قبل أن أبدأ بتفصيل جزئية الهزيمة الأمريكية -التي يسمونها انسحاباً- أود التذكير بعبارات قالها جملة من أصحاب القرار والمفكرين والمحللين الكبار في شؤون أوربا وأمريكا، منها ما قاله رئيس الوزراء البريطاني السابق \"توني بلير\" : ((إنَّ هزيمة أمريكا في العراق، هزيمةٌ للغرب كله))
وما قاله "رئيس هيئة الأركان الأمريكية المشتركة" : ((إنَّ قيمة انتصار أمريكا على المقاومة العراقية يساوي أو يزيد عن الانتصار في الحرب العالمية)) وما قاله "هنري كسنجر" قبل سنين : ((إن خسارة أمريكا في العراق معناها خسارة الغرب لكل ما حققه في الخمسة قرون الماضية)) .
إذا اتضح هذا، فقد شنّت القوات الأمريكية - البريطانية وحلفاؤهما مغامرتهم الكارثية، وآلت فيما بعد إلى احتلال بلاد الرافدين في حلقةٍ من حلقاتِ الخُبث والتآمر، تهدف في مجموعها إلى إضعافِ هذا البلد، ومسحِ معالم تاريخه وحضارته، ومحاولةِ نهب مقدراته، وجعلهِ بلداً هزيلاً ضعيفاً، لا يؤثرُ أو يتأثرُ في محيطه العربي والإسلامي، نتيجة الصدمات التي أصابت شرائح هذا المجتمع الأصيل، بعد أن تعرض لمؤامرة أمريكية خبيثة بُنيت على تصوراتٍ مغلوطة وأكاذيبَ ووعودٍ زائفة مُنيَ بها جنود الغزو الذين زجّت بهم إدارة البيت الأبيض في مستنقع العراق، حينما وجدوا أنفسهم في جحيم لا يُطاق، بسبب اندلاع المقاومة العراقية الباسلة منذ اليوم الأول لدخول البلاد، في إغراءٍ فاضح للجنود المشاركين، بأنهم ذاهبون لنـزهة عراقية تستغرق أسابيع قليلة، وأنَّ العراقيين سوف يستقبلونهم بالورود؛ لأنهم سيساهمون في تحريرهم من ظلم السلطة الحاكمة آنذاك!! في أكبر أكذوبة عرفها التاريخ الحديث.
من هنا صار الإدراك العراقي الذي لا يقبل نقاشاً أو جدالاً أنَّ مقاومتهم مشروعة؛ وهي حق كفله لهم الشرع السماوي، والقانون الوضعي، وأعراف الأمم، وتقاليد الشعوب؛ لأنها تستهدف الغزاة وتسعى إلى تحرير بلدهم المغتصب منذ ما يزيد على ست سنوات، وكانوا -بما فيهم أصحاب المشروع الوطني والقوى المناهضة للاحتلال- يدركون أنَّ الاحتلال سيخرج صاغراً؛ لأنه ببساطة لا يمكن له أن يحقق أهدافه المزعومة في بلدٍ يصرُّ أهله على المقاومة والممانعة، مع توالي كل المشاريع المشبوهة التي سعت الإدارة الأمريكية والحكومات المتعاقبة في ظل وجوده إلى تحقيقها؛ لإضعاف جدوة المقاومة أو إخفات نورها، بحيث لا يراها العالم.. واليوم وقد فاقت إدارة البيت الأبيض نتيجة صعود "باراك أوباما" إلى سدة الحكم فيه، وتعهده في خطابه الأخير الذي ألقاه قبل أيام بسحب جنود الاحتلال من العراق سحباً جزئياً ينتهي في شهر آب من عام 2010ميلادية، على أن يتم سحب كافة جنود الاحتلال بنهاية عام 2011م، واعترف بأنه سيبقى في العراق ما بين 35 – 50 ألف جندي أمريكي لمهمات غير قتالية، زاعماً أنها ستساعد العراقيين في إعادة الإعمار وتدريب قوات الشرطة والجيش العراقي!! أقولُ : اليوم وقد فاقت هذه الإدارة الجديدة على ما يمكن أن يترتب عليه مستقبل الولايات المتحدة الأمريكة وقواتها العسكرية التي بدأت عوامل الضعف والانحلال تدب في أوصالها، فضلاً عن الاقتصاد الأمريكي المتهاوي، صارت تفكر جدياً في الانسحاب من العراق، في وقت يعلم فيه الجميع أن الخسائر المادية والبشرية التي تكبدها -ولا يزال- جيش الاحتلال في العراق، وتعرض الولايات المتحدة لأعظم هزة مالية منذ قرون، هما السببان المهمان من أسباب هذا التفكير الجديد الذي كان جزءً من وعود أوباما لجمهوره الذي انتخبه وأوصله إلى سدة الحكم.. وقد صرح بعض المسؤولين الأوربيين أن الأزمة المالية العالمية وتأثر أمريكا فيها هو سبب قرار الرئيس الجديد بسحب جنوده من العراق!! في وقتٍ توقّع فيه "باراك أوباما" أن تكلفة الحرب في العراق وأفغانستان ستصل هذا العام إلى ما يقرب من (140) مليار دولار.
