تعكس الصعوبات الكبيرة التي تواجه الرئيس الأمريكي أوباما فيما يخص اختياره لمساعديه، وتكرار انسحاب العديد من الذين رشحوا لمنصب في الإدارة مقربة من الرئيس، تعكس حقيقة أن الرئيس الأمريكي ليس حرا بانتقاء مساعديه الذين يجب أن يتمتعوا بمواصفات تقبلها المؤسسات التشريعية وممثلوها متعددو الأهواء والاتجاهات والولاءات.
آخر هذه الحالات تمثلت بسحب تشارلز فريمان ترشيحه لشغل منصب رئيس المجلس الوطني للاستخبارات الأمريكية إثر جدل حاد بشأن انتقاداته لـ"إسرائيل"، فقد أكد في رسالة نشرت على الموقع الإلكتروني لمجلة السياسة الخارجية أن حملة القذف والتشهير التي تعرض لها بشأن سجل خدمته لن تتوقف بعد أن يشغل المنصب.
المنصب في حد ذاته، وعلى رأس مؤسسة كتلك التي كان سيديرها، يساهم في توجيه الرئيس الأمريكي باتجاه القرارات المتعلقة بالسياسة الخارجية، إذ ان من مهمة هذا المجلس إعداد تقييم عام وتحليل لتقارير جميع أجهزة الاستخبارات والأمن الأمريكية تجاه القضايا المختلفة، هذه التقارير يعتمد عليها الرئيس وغيره من أصحاب القرار في صياغة سياسة الولايات المتحدة الخارجية والأمنية.
رئيس الاستخبارات الأمريكية دنيس بلير كان قد رشح الشهر الماضي فريمان لشغل هذا المنصب الحساس، وهو ما أثار حفيظة الأوساط الموالية للكيان الصهيوني في الحزبين الجمهوري والديمقراطي في الكونجرس بسبب انتقاداته لسياسات الكيان.
وإذا كانت الانتقادات لم تشر بشكل أساسي إلى الضغوطات الصهيونية لرفض تسلم فريمان لهذا المنصب، حيث تم التركيز على أن للرجل علاقة مع الصين والسعودية وربما إيران، إلا أنه من الواضح أن هذه الانتقادات تأتي على خلفية أن مركز أبحاث سياسات الشرق الأوسط الذي كان يترأسه فريمان، كان قد أصدر كتابا بعنوان (اللوبي الإسرائيلي والسياسة الخارجية الأمريكية) ألفه أكاديميان أمريكيان مرموقان أشارا فيه إلى أن التأييد الأمريكي غير المشروط لـ"إسرائيل" يجعلها تحرص على المصالح الأمنية لـ"إسرائيل" على حساب مصالحها الخاصة.
يقول تشارلز شومر، عضو مجلس الشيوخ عن نيويورك بكل صراحة وعلانية، إن فريمان كان اختيارا خاطئا بسبب تصريحاته ضد "إسرائيل"، أما الجمهوري بيت هويكسترا عضو لجنة الاستخبارات في مجلس النواب، فقد اعتبر أن هذه زلة أخرى في إطار سلسلة من الخطوات الخاطئة لإدارة الرئيس باراك أوباما.
تساؤلات حول خيارات أوباما
انسحاب فريمان من تسلم منصب رشح له هو تكرار لانسحاب عديد من المرشحين لاستلام مناصب في إدارة أوباما بضغوط من المؤسسات التشريعية، وإذا كان تنحي فريمان قد سبّب حرجا آخر لإدارة أوباما، وأثار تساؤلات بشأن خياراته لكبار مستشاريه، فقد سبق لهذا الحرج أن وقع أكثر من مرة، فقد اعتذر بيل ريتشاردسون حاكم ولاية نيومكسيكو عن عدم قبول ترشيح باراك أوباما له كوزير للتجارة، وتردد أن للقرار صلة بالتحقيق الوشيك في مخالفات شركة كانت له تعاملات سابقة معها، بينما تراجع السيناتور الجمهوري جاد جريك عن قبول منصب بسبب خلافات مع أوباما حول عدد من القضايا الأساسية، منها ما يتعلق بالصراع العربي الصهيوني، وانسحب أيضا توم داشيل ونانسي كليفر -اللذان كانا مرشحين لحقيبتي الصحة ومراقبة الميزانية- بسبب تساؤلات عن تسديدهما للضرائب.
والواقع ان للتعامل مع القضايا التي تخص الكيان الصهيوني خطوطا حمراء لا يستطيع أي ساكن للبيت الأبيض تجاوزها، هذه الخطوط يتمسك بها غالبية أعضاء مجلسي النواب والشيوخ الذين يدينون بشكل أو بآخر بالولاء للصهاينة سواء بانخراطهم في المنظمات الصهيونية التي تشكل ما يسمى اللوبي الصهيوني أو بارتباطات مالية يعرف الكيان الصهيوني ومنظماته كيف يوجهونها لتكون وسيلة ضغط وابتزاز على ممثلي الهيئات التشريعية الأمريكية.
