هيئة علماء المسلمين في العراق

الانسحاب من العراق... مأزق أوباما / الدكتور : أحمد يوسف أحمد
الانسحاب من العراق... مأزق أوباما / الدكتور : أحمد يوسف أحمد الانسحاب من العراق... مأزق أوباما / الدكتور : أحمد يوسف أحمد

الانسحاب من العراق... مأزق أوباما / الدكتور : أحمد يوسف أحمد

في السابع والعشرين من الشهر المنصرم أعلن الرئيس الأميركي باراك أوباما خطته بشأن واحد من أهم الاستحقاقات التي بنى عليها حملته الانتخابية ، وهو إنهاء الحرب في العراق. جاءت الخطة كما هو واضح لتشكل حلاً وسطاً بين الانسحاب التام والسريع نسبياً - الذي كان أوباما ينادي به إبان حملته الانتخابية - وبين الموقف المحافظ الذي يمكن نسبته إلى الإدارة الأميركية السابقة ، والذي كان يتحدث عن انسحاب يتم بنهاية عام 2011 ، صحيح أن أحداً لم يكن يعلم على وجه التحديد ما الذي كان يمكن لإدارة بوش أن تفعله عسكرياً في العراق بعد عام 2011 ، لكنه من الصحيح أيضاً أن الجمهوريين في الكونغرس - وفي مقدمتهم ماكين الذي كان منافساً لأوباما على مقعد الرئاسة - قد أبدوا رضاهم بصفة عامة عن الخطة ، فيما انتقدها ديمقراطيون بارزون كرئيسة مجلس النواب ، وزعيم الديمقراطيين في مجلس الشيوخ.
يمكن القول بأن خطة أوباما بشأن العراق تتكون من شقين ، أحدهما عسكري والآخر سياسي ، وهي بداية طيبة ، في الشق العسكري تحدث أوباما عن انسحاب للقوات " القتالية" الأميركية من العراق بنهاية آب / أغسطس 2010 ، مع بقاء ما بين 35 و50 ألف عسكري لمساعدة الحكومة العراقية في إرساء الاستقرار وتدريب الجيش والشرطة ، على أن يتم الانسحاب الكلي بنهاية عام 2011 ، أي في الموعد الذي حددته الاتفاقية الأمنية المعقودة بين الحكومة العراقية والإدارة الأميركية السابقة ، أما الشق السياسي فينقسم بدوره إلى عنصرين أولهما داخلي والآخر خارجي ، وواضح من الشق الداخلي أن أوباما يأمل في "عمل سياسي" يحقق وفاقاً وطنياً عراقياً لأسباب مفهومة ، غير أن أوباما من ناحية أخرى يتحدث في هذا الصدد عن "عمل مع الأمم المتحدة" ، ولا يرى أمن العراق متحققاً إلا في ظل  "الانخراط الإقليمي " ، أي أن يكون للوضع في العراق سياقه الإقليمي الملائم ، سواءً بإشراك القوى الإقليمية ذات الصلة بمستقبل العراق ، أو بالعمل على عدم توصل إيران لسلاح نووي ، أو بالسعي للتوصل إلى سلام دائم بين إسرائيل والعرب ، وهو يرى في النهاية أن الحل في العراق لا يمكن في المدى الطويل إلا أن يكون سياسياً ، ويعترف بالصعوبات التي سوف يواجهها العراق بسبب مشكلات كبرى مثل اللاجئين والنازحين وانخفاض عائدات النفط.
يعجب المرء أحياناً من الطريقة التي تفكر بها دوائر صنع القرار الأميركي في المشكلات الرئيسية التي تواجهها ، ولا يجرؤ الباحث العادي بسهولة على تحدي هذه الطريقة ، لأن ثمة افتراضاً كامناً بوجود عقول جبارة تعمل في هذه الدوائر ، غير أنني أذكر أن آخر عهدي بالتردد في تحدي الأسس التي تبنى عليها السياسات الأميركية كان بمناسبة الوقفة الشهيرة لكولين باول وزير الخارجية الأميركي الأسبق عندما حاول في جلسة مجلس الأمن ، التي عقدت قبل نحو شهر من العدوان الأميركي على العراق عام  2003، أن يقنع مستمعيه بامتلاك العراق أسلحة دمار شامل . كان الرجل يسوق حججاً بالغة السذاجة وقد اعترف لاحقاً بندمه على ما فعل - وكنت أقول بيني وبين نفسي: لو أن ما يذكره أقنع مستمعيه لوجب على كل مشتغل بالتحليل السياسي أن يطلّق مهنته . لكننا اليوم إزاء رئيس شاب يفترض أنه يحمل فكراً جديداً ، ويتمتع بحماس شعبي جارف ، ويقال إنه يتحلى بكاريزما قد تكون غير مسبوقة منذ عهد الرئيس الأميركي الأسبق جون كيندي ، ثم يخرج علينا بهذه الخطة الهزيلة التي تمثل مأزقاً له شخصياً ولجميع أطراف الصراع في العراق تقريباً سواءً على المستوى الداخلي أو الخارجي ، المأزق سيزداد بعد الانسحاب ، إذا لم يتحقق الوفاق الوطني العراقي ، إذ قد يضيع مستقبل العراق بين إضطراب داخلي وتدخل خارجي .
