين عضوية ، متبادلة ومفتوحة . فالمبلغ المخصص لإنعاش الاقتصاد الأميركي كان ينبغي أن يزيد على التريليون دولار ، حسب تقدير ( بول كروجمان ) ، الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد العام الماضي ، والخطة الاستراتيجية التي أعلنها الرئيس أوباما لإنهاء الحرب ليست في أحسن الأحوال سوى بداية النهاية لحرب قد تكلف ثلاثة تريليونات دولار ، حسب توقعات (جوزيف ستيغليتز)، الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد لعام 2001.
ولا تقوم خطة أوباما الاستراتيجية في العراق على أساس ما سيفعله ، بل ما لن يفعله ، وهو حسب تعبيره " لن ندع السعي لبلوغ درجة الكمال يقف في طريق الأهداف الممكنة ". وقد كانت " الأهداف الممكنة " عنوان جميع كوارث العراق ، منذ تحقيق الهدف الممكن لغزوه واحتلاله . و" الأهداف الممكنة" هي العقيدة الاستراتيجية التقليدية لواشنطن ، وسر نجاحاتها العظمى الفاشلة . وهل هناك فشل عظيم كالنجاح في غزو بلد استنزفته حربان متصلتان و14 عاماً من الحصار ؟ .

( الحزب الجمهوري أوقع أميركا في الورطة ، وعازم على عرقلة خروجها منها . وصراع الحزبين حربٌ أهليةٌ حقيقيةٌ تُسفك دماؤها في العراق وغيره) .

