بعد اندحار الجيش السوفيتي وآلته على أيدي المجاهدين في أفغانستان والجمهوريات الإسلامية في روسيا، وجدت أمريكا نفسها في موقع قوة أوحد، لا تضاهيها دولة في قوتها، وذلك بسبب بعدها الجغرافي واقتصادها القوي المبني على تربع شركاتها على منابع النفط وغيرها من التجارة.
فأرادت توسعة هيمنتها العسكرية والاقتصادية والثقافية بعد أن وجدت من أحداث الحادي عشر من سبتمبر ذريعة لها في التوسعة، فدخلت في تحالفات ومواثيق بينها وبين من يرى ان العرب والمسلمين لقمة سهلة في الاستحواذ عليهم واللعب على عقولهم ومقدراتهم، فوطأت أقدامهم بغداد، ودنسوا أرضها وقيمها بأفكارهم الخبيثة، ولكنهم نسوا أو تناسوا ان في العراق أحفاد ثورة العشرين وأحفاد 1948 ورجال الثورات والمقاومة على مدى التاريخ.
تسارعت الأحداث، وتوالت الضربات على المحتل وأذنابه على ارض الرافدين حتى وصلت خسائرهم المادية والبشرية أضعاف حرب فيتنام، الامر الذي جعل ثائرة الرأي العام في الولايات المتحدة الأمريكية تثور بشكل خاص على جنودهم المقبورين، والرأي العالمي بشكل عام على الهجمة الوحشية على أبناء العراق وأرضه من انتهاك لحقوق الإنسان وغيرها من الانتهاكات التي يندى لها جبين الإنسانية التي ادعت أمريكا وحلفاؤها إنسانيتها بحربهم هذه.
قرر المحتل ترك العراق لأهله بعد سجالات عقيمة ودراسات مستفيضة في الأوساط السياسية الأمريكية منها والدولية، وكل هذه الدراسات المقدمة تفضي في آخرها إلى الانسحاب دون تحقيق أمر واحد من المهام التي رسمت إلى "تحرير العراق" كما قيل.
إن المقاومة العراقية أدركت منذ الوهلة الأولى خسارة المحتل واندحاره عاجلا أم آجلا، وان أصابها الوهن والتلكؤ في مقاومتها إلا أنها بقيت صامدة رغم ما أصابها، واستمرت في مقاومتها، ومع كل هذا وذاك فالمسؤولية الآن اكبر وأعظم مما مضى، فعليها إعادة ترتيب أوراقها ولم شملها وتوحيد صفها، وكذلك فإن المسؤولية كبيرة على القوى المناهضة للاحتلال وعلى رأسها هيئة علماء المسلمين لترتيب أمورهم وبلورة عمل موحد مدعوم من الحكومات ودول الجوار العربية وإقليمية، هذا أولا.
وثانيا: على المقاومة أن تكثر من التنسيق بينها وتوضيح الأهداف والمرحلة المقبلة والتأكيد على زخم العمليات على العدو ليبقوا هم طليعة المجتمع ومخلصوه من الاحتلال.
وثالثا: لا بد للإعلام المقاوم وأفراده أن يقدموا خدمات عملية في مناطقهم أو جمعيات ساندة للفعل المقاوم تعمل في الخدمات والإغاثة؛ لان ذلك هو الذي سيعيد الأرضية المناسبة لقبول الناس.
ورابعا: لا بد من التواصل ومد الجسور بين الأفراد والشخصيات العاملة من الضباط والموظفين الشرفاء في المراكز المهمة أو القوى المناهضة من أي مذهب، فهؤلاء سيكونون أجزاء المحرك للقادم، وبدونهم سيتعطل العمل، ولكي لا نقع فيما وقع فيه عملاء الاحتلال.
وقبل ذلك كله يجب أن تتوحد الفصائل المقاومة بكل أطيافها في عملها وكلمتها من اجل تفويت الفرصة على المحتل وعملائه في دس سموم التفرقة والظهور على حساب الغير، ولا ننسَ التجارب التي سبقتها في أفغانستان والصومال وفلسطين.
إن الانسحاب الأمريكي سيخلف وراءه مشاكل عدة، وسيحاول خلط الأوراق بكل قوته من اجل إبقاء الوضع بيده من قريب أو بعيد.
وكذلك لا تنسَ المقاومة نفوذ الجارة الخبيثة وعملائها ووكلائها في العراق، إن إيران ستتحين الفرصة بأكملها لسد الفراغ ولأخذ الدور الأكبر في تسيير العراق لمصلحتها، فعلى المقاومة أن تبني إستراتجيتها على بناء الوحدة الوطنية، وعلى سياسة القوة المباشرة في عملها بالتعامل مع كل من يثبت تورطه في مساعدة وتقديم الخدمة للمحتل وإيران بعد الانسحاب.
وهكذا لو حصل الانسحاب وحصلت الفوضى أو الاقتتال بين المقاومة وقوات الحكومة العميلة فسترى ان أكثر الناس ستترك الشارع، وتترقب ما الذي سيؤول إليه الأمر.
إن الأحزاب السياسية التي جاءت مع الاحتلال ذهلت بقرار الانسحاب؛ لأنها كانت تبني أمالها على وجود الاحتلال في العراق من اجل استنزاف اكبر للأموال ومن اجل بقائها بالسلطة إلى مدة أطول، ولكن هذا هو الاحتلال وحقيقته، يتخلى عن اقرب شيء إليه عندما تضرب مصلحته، وتضعف شوكته.
فإذن على المقاومة أن تهيئ الخلفية الفكرية في القتال، وتمهد الأرض في تحمل الناس المسؤولية واسترجاع حقها المسلوب باسم القانون وباسم الدولة.
وكالة يقين للانباء
المقالات تعبر عن اراء اصحابها
الانسحاب الأمريكي.. ترتيب أوراق المقاومة وهزيمة العملاء.. علي العبد الله
