عندما يقول الرئيس الأميركي باراك أوباما « إننا لا نكسب الحرب » مشيراً إلى الحرب الأميركية في أفغانستان فانه يتعمد استخدام عبارة لفظية مخففة لكي يتحاشى الإقرار أمام الرأي العام الأميركي بأن القوات الأميركية « ومعها قوات مساعدة من دول الحلف الأطلسي » باتت في حالة هزيمة.
الرئيس يتفادى البوح بالحقيقة علنا لأن الإقرار بالهزيمة سيفرض عليه اتخاذ قرار فوري وحاسم بوضع نهاية للحرب وسحب القوات الأميركية من الأراضي الأفغانية ، لكن مع ذلك سيبقى سؤال في أذهان الشعب الأميركي : لماذا تواصل الولايات المتحدة حرباً وهي في حالة تراجع وهزيمة ؟
أركان الإدارة الأميركية نفسها من كبار العسكريين وكبار السياسيين يعترفون علنا بأن قوات طالبان الأفغانية تفرض سيطرة كاملة على أكثر من 70 في المائة من الأراضي الأفغانية ، ويبدو أن هذا الرقم أكبر من ذلك لأن القادة الميدانيين الأميركيين يقولون إن السيطرة العسكرية الأميركية في البلاد لا تتعدى محيط العاصمة كابول وما حولها..
مما يفيد بأن وصول قوات طالبان إلى العاصمة أصبح فقط مسألة وقت ، وقبل أيام قلائل أعلن الرئيس أوباما أن إدارته أصبحت على استعداد للدخول في تفاوض سلمي مع ما أطلق عليه « العناصر المعتدلة في حركة طالبان ». ولا شك أن هذا الإعلان يدخل في باب « العلاقات العامة » لخلق انطباع زائف لدى الرأي العام الأميركي بأن نهاية الحرب باتت وشيكة.
يبدو أن الرئيس أوباما يستعرض التاريخ الأميركي ، ففي أواخر ستينات القرن الماضي اندلعت انتفاضة شعبية عارمة في كافة المدن الرئيسية الأميركية تطالب بوضع حد نهائي للحرب الأميركية في فيتنام بعد أن تبين أن القوات الأميركية تنتقل من هزيمة إلى هزيمة أشد ، ومن أجل احتواء الانتفاضة وتنفيسها أعلنت الرئاسة الأميركية انها قررت الدخول في مفاوضات مع الجانب الفيتنامي لإنهاء الحرب ، بدأت العملية التفاوضية فعلاً.
وخلال المسار التفاوضي وافقت الولايات المتحدة على الشروط الفيتنامية وفي مقدمتها سحب القوات الأميركية ، ومع ذلك لم تأمر الإدارة الأميركية بسحب قواتها .. ولذا تواصلت الحرب لمدة أربع سنوات أخرى قامت بعدها الولايات المتحدة بالتوقيع على اتفاق سلام بنفس الشروط الفيتنامية السابقة وانسحبت أميركا نهائياً من الأراضي الفيتنامية..
بعد أن بلغ عدد القتلى الأميركيين 57 ألفاً ، لاحقاً ظهرت الحقيقة التي كانت خافية ، كان جنرالات وزارة الدفاع الأميركية يصرون على تمديد الحرب حتى في ظروف الهزيمة الواضحة من أجل تمكين شركات صناعة الأسلحة الأميركية من إبرام المزيد تلو المزيد من عقود إمدادات الأسلحة مع وزارة الدفاع لتضخيم الأرباح بمليارات الدولارات . الآن يعيد التاريخ نفسه في أفغانستان على أيدي إدارة باراك أوباما تحت ضغط تجار الحروب .
المقالة تعبر عن رأي كاتبها
ح
باراك وتجارة الحروب / بقلم :احمد عمرابي