لا أحد ينفي أن زيادة عدد القوات الأميركية في العراق ، والتي تحققت في آخر سنوات الرئيس الأميركي السابق ، أدت إلى تحسن في الموقف الأمني ، وإن كان تحسناً هشاً ، لكنه كان ملحوظاً ، لذلك فإن أول الانتقادات التي يمكن أن ترد على خطة أوباما يتعلق بمصير الـ35 إلى 50 ألف جندي الذين سيبقون في العراق نحو ستة عشر شهراً ، فهذا العدد الذي يمثل ربع أو ثلث عدد القوات الأميركية الحالية في العراق ، قد يتعرض لأعمال مقاومة متزايدة ، إن لم يكن من أجل تحرير العراق فلإثبات الوجود من قبل القائمين بها قبل الانسحاب الأميركي النهائي ، ولزيادة نصيبهم من الكعكة العراقية بعد الانسحاب . وقد يضطر أوباما في هذه الحالة إما إلى إعادة بعض القوات ، فيكون هذا انتكاساً لخطته ، أو تسريع انسحاب القوات المتبقية ، بما يمثل انتكاسة من نوع آخر ، لأن الانسحاب في هذه الحالة لن يكون مسؤولاً كما وعد أوباما ، وإنما سيجلب مزيداً من الإذلال للولايات المتحدة ، وهو ما لن يُغفر بسهولة لأوباما ، سواءً من قبل الرأي العام أو النخبة في بلد يفترض أنه الأقوى في العالم . ناهيك عن أن الانسحاب وفق هذا السيناريو سوف يعني رهن مستقبل العراق بأعاصير الفوضى الضاربة.
ليس معنى ذلك أنني أتبنى مقولة بعض الساسة العراقيين الحاليين الذين أبدوا تبرمهم من الانسحاب الأميركي السريع ، بل كنت دائماً وما زلت أرى أن سبب ما يحدث في هذا البلد هو الاحتلال ، ولذلك فإن إنهاءه سوف يكون أولى خطوات الخلاص للعراق ، لكن الأمر يتطلب عملاً سياسياً ، كما أشار أوباما ، وهو ليس بالمسألة السهلة إذا اتفقنا على أن غاية هذا العمل هي الوصول إلى وفاق وطني عراقي حقيقي . كما أنه يتطلب أيضاً ترتيبات عسكرية ، كالاتفاق مثلاً على قوات دولية تحل محل القوات الأميركية بالتدريج بعد انسحابها من كل موقع حتى لا تملأ الفوضى الفراغ الذي لابد أن ينجم عن انسحابها ، وتهيئ المناخ لعملية الوفاق الوطني كي تؤتي أكلها في ظروف مناسبة.
تزداد خطورة هذا المأزق في أعقاب الانسحاب الأميركي إذا لم يتم التوصل إلى الوفاق الوطني العراقي المنشود ، لأن مستقبل العراق يمكن أن يضيع لسنوات أخرى قادمة بين عدم استقرار داخلي قد يصل إلى حد الحرب الأهلية ، وتدخل خارجي ربما ينتهي باحتلال جزئي أو فعلي من قبل قوى إقليمية طامعة في العراق ، وحتى الإطار الإقليمي الملائم لأمن العراق ، والذي أشار إليه أوباما في خطته ، يمكن أن يضيع بين المصالح المتضاربة للقوى المشاركة فيه ، فمن المؤكد أن هناك حركة إقليمية دؤوبة الآن تواكب خطة أوباما ، لكن من المؤكد أيضاً أن هذه الحركة مدفوعة أساساً بمصالح أطرافها ، وليس بصالح العراق الذي تبدو قواه السياسية حتى الآن في وضع غير مواتٍ لبناء عراق قوي قادر على ضمان الانسحاب الأميركي بأسرع وقت ممكن ، وكذا ضمان استقرار العراق ، والشروع في إعادة بنائه بعد هذا الانسحاب.
وبناءً على ما سبق فإن المسؤولية تقع الآن ، وبالأساس ، على أبناء العراق ، ويا حبذا لو حاولت جامعة الدول العربية ، نيابة عن أعضائها فرادى ، الإسهام في جهود تشكيل مستقبل العراق ، أو على أقل تقدير أن تكون شريكاً لهذه الدول ضماناً لأن يحقق "الانخراط الإقليمي" الذي تحدث عنه أوباما مصلحة العراق وليس مصالح تلك الدول . وقد ينعي البعض على الجامعة العربية عدم فاعليتها ، لكن يجب الاعتراف بصعوبة هذا البديل ، لوجود قوى عربية طامحة إلى لعب أدوار محددة في العراق . المأزق إذن ليس لأوباما وحده ، وإنما لكافة القوى السياسية في العراق والدول العربية ومنظمتها الإقليمة .

المقالة تعبر عن رأي كاتبها
ح

أضف تعليق