هيئة علماء المسلمين في العراق

في ذكرى العدوان -- عراق بلا خبز أمي! – حسين المعاضيدي
في ذكرى العدوان -- عراق بلا خبز أمي! – حسين المعاضيدي في ذكرى العدوان -- عراق بلا خبز أمي! – حسين المعاضيدي

في ذكرى العدوان -- عراق بلا خبز أمي! – حسين المعاضيدي

سبعة أعوام، هي ليست سبع ساعات، ولا هي سبعة أيام ولا سبعة شهور، بل أربعة وثمانون شهراً من الظلم، وألفان وخمسمائة وعشرون يوماً من الجور، وسبعون ألفاً وأربعمائة وثمانون ساعة من الاضطهاد, وأربعة ملايين ومائتان وثمان وعشرون ألفاً وثمانمائة دقيقة من القسوة, ومائتان وثلاث وخمسون مليوناً وسبعمائة وثمان وعشرون ألفاًَ ويزيد من الثواني!! نعم هكذا هي في حسابات العراقيين, يحسبونها بالساعات, وبالدقائق، بل وبالثواني, لا كما يحسبها غيرنا, بالسنين وبالأشهر، فالوقت يمر ثقيلاً جداً في زمن الاحتلال، والثانية الواحدة بمائة عام، أو هكذا يراها العراقيون.

كنا نسمع ونقرأ في الكتب عن أهوال يوم القيامة حينما يصبح اليوم الواحد بخمسين ألف عام من أيامنا هذه، كما يقول رب العزة (في يوم كان مقداره خمسون ألف سنة)، نعم لقد كانت أيام العراقيين كذلك في السنوات السبع الماضية، نعد الأيام ونحصي الساعات والدقائق بأقلام حبرُها دماء العراقيين, وصحائفها أكفان الموت البيضاء.

سبع سنوات من القهر والقحط والظلم والجور شهدناها جميعنا، صغاراً وكباراً، نساءاً ورجالاً، الأرض والسماء، الإنسان والحيوان بل وحتى النبات، فالكل عانى والكل دفع ضريبة الاحتلال!

لم يمر يوم على احدنا ما لم يكن ينتظر فيه وصول خبر فقدان احد الأعزاء، ولم تمض ليلة لم يفكر أحد منا بأن القيود ستوضع في يديه قبل صياح ديك الصباح، ولم تمر لحظة، إلا وكانت العين ترقب يوم التحرير والخلاص.

سبع سنوات مرت، وكأننا نعيشها منذ فجر التاريخ، فما جرى في تلك السنوات يشيب لأحداثها الولدان، وتذهل كل مرضعة عما أرضعت، حتى ظن كثير من العراقيين أنه يوم الحشر، قبل ان يتبين انه يوم حشر للعراقيين فقط، الذين امتلأت بجثثهم بقاع وادي الرافدين.

قتل، وتشريد، وتهجير، واعتقال، واغتصاب في كل أرجاء العراق، ففي كل زاوية كانت هناك حرة تسبى ودم يراق، والصمت من حولنا مطبق، والعيون ترقب من رؤوس محمولة فوق الأعناق، وسيد الظلم في كل حارة وفي كل فرع كالغراب له نعاق.

جرائم لم يسجل التاريخ مثلها من قبل، كنا نسمع عن الجزائر بلد المليون شهيد، وكنا نسمع عن الشيشان ، وكنا نسمع عن أفغانستان وعن الصومال، وعن البوسنة والهرسك، والسودان، قبل ان يأتي الدور على العراق.. هي سلسلة تدور، بل هو قطار الشؤم الذي له في كل محطة  سؤال!

لكن ما جرى في محطة العراق لم يجر في أي من تلك البلدان، بلدان ميزتها الإسلام ودأبها رفض الظلم والطغيان، لكن العراق كان له شان آخر على الدوام، فهو كبش الفداء ينوب عن الإخوان، وحارس بوابة الشرق لأمة الضاد من العجم والتتار، وهو الذي له نصيب الأسد من القتل والتقتيل، والتشريد وانتهاك المحرمات، ورغم ذلك يبقى عريق عراق!

احتلال عاث فساداً في كل دار، وأقام حفلة عزاء عند باب كل دار، لم يحول ماء دجلة إلى زرقاوية من حبر الكتب، كما فعل هولاكو، بل حول ماءه إلى الاحمرار من كثرة الدماء، وأية دماء؟!، دماء أبرياء جُل ذنبهم أنهم من نسل العراق.
في مثل هذا اليوم قبل سبع سنوات كنت في بلدي أعيش، حيث الماء، والهواء، والأشجار، والعصافير، والأقداح، ورائحة خبز تنور أمي، وفي نفس اليوم وبعد سبع سنوات كدت أنسى شكل بغداد، وذهبت رائحة خبز أمي أدراج الرياح، بل ذهبت أمي نفسها مع الرياح، ذهب أبي، وأخي، وأختي، وزوجتي، ذهب أبن عمي، وأبن خالتي، وصديقي الذي كان لي يوماً أخاً وسلاح.. ذهب جاري، وجار جاري، والطبيب، والمهندس، والعامل، والفلاح.. ذهب الخير، وذهب الود، وذهب الحب، وساد الصمت، ولغة القتل، وذهب تغريد البلابل في الصباح.. ذهبت المساجد، وحفلات الزفاف، والنقر على الدفوف، وذهبت الأفراح، وحلت المآتم، والنياح، والصراخ، والأتراح.

ذهب دجلة الخير، وتبعه الفرات العذب، وجاءنا الكارون الأسود، حاملاً مراكب الحقد، ومدافع الضد، يرافقه الأمازون، الذي أذهبت زرقته دماء مائة وعشرين مليوناً من الهنود الحمر.. استبدلوا لنا دجلتنا وفراتنا بأنهار من الدم، دماء أبنائنا، ودماء آبائنا، وإخواننا، وأمهاتنا، ونسائنا.

انتهت ستة أعوام، وهاهو العام السابع قد حل، ولا يزال الاحتلال الأميركي البغيض جاثماً على صدورنا، ولا زلنا نتنفس قيحاً، ونلعق جراحاتنا ونداويها بأيدينا، بعد أن تخلى عنا القريب والصديق، حتى بات الواحد من أبناء هذا البلد، كمرض عضال، لا قبل لأحد به، ونحن!!، نحن العراقيون، ندوس على الجرح، نكابد، نصابر، نرابط، نضمد جراحاتنا بأنفسنا، وندوس على الجراح، رغم الآلام، ولن نتوقف، ولن نستكين، ومالنا بد غير المقاومة، التي ولدت من رحم هذا البلد منذ آلاف السنين، فكانت علامته الفارقة في كل زمان ومكان، مقاومة الكفر، ومقاومة الظلم والحقد، حتى النصر، خيارنا الوحيد.. أو الشهادة !



المقالات المنشورة تعبر عن رأي كاتبيها

أضف تعليق