ماذا بعد بوش ؟ سؤال تردد على ألسنة الكثيرين في العالم . فما جرى في العراق وفلسطين ولبنان وافغانستان.. في عهد إدارة بوش لم يكن سوى اختبار ميداني لحدود النزعة الامبراطورية لدى مركز الرأسمالية الأول ...
إلا أن الأبعاد التي أظهرتها أحداث السنوات الماضية تتعدى السياسة لتدخل في صلب النظريات الفلسفية والفكرية التي قامت عليها ثقافة المحافظين الجدد . لذا لا بأس من العودة قليلا إلى الوراء من أجل نبش جذور تلك الثقافة. فابتداء من منتصف القرن التاسع عشر ظهرت تحولات على المشهد العالمي كانت أبرزها ولادة النظرية الماركسية كفلسفة مادية تدعو الى تغيير العالم بدلاً من الاكتفاء بتفسيره ، وهو الأمر الذي ميّزها عن سائر النظريات الفلسفية ، فضلاً عن تميزها في حقل الاقتصاد عبر مؤلفات كارل ماركس التي اتسمت بالطابع العلمي . بيد ان التاريخ ما كان ليعطي لاكتشافات ماركس تلك الأهمية لو لم تندلع الثورة الاشتراكية عام 1917 في روسيا وتنتصر ، تلك الثورة استندت إلى أطروحات ماركس وانغلز الفكرية التي جرى تطويرها وتطعيمها فيما بعد بالآراء اللينينية حول مفاهيم الدولة والثورة وديكتاتورية البروليتاريا . إذن ما كانت النظرية الماركسية لتحظى بهذه المكانة لولا ثورة لينين التي أطاحت بالقيصر . يكمن السبب في أن التاريخ تكتبه دائما السلطات الحاكمة والثورات وليس المحكومون او العبيد.
لكن الأمر الذي لم ينل الاهتمام الكافي من قبل المؤرخين والمفكرين هو ان الماركسية ـ اللينينية وثورتها الاشتراكية هما إبنتا عصر التنوير الأوروبي ، فبعد أن عبّد فلاسفة الأنوار الطريق أمام الثورة الفرنسية في ظل شعارات « الأخوة والعدالة والمساواة » انتشرت هذه المفاهيم في أوروبا وتخطت حدودها لتغزو العالم بأسره وتفتح حقبة جديدة في مسار الفكر الإنساني والحضارة البشرية . فبين عامي 1789 (الثورة الفرنسية) و1848 (البيان الشيوعي) امتدت فترة زمنية قصيرة في عمر التاريخ . في تلك الأيام كانت أوروبا مسرحاً لحركة فلسفية ناشطة انشغلت ليس فقط في طرح الأسئلة الصعبة عن الإنسان والوجود وإنما أيضاً في إعطاء أجوبة عليها كان لها أعظم الأثر على مجرى التاريخ . لذا تميزت تلك الفترة بصراع الأفكار والنظريات التي سرعان ما تمّ تجاوزها بالمعنى الإيجابي او السلبي للكلمة من قبل مناهج النقد الحديثة ، خصوصاً البنيوية والتفكيكية . لكن هذه الحركة الكبرى كانت قد آلت إلى مسارين رئيسيين تم تفعيلهما عبر أحداث عالمية ذات طابع تاريخي.
المسار الأول : وهو كما أسلفنا ، امتداد طبيعي لعصر الأنوار الأوروبي ، تمثل في النظام الاشتراكي الذي حافظ على روح الثورة الفرنسية متجاوزاً إياها في شقها الايديولوجي بعد تجربة كومونة باريس الفاشلة.
أما المسار الثاني : فهو الذي مهّدت له نظريات بعض الفلاسفة أبرزهم ( نيتشه ) فقد تمثل بالنظام النازي الذي جاء كرد فعل على هزيمة ألمانيا في الحرب العالمية الأولى ، وسقوط نظرية « فلسفة القوة » على يد بؤساء ومعذبي روسيا القيصرية . فكان لا بد من إفهام العالم أن الكلمة العليا هي للأقوياء أصحاب الامتيازات في العرق والفكر والبيولوجيا والتكنولوجيا. وهي السمات التي بدت عليها ألمانيا مع صعود هتلر الى السلطة ، ما يؤكد أن المسافة الأكثر اتساعاً في القرن العشرين كانت ما بين الفكرين الاشتراكي والنازي وليس بين أي منهما وبين الايديولوجيا الرأسمالية التي أنتجت الاثنين من رحمها : الأول في أقصى اليسار والثاني في أقصى اليمين . إنه الفرق ما بين نظام عنصري ديكتاتوري رأسمالي لم يتسع سوى لعرق واحد ونظام أممي ديكتاتوري معاد للرأسمالية اتسع لكل الأعراق والأجناس والقوميات . في حين أنتجت الرأسمالية ديموقراطيتها البورجوازية كبديل عن الديكتاتوريات اليمينية واليسارية . وقد ظلت المسألة على هذا النحو ولم تزل كما ستبين الأحداث اللاحقة.