إن توجيه السياسة الأمريكية المتعلقة بالكيان الصهيوني مهمة يتولاها الزعماء اليهود الأمريكيون المتحكمون في العديد من مفاصل الاقتصاد والصناعة والمؤسسات الإعلامية بالولايات المتحدة الأمريكية.
وبالمناسبة، فقبل أسبوعين قام عدد من هؤلاء بزيارة للكيان الصهيوني حيث التقوا مع القيادات "الإسرائيلية" مؤكدين لهم أن إدارة الرئيس باراك أوباما ما زالت على إصرارها على ضرورة إحداث تقدم في "عملية السلام"، وهذا يتطلب من "إسرائيل" الإعداد بذكاء للمرحلة المقبلة حتى لا تنشغل قنوات الاتصال بين الولايات المتحدة و"إسرائيل" في الموضوع الفلسطيني فقط، مع ضرورة العمل على ضمان علاقات قوية مع إدارة أوباما ومتابعة المسألة الإيرانية والمحافظة على حجم المساعدات المالية الأمريكية والدعم العسكري، ومع الحرص على عدم تأثر المساعدات بالتقليصات التي يرغب أوباما في اتخاذها في مجالات عديدة في إطار خطة الإصلاح الاقتصادي، بحسب المنار المقدسية.
اللوبي الصهيوني ليس وحيدا لممارسة الضغوطات
وإذا كانت أصابع اللوبي الصهيوني تلعب على أوتار السياسة الأمريكية من خلال توسيع الولاءات، فإن هنالك من هو خارج هذه اللوبيات، يتبنى البرامج نفسها، منطلقا من أن أمن الكيان الصهيوني يرتبط بشكل مباشر مع أمن الولايات المتحدة الأمريكية.
وفي المثال، يمكننا ملاحظة مذكرة قدمت للرئيس أوباما، أعدتها وزيرة الخارجية السابقة مادلين أولبرايت، ترسم فيها ملامح السياسة التي يجب أن يتبعها الرئيس الأمريكي الجديد في تعامله مع الكيان الصهيوني، فقد تركز على أنه من الضروري أن تعمد إدارة أوباما إلى الاهتمام بـ"عملية السلام" في الشرق الأوسط أكثر من اهتمامها بقضايا أخرى، مع مراعاة ضمان أمن "إسرائيل" واستقرارها.
أما بشأن الآلية التي تقترحها الوزيرة السابقة، فهي ترى أنه من الضروري الوصول إلى تسوية حول قضية فلسطين، وتجنيب الصهاينة خطر عودة اللاجئين الذي يهدد وجود كيانهم، من خلال التعامل مع مرجعيتين متماثلتين فيما يتعلق بقضية اللاجئين يمكن الإفادة منهما، أولاهما قرار مجلس الأمن 242 الذي ينص على "تسوية عادلة لمشكلة اللاجئين"، وليس على حقهم في العودة؟!!، وثانيتهما مبادرة السلام السعودية المطروحة عام 2002 التي أغفلت حق العودة بصورة نهائية والتي عندما جرى تعديلها وتبنيها في القمم العربية لم تخرج عن إطار الصيغة العائمة التي وردت في قرار مجلس الأمن المذكور.
ونظراً الى الواقع الفلسطيني القائم، ترى أولبرايت أن يكون التفاوض والاتفاق بشأن تسوية القضية الفلسطينية مع الدول العربية "التي تهيمن فيها النظم المعتدلة"؛ لأن من شأن ذلك استبعاد دور ما تسميهم "المتطرفين الفلسطينيين"، وبحل القضية الفلسطينية على هذا النحو -كما تقول أولبرايت- وعقد اتفاق سلامٍ مع سوريا، تنتقل المنطقة إلى وضع جديد، تترسخ معه "مواقع المعتدلين"، فلا تعود هناك فسحةٌ لمن ينادون بإزالة "إسرائيل"، ولمن يحلمون بإعادة مأثرة صلاح الدين الأيوبي الذي أنهى وجود الصليبيين في البلاد المقدسة، إذ يفرض حينذاك على الفلسطينيين وعلى الدول العربية تغيير مناهج الدراسة للأجيال القادمة التي تعبئهم بأن غبناً تاريخياً قد لحق بالفلسطينيين وبالعرب مع قيام الدولة الصهيونية.
التوافق في الطرح وآليات العمل
والملاحظ أن حركة الدبلوماسية الأمريكية والصهيونية، وكذلك حركة نظم ما يسمى الاعتدال العربية، متوافقة مع هذا الطرح، ولعل ما حدث في الفترة الانتقالية الرئاسية الأمريكية يشكل دليلا على الأخذ بهذا الاتجاه، والدليل قرار مجلس الأمن الذي أصدرته إدارة بوش في اجتماع للمجلس شاركت فيه أولبرايت، وتم فيه إلزام المجتمع الدولي والإدارة الأمريكية القادمة بصيغة أنابوليس وخارطة الطريق، ثم المذكرة الموجهة باسم الجامعة العربية للرئيس الأمريكي الجديد، والموقعة من رئيس دورة الجامعة وزير خارجية السعودية ومن أمين عام الجامعة، والمتعلقة بتسوية الصراع في المنطقة على أساس المبادرة السعودية، وكذلك إعلان رئيس الكيان الصهيوني قبوله للتسوية عبر مفاوضات تنطلق من المبادرة المذكورة، تلا ذلك العدوان على قطاع غزة وأهدافه التي أهمها محاولة دعم ما يسمى بتيار السلام!! الفلسطيني ليكون شريكاً في هذه العملية إلى جانب العرب.