الولايات المتحدة لا تملك استراتيجيات بل فرصا . والفرص تفوتها استراتيجيات لغزو العراق والمنطقة بتريليون دولار من مشاريع العلوم والتكنولوجيا والثقافة والفن و" البيزنس "، ويُفترض أن هذه جميعاً منتجات أميركية لا تُنافس . لكن استراتيجية كهذه تقف في طريق " الأهداف الممكنة " التي تسعى إليها إدارات واشنطن المتعاقبة ، كما يقف النظر في طريق بطل مسرحية شكسبير المشهور " الملك لير " الذي يولول صارخا ً: " لا طريق أمامي ، لذلك لا أريد عينين ، فأنا أتعثر عندما أرى " !
وعثرات واشنطن تبدأ في واشنطن نفسها ، وفيما يلي بعض أرقامها : عدد أعضاء مجلسي الشيوخ والكونغرس الذين صوّتوا إلى جانب قرار بوش بشن الحرب المشؤومة على العراق بلغ 263 جمهورياً، و110 ديمقراطيين ، وعدد مؤيدي خطة أوباما لتحريك الاقتصاد بلغ 302 ديمقراطي ، ولم يصوت لها جمهوري واح د! تعني هذه الأرقام أن " كلا الحزبين أوقعا أميركا في هذه الورطة ، ولا يحاول الآن سوى حزب واحد إخراجها من الورطة ". يقول ذلك ( آل نيوهارت ) ، مؤسس صحيفة " يو. إس. أي. توداي". وواقع الحال أشد سوءاً.
فالحزب الذي أوقع أميركا في الورطة عازم عزماً فتاكاً على عرقلة خروجها منها.  والصراع الدائر بين الحزبين حرب أهلية حقيقية لا تُسفك دماؤها في واشنطن ، بل في العراق وأفغانستان وباكستان وفلسطين . وفي الأسبوع الماضي أطاحت حرب الحزبين بتشارلس فريدمان ، مرشح أوباما لرئاسة " مجلس المخابرات القومي ". ويلعب هذا المجلس دور " غرفة المقاصة " الاستخباراتية ، حيث يجري تجميع وفحص أعمال 16 وكالة مخابرات أميركية ، وعرضها على " البيت الأبيض " الذي يؤمل أن يكون فريدمان أحد الأعمدة الرئيسية لتنفيذ خطط أوباما في السياسة الخارجية.
وكما في دسائس ومؤامرات القرن التاسع عشر ، اختفى فريدمان فجأة مخلفاً وراءه قصصاً وشائعات وأقاويل . الكاتب والأكاديمي ( ديفيد برودر ) اعتبر إطاحة فريدمان " خاتمة شائنة لواحد من أبرز أساطين السياسة الخارجية الأميركية ". والمعروف أن فريدمان استهل مهنته الدبلوماسية بالعمل مترجماً للرئيس الأسبق نيكسون في زيارته المشهورة إلى الصين ، وأنه يتقن الصينية ولغات عدة أخرى بينها العربية ، وكان يتحدثها بطلاقة خلال عمله كسفير لواشنطن في الرياض في تسعينيات القرن الماضي.
ويذكر برودر أن فريدمان لم يكن يتوقع أن يستهدفه " مجلس العلاقات العامة الأميركية الإسرائيلية " رغم معرفته بأن هذا المجلس يسعى لفرض إرادته في اختيار المسؤولين في إدارة أوباما . ولأسباب تكتيكية ربما أعلن فريدمان أنه ارتكب خطأً تكتيكياً باستهداف هذا المجلس الذي يعتبر أكبر لوبي صهيوني في العالم . وهل يعالج التكتيك تجاوز فريدمان الخطوط الحمراء عندما اتهم " إسرائيل بالعمل على خنق الديمقراطية الفلسطينية وهي في المهد "؟ وما موقف أقطاب الاستخبارات الأميركية من فريدمان الذي أعلن أن " جهاز المخابرات الأميركي لو كان يملك القدرة على التفكير عبر رؤية الأشخاص على الجانب الآخر لما توهم أن العراقيين سيعتبروننا محررين " ؟
إطاحة فريدمان حلقة في سلسلة معارك تستهدف مرشحي أوباما للمناصب المهمة ، وآخرهم كريستوفر هيل ، المرشح لمنصب سفير واشنطن في بغداد . وهذه معارك مسلية لمن لا يؤمن بجدواها . فمعروف تاريخياً إن إنهاء حرب فاشلة أصعب من إنهاء حرب ناجحة . وحرب العراق فشل بكل المقاييس المحلية والإقليمية والدولية ، ولا يمكن إنهاؤها إلاّ على هذه المستويات الثلاثة . والسيناريوهات المطروحة تبدو إعادة تدوير الهروب الأميركي المشهور من سايغون ، إنما بشكل مخطط ، وليس فوضوي.
واستراتيجية أوباما التي تقوم على تحقيق " الأهداف الممكنة " لاتفاقية الرئيس السابق مع العراق تخلق عدم توازنات دستورية ، حسب صحيفة " واشنطن بوست ". ففي العامين الماضيين طرحت هيلاري وبايدن في مجلس الشيوخ لائحتين تُحرِّمان تمويل تنفيذ أي اتفاق مع العراق يتضمن مخاطر للولايات المتحدة ما لم يوافق الكونغرس على الاتفاق.  وأغلقت اللائحتان الأبواب أمام محاولة الرئيس السابق تمرير اتفاقيته الأمنية مع العراق إلاّ على شكل اتفاقات تنفيذية معقودة مع دول عدة من دون مصادقة المجلس التشريعي . لكن الاتفاقية مع العراق تحتاج بسبب حجمها والتزاماتها إلى الحصول على موافقة ثلثي أعضاء مجلس الشيوخ.
وتفرض " الأهداف الممكنة " تغيير مواقف أوباما ، ونائبه ، ووزيرة خارجيته . وقد يحتاجون في ذلك موافقة الكونغرس على اتفاقية جديدة لتمويل قوات أميركية في العراق قد يبلغ تعدادها 50 ألفا ولفترة غير محددة تماماً . وتجعل هذه المواقف المسلية واشنطن مثل " متحف هافانا " الذي يعرض ، حسب ادعاء الكاتب الهزلي مارك توين ، جمجمتين لكريستوفر كولومبس ؛ واحدة لكولومبس صبياً ، والثانية لكولومبس شيخاً عجوزاً ! 
وخصّت واشنطن بغداد بتضافر عواقب " الأهداف الممكنة " لحل القوات المسلحة مع عقبات الوضع الأمني الحالي الهش ، والذي تحرسه قوات شرطة وأمن قوامها ميليشيات يتأرجح أفرادها ما بين الطبع والتطبع . وعززت ذلك بتضافر عواقب إنهاء الاحتلال ، وعقبات استمرار البند السابع الذي يرتهن أموال وسيادة العراق بالدول الأعضاء في مجلس الأمن . وربطتها بعواقب وعقبات دستور عراقي مرتهن بأكثر من خمسين قانوناً يتحدّى إصدارها المجلس التشريعي العاجز عن الاتفاق على رئيس.
وكان الله في عون العراقيين الذين تضافرت عليهم عواقب وعقبات " العملية السياسية " التي سجلت أرقاماً قياسية في عمليات غير سياسية ، تقدر بملايين القتلى والجرحى والمقعدين والعاطلين عن العمل واليتامى والأرامل واللاجئين والمشردين والنازحين . وكم تبدو شيطانية الصورة التي رسمها الكاتب الأميركي الأفريقي (  جاري يونج ) للادّعاء بأن الانتخابات العراقية دليل على نجاح الغزو ، وهي تشبه في تقديره ( محاولة وضع طلاء أحمر الشفاه على خنزير بعد ذبحه وسلخه وتقطيعه إلى شرائح ) !!
المقالة تعبر عن رأي كاتبها
ح

أضف تعليق