إن وصول المحافظين الجدد إلى قمة السلطة في أميركا ، على الرغم من الويلات التي أنتجتها فترة حكمهم ، أدى إلى افتضاح امتدادات الفكر النيوليبرالي المحافظ وانكشاف أسسه الفلسفية المستندة إلى ثالوث أوروبي مؤلف من : نيتشه فرويد داروين.
لكن ظاهرة المحافظين الجدد وهي أشبه (بنازية مستترة) لم تكن سوى صفحة مبتذلة في تاريخ النظام الرأسمالي المندفع نحو أطواره العليا المتميزة بالتوحش وانعدام الأخلاق.
إن نظرية نيتشه تعتمد على الانسان « السوبرمان » الذي يمثل فلسفة القوة وترجمته في النظام الرأسمالي «البيزنس مان » المتجرد من العواطف ونقاط الضعف الإنسانية . وهي اذ تُسقط عوامل الأخلاق والدين والتسامح من قاموس الحضارة الإنسانية تستبطن القول ان المستقبل هو للأقوياء فقط . وهي تلتقي بذلك مع الداروينية التي فسّرت تطور الحياة على الأرض عبر نظرية « البقاء للأفضل ». لكن المذهل في هذا الأمر هو أن الماركسية ـ اللينينية التي تبنّت شعار « الدين أفيون الشعوب » ، كانت تخدم بذلك من حيث لا تدري نظريات داروين ونيتشه . علما ان الخط البياني التاريخي يضع ثورات العالم القديم بما فيها الثورات الدينية وعصر الأنوار في أوروبا والثورة الاشتراكية في روسيا على مسار واحد، هو مسار التدخل من أجل « أنسنة » الصراع وحماية الضعفاء . في حين يجمع الخط البياني «الآخر » الذي ينتهي بالنيوليبرالية والمحافظين الجدد الحركات العنصرية والفاشية والنازية والصهيونية المستندة جميعها إلى فلسفة القوة والى انتفاء الحاجة للتدخل من اجل حماية الآخرين « الأقل شأناً » كأحداث غزة مثالاً.
هذه النظرة ( الاستعلائية ) إلى العالم وجدت ترجمتها العملية عبر إصرار عُتاة النظام الرأسمالي على ضرب دولة الرعاية ( التي تتدخل لحماية الفقراء ) ، في الوقت الذي أجاز فيه هؤلاء تدخل الدولة العاجل من أجل حماية الأغنياء وثرواتهم . كما وجدت ترجمتها أيضاً عبر اللامبالاة المرعبة بمصائر ملايين البشر على كوكب الأرض المهدد بممارسات الشركات الاحتكارية وبلفتان « السوق الحرة » التي تعدت على الطبيعة والإنسان.
ان الدعوة الى منح الحرية « للذئاب والأغنام » على ملعب واحد تكون فيه الدولة محايدة ( وعند الحاجة منحازة للذئاب ) هي دعوة وحشية غير أخلاقية . وهي الفارق الحقيقي الذي يفصل بين نظرتين عالميتين لما ينبغي أن تكون عليه الأمور في عالم متحضر . وللإنصاف فإن التاريخ أثبت أن ديكتاتورية الفقراء « الاشتراكية » أعدل وأرقى وأكثر إنسانية من ديكتاتورية أصحاب المليارات « الرأسمالية » التي تختبئ وراء ديموقراطية مزيفة تستبطن فلسفة نيتشوية مدمّرة .