مذكرة أولبرايت وملامح الأخذ بها تؤكد أن سياسة الرئيس الأمريكي الجديد لن تخرج عن سياق السياسة التي قادها سلفه فيما يخص الصراع العربي- الصهيوني، إذ مع تركيز أولبرايت على مسألة شطب حق العودة للاجئين الفلسطينيين، فإن نظرتها بشأن القدس، وبشأن الأراضي التي ستعاد إلى الفلسطينيين من الضفة، لا تخرج عن الرؤية الصهيونية التي أقرتها ضمانات بوش حول بقاء المستوطنات واعتبار القدس عاصمة لـ"الدولة اليهودية"، وذلك من خلال إشارتها إلى وجود فهمين متنازع عليهما فيما يتعلق بما نص عليه قرار مجلس الأمن 242، حول الانسحاب من الأراضي أو من أراضٍ احتلت عام 1967 من جانب الكيان الصهيوني.
السياسة الأمريكية والكيان الصهيوني تاريخيا!
والواقع ان دعم الكيان الصهيوني والدفاع عن سياساته دون شروط وتأييد الحركة الصهيونية اليهودية، هو المحور الأساسي في فكر وسلوك كم هائل من المؤسسات والقيادات وجماعات الضغط المسيحية الأصولية في الولايات المتحدة، حيث تتمحور أبرز الاتجاهات حول التبشير الإنجيلي بـ"إسرائيل" ودعمها نظرياً وعملياً، وتتبلور أهم الاتجاهات الصهيونية لدى الحركة المسيحية الأصولية المعاصرة في الولايات المتحدة في الخطوط العريضة التالية:
ان دعم "إسرائيل" وتأييدها ليس قضية أخلاقية أو إنسانية أو أمراً اختيارياً، أو يعود إلى اعتبارات سياسية أو عسكرية، بل إنه قضاء إلهي، وان وجود مدينة القدس تحت السيطرة اليهودية هو محور عودة المسيح الثانية جغرافياً وتاريخياً، كذلك فإن الالتزام بتدعيم أمن "إسرائيل" وتقويتها عسكرياً واقتصادياً، وإقامة تحالف استراتيجي شامل معها، ومساعدتها بالتبرعات وشراء وتسويق منتجاتها وسنداتها، وإنشاء صناديق الاستثمار الدولية لمصلحتها، وتشجيع الاستثمار الأمريكي الخاص داخلها، واستصلاح الأراضي، وبناء المستوطنات فيها وفي الضفة الغربية وغزة والجولان، وتوفير فرص التدريب "للإسرائيليين" داخل مؤسسات ثقافية أمريكية.. هو التزام مسيحي مبني على اعتبارات روحانية وتاريخية وأمنية باعتبار أن كل أراضي الضفة الغربية وغزة والجولان ملك للشعب اليهودي؟!!.
ولعل هذه الخلفية الدينية تمثل محور وجوهر السياسة الأمريكية التي وقفت دوماً إلى جانب الكيان الصهيوني، وتفسر ما عجزت عن تفسيره القيادات العربية التي راهنت على التوجهات الأمريكية حيث سلمت كل أوراقها للولايات المتحدة.. أي للصهاينة؟!!.
للتذكير، فإنه أثناء الحملة الانتخابية الرئاسية شن اللوبي الصهيوني حملة أشار فيها إلى أن أوباما ارتبط قبل دخوله مجلس الشيوخ الأمريكي بأساتذة فلسطينيين أمريكيين معروفين بمواقفهم المدافعة عن حقوق الشعب الفلسطيني وعلى رأسهم البروفيسور الأمريكي الراحل إدوارد سعيد، مذكرا بأن أوباما ذكر في أحد تصريحاته أن لا أحد يعاني أكثر من الفلسطينيين.
لكنه مع تقدم الانتخابات الرئاسية وتزايد الانتقادات "الإسرائيلية" والجمهورية واليمينية لأوباما ولمواقفه الدبلوماسية، تحول أوباما تدريجيا نحو اليمين، وبدأت تصريحاته تتلون بصبغة أخرى حتى ألقى في أوائل يونيو/ حزيران 2006 خطابا أمام مؤتمر لجنة الشؤون العامة الأمريكية "الإسرائيلية" المعروفة اختصارا باسم "إيباك"، وهي أكبر منظمات لوبي صهيوني وأكثرها نفوذا، أظهر فيه التزامه المطلق بأمن "إسرائيل"، وتجنب الحديث عن أي ضغط قد يمارسه عليها، كما أعلن دعمه للقدس "غير المقسمة" كعاصمة لـ"إسرائيل".
المقالات تعبر عن اراء اصحابها
اللوبي الصهيوني ومحاصرة أوباما في اختيار مستشاريه!.. زكريا شاهين