لقد تجرع الرئيس الأمريكي الجديد مرارة الهزيمة في العراق التي وضعها في عنقه سلفه المهزوم "جورج بوش" واتخذ قراره الذي يعتقد جميع المعنيين بأنه جاء متأخراً كثيراً؛ بسبب السياسة الهوجاء التي كانت تمارسها الادارة السابقة، والتي أودت بالعراق والعراقيين في مآسٍ كثيرة نتيجة ما تعرضوا له من قتلِ ما يزيد على مليون وربع المليون من أبنائه، واعتقال عشرات الألوف منهم في صور مذلة، وما تعرضوا له من تأجيج الفتنة الطائفية، وإذكاء روح العنصرية والقومية، وتأجيج المشاريع التقسيمية، وإهدار الثروة العراقية، وإشاعة مبدأ المحاصصة والفساد وهدر الأموال، وما شابه ذلك من أمور جعلت العراق الأسوأ بين بلدان العالم أمنياً وسياسياً واجتماعياً وخدمياً.. غير أن المطلوب من إدارة "باراك أوباما" مراجعة مجمل السياسات التي اتبعتها الإدارة السابقة في المنطقة، والتي نجمت عن احتلال العراق، وقادت إلى عدم الثقة في المواقف الأمريكية، ويمكن أن يكون قرار الانسحاب هذا بداية لعهد جديد، يجب أن تتبعه سياسة دبلوماسية تقود لاعتذار واضح للشعب العراقي نتيجة ما تعرض له، وتعويض ما فقده البلد من آثار وثروات، وتعويض أسر الشهداء وضحايا الحرب، ومساعدة الشعب العراقي في أن يقوم من الكبوة التي أصابته بعد الغزو الظالم، يتبعه احترام متبادل بين البلدين، وترك العراق حراً يحكمه أبناؤه المخلصون من القوى الوطنية التي يثق بها العراقيون.
إنَّ الإدارة الأمريكية الجديدة التي لا تريد أن تعترف رسمياً بالهزيمة، لما لذلك الاعتراف من دلالاتٍ تتجاوز الإطار العسكري، وفي ذات الوقت فهي غير قادرة على الصمود فترة طويلة وسط الاستنـزاف العسكري اليومي في العراق.. على تلك الإدارة وهي تعلن الانسحاب أن تدرك جملة من الأمور نوضحها فيما يأتي :
(1) إنَّ هذا الاعلان هو بمثابة "الاعتراف بالهزيمة" التي طالما انتظرها العراقيون المقاومون، والتي يقترن بها حقيقة مفادها : أنَّ دماء أبناء العراق التي أريقت من أجل تحرير العراق والمحافظة على تاريخه ووحدته وثروته لن تذهب سدى .
(2) إنَّ اعلان الانسحاب جاء من طرف واحد (أمريكا) وهو نتيجة طبيعية للضربات المتوالية للمقاومة العراقية الباسلة، وتضحياتها، فضلاً عن استنـزاف الاقتصاد الأمريكي في حربٍ طال أمدها على ستة أعوام، وبالتالي صار العراق جحيماً لم يجد الرئيس الجديد بداً من الهروب منه، هو وجنوده الغزاة.
(3) لم يتضمن اعلان "باراك أوباما" إنهاءً لمهام جنوده القتالية في العراق، بل فيه إشارة بالانسحاب الجزئي على مدى (18) شهراً، على أن يكتمل الانسحاب في نهاية عام 2011 ميلادية، وهذا يعني أنَّ جنود الاحتلال لا يزالون في مهامهم القتالية؛ ومن الطبيعي والحالة هذه أن تستمر المقاومة في فعلها الجهادي، وتواصل ضرباتها الموجعة لجيش الاحتلال، بما يكفل إلحاق مزيد من الأذى والهزيمة فيه.
(4) تضمَّن خطاب الرئيس الأمريكي الجديد اعترافاً صريحاً بأنَّ أمريكا ما جاءت للعراق من أجل ثرواته، وأنها غير طامعه في خيراته ، وهذا الاعتراف وإن لم يؤيده جملة كبيرة من المحللين المهتمين بالشأن العراقي، إلا أنه إشارة مهمة ينبغي النظر إليها بإيجابية، مع ضرورة أن يقترن هذا القول بفعل عملي على الأرض.
إنَّ على قوى الممانعة في العراق -بما فيها فصائل المقاومة المسلحة- استثمار اعلان الهزيمة الأمريكية التي جاءت على لسان "باراك أوباما"؛ لأنه يتضمن إشارة بأنَّ المجتمع الأمريكي بلغ مرحلة من الاحراج لا يمكن الصمود معها؛ نتيجة ما جلبته كارثتي احتلال أفغانستان والعراق لمجتمعهم، ونحن نشاهد يومياً ما يقوم به المقاومون العراقيون من أفعالٍ بطوليةٍ نوعيةٍ لعلَّ آخرها اختطاف سبعة من جنود الاحتلال في حي الاصلاح الزراعي بمدينة الموصل شمال العراق.
وإنَّ قرار "أوباما" ينبغي أن يستثمره العراقيون؛ لانه يمثل قدرة العراقيين على أن يتصالحوا فيما بينهم، بعيداً عن الاعتماد على الغطاء الاجنبي الذي تسبب في خراب العراق، وهو امتحان لقدرة العراقيين على المحافظة على وحدة بلدهم، وعدم تدخل دول الجوار في شؤونهم، ولن يتم ذلك إلا بمحاسبة المسؤولين الذين تعاونوا مع الاحتلال في تدمير البلد وقتل أبنائه.
عندما يتجرّع \"باراك أوباما\" مرارة الهزيمة في العراق ...حسين الرشيد