إن وضع علم النفس التحليلي الذي أسسه فرويد في خدمة إيديولوجيا رأسمالية تستند إلى نظريات داروين ونيتشه هو أكبر عملية تزوير وتحريف واستغلال للعلم . ولقد أخطأت الاشتراكية السوفياتية حين أنكرت علوم فرويد وتبنّت نظرية داروين. ان علم النفس التحليلي بإمكانه أن يخدم البشرية إذا ما أُحسن استغلاله وجرى توجيهه نحو تهذيب النفس الإنسانية ورفع مستواها الروحي والمعنوي . في حين لا تفعل نظرية داروين سوى تقديم الذرائع والأسلحة الفتاكة لمن يريد السيطرة على العالم باسم « قانون الاصطفاء الطبيعي ». إن الأفكار الكبرى التي جرى ترسيخها في عقول الناس عبر الميديا (بعد هزيمة النظام الاشتراكي) تركز على أن العالم محكوم باللامساواة واللاعدالة وهو قدر الإنسانية المحتوم. وإن التطور لا يتحقق إلا على أيدي الرأسماليين القساة المتربعين على صناديق مالية مصنوعة من عرق العمال وجماجم القتلى . وإن تحقيق العدالة هو مجرد أوهام وأفكار لن تؤدي إلا إلى الفشل الذريع لأصحابها.. إلخ. انها ايديولوجيا متكاملة تتبناها شرائح اجتماعية عُليا تشعر بالقوة الزائدة والذكاء الفطري الذي يعطيها الحق باستغلال واستعباد الآخرين ثم مطالبتهم ـ بكل وقاحة ـ بالاعتراف بجميلها عليهم .هذه الشرائح تعلم جيداً أن سيطرتها لا يمكن أن تستمر إلا عبر تحطيم معنويات الخصم وتزييف وعيه . وهو ما يحدث اليوم على نطاق واسع بحيث تداعت الطُغم الأوليغارشية الحاكمة في الدول الرأسمالية الكبرى للتعاون والتآزر من أجل وضع خطة انقاذية لقيادة العالم « بقدر أقل من الفوضى واستخدام العنف » « وبقدر أكبر من الدهاء والميكيافيللية ». أي المضي قُدماً بتحقيق فلسفة نيتشه بوسائل ميكيافيللي.
إن بوصلة الصراع القادم تشير إلى انقسام عالمي يعيد الاعتبار لخط الثورات التاريخي الذي جرى حرفه باتجاه صراع الحضارات والثقافات . لكن المعرفة القائمة على التجربة تفيد بأن الرأسماليين الجدّد لن يتخلوا بسهولة عن نظامهم وامتيازاتهم . وإن بحراً من الدماء والدموع ما زال يفصل بين الشعوب المغلوبة على أمرها وحقوقها المهدورة في مصانع الاستغلال والعبودية . فالرأسمالية إذ تجدّد نفسها وتغير جلدها باستمرار تمنع اعداءها من إعادة تنظيم صفوفهم عبر الإمعان في تزوير الديموقراطية التي كانت تتغنى بها إبان الحرب الباردة. وهي تستخدم (الإرهاب) على نطاق واسع كذريعة لخرق القوانين التي كانت قد قبلت بها في حقبة سابقة .
انها حرب طبقية تحاول أن تتلطى خلف شعارات ثقافية ودينية هدفها ترسيخ دعائم الاستغلال الاقتصادي لموارد الأرض (البشرية والطبيعية)، دون حسيب أو رقيب . إن كشف الحقائق أمام الرأي العام هي المقدمة الأولى لربح المعركة وإجبار عتاة النظام الرأسمالي على الاعتراف بحقوق الشعوب والأفراد في ظل نظام دولي يتدخل من أجل حماية الضعفاء لا من أجل تغطية جرائم الأقوياء.
إن النيوليبرالية لم تسقط تماماً بعد إخفاقات المحافظين الجدد وانتصار الحزب الديموقراطي في أميركا وظهور الأزمة المالية العالمية . إنها على الأرجح تعيد تنظيم صفوفها من أجل مواصلة نهجها السابق بدراية أكبر . إن روح المحافظين الجدد ما زالت تختلج في جسد النظام العالمي الذي عقد بالأمس القريب اجتماعه الدوري في دافوس بمشاركة ممثلين عن مؤسسات دولية من بينها الجامعة العربية . ولعل أبرز الاستنتاجات التي يمكن للعرب استخلاصها من الحقبة البوشية المنصرمة هو ان النظام السياسي العربي هو أسوأ نظام على وجه الأرض . وان الخلاص منه هو بمثابة خدمة جليلة ليس فقط للشعوب العربية وإنما أيضاً لكل شعوب الأرض المكتوية بنار الرأسمالية التي أمدّها النظام العربي البغيض بكل أسباب الدعم والبقاء من نفط ومال وخدمات أمنية يخجل من القيام بها أقل الموظفين رتبة في أكثر الدول تخلفاً.
المقالة تعبر عن رأي كاتبها
ح
ما بعد بوش : هل يتحالف نيتشه مع ميكيافيللي ؟ / فؤاد مرعي.. كاتب لبناني
