هيئة علماء المسلمين في العراق

المصور الجهادي.. شاهد وشهيد!! .. حسين المعاضيدي
المصور الجهادي.. شاهد وشهيد!! .. حسين المعاضيدي المصور الجهادي.. شاهد وشهيد!! .. حسين المعاضيدي

المصور الجهادي.. شاهد وشهيد!! .. حسين المعاضيدي

مسيرة المقاومة والجهاد لا تكتمل بدونها، فهي أبرز وسائل إيصال الحقيقة إلى الناس، والى العالم الذي خُدع من قبل الأعلام الخارجي، وحتى الداخلي. إنها الكاميرا التي أظهرت حقيقة المقاومين، والمجاهدين، وقوة ضرباتهم، وفضحت ضعف المحتلين، وكشفت هزيمتهم في سوح الوغى.

علاقة أولئك المصورين بالكاميرا ليست عادية أو طبيعية، فهي لهم الهواء الذي يتنفسونه، والماء الذي يشربونه، بل هي سلاحهم الخارق في هذه الحرب.
واحد من هؤلاء المصورين تم تكليفه بتصوير معركة مع المحتلين الأميركان على مشارف مدينة هيت بمحافظة الأنبار، فخرج المقاومون وحين اقترابهم من الهدف ترجلوا وتسللوا عبر أودية ضيقة إلى ان باتوا قاب قوسين أو أدنى منه، كان المصور في المقدمة وباءت جميع محاولات زملائه في ثنيه ان يكون في رأس الحربة، فهو مصور، وبلا سلاح، وعليه ان يكون في موقع آمن، لكنه أبى إلا ان يكون مع القوة الضاربة الأولى.. فتحت المجموعة نيرانها بكثافة على القوات المحتلة، وحينما جاء أمر الإنسحاب، تراجع الجميع إلا المصور الذي سقط على الأرض، وكاميرته في يده ممسك بها، وكأنه يرفض ان تسقط قتيلة، كما سقط هو قتيل !!


تفاجأ المقاومون من زملائه بمقتله، ورفضوا الانسحاب وتركوا جثة أخيهم المصور في أرض المعركة، جاء الأمر من قائدهم، بمشاغلة المحتل بالبنادق لحين التمكن من إخلاء المصور الشهيد، لكن إرادة الله شاءت ان يقتل الجميع فوق المصور وهم يحاولون إخلائه، بمن فيهم قائدهم، ولم يتمكن سوى مقاتل واحد من الانسحاب بأمان، ليروي تفاصيل بطولات، قل نظيرها في التاريخ.

القصة لم تنته ها هنا، فالكاميرا التي استولى عليها المحتل الغاصب، راح يبث ما بداخلها من صور عبر الإنترنت ليؤكد وبالدليل القاطع، انه تمكن من قتل جماعة مسلحة مع مصورها، الذي عثروا بكاميرته على هذه اللقطات، لكن المحتل لم يكن يعلم بأنه في نفس الوقت حرر شهادة بطولة لهذه الثلة، التي فضلت الموت على ان تترك جثة أخيها المصور بيد المحتلين الغزاة، فقتلوا جميعهم فوقه ولم يفرطوا به، والشاهد المحتل نفسه، وكاميرا المصور الشجاع !!

قصة أخرى شهدتها أرض ديالى، وتحديداً في بلدروز، حيث، فبعد الانتهاء من إحدى المعارك، زفّت مجموعة، هاجمت قاعدة للقوات المحتلة، مصورها مع كاميرته التي تلطخت بالدماء، فهذه الكاميرا التي كان يحملها ويصور من خلالها لحظات الاقتحام لمقر القوات الغازية، وتصوير أفراد المقاومة، وهم ينقضون على الأميركان، ويبيدونهم عن بكرة أبيهم، هذه الكاميرا نفسها التي وثق بها أفراد المقاومة، صورة المصور محمولاً على الأكتاف، بعد مقتله في لحظات الاقتحام.. كان المصور فرحاً أكثر من غيره، وكأنه شعر انه قريب من نيل الشهادة، كان يُكبر ويهلل ويحمد الله ويمجده وهو يصور تلك اللقطات، التي لا، ولن تعوض لعمليات الاقتحام تلك، فصوته كان مرافقاً للصور، وكأنه يرسل رسالة لغيره، أو ربما لمن بعده، في ان صور كاميرته ستثلج قلوب العراقيين وتغيض قلوب المحتلين.. قُتل المصور برصاصة اخترقت القلب مباشرة، ورغم سرعة المنية في مثل هذه الحالات، لكنه أبى ان يفارق الحياة، إلا وسبّابته تعلن شهادته، وهو ما وثقته كاميرته.

وحينما نتحدث ونستعرض سير المصورين وعلاقتهم بالكاميرا، فلابد أن يسوقنا الحديث إلى احد ابرز مصوري المقاومة في المنطقة الغربية، فهو مصور بارع تم أسره من قبل القوات المحتلة في محافظة الأنبار، تاركاً خلفه فراغاً كبيراً، فهو كان يرفض ان يتولى تصوير لحظات إطلاق قذائف الهاون على هدف ما، بل كان يصر على ان يكون موقعه في اقرب نقطة قرب الهدف، وقد أصيب ولأكثر من مرة بشظايا القصف، ما يدل على قرب المسافة التي يتخذها من الهدف، حتى انه، وحينما تم اعتقاله، كان على بعد أمتار قليلة من قاعدة للقوات المحتلة والتي استهدفها القصف..

مصور آخر قتل في سوح الوغى في مدينة بلد بمحافظة بصلاح الدين، وهو ومن فرط حبه وتعلقه بكاميرته، حرص على حملها معه أينما يذهب، إذ كان يرى وقعها على العدو اشد من وقع الرصاص والقاذفات والصواريخ بل أشد وأشد.
وحينما كان يصور المحتلين، وكيفية تناثر أشلاؤهم، بتأثير انفجار العبوات الناسفة على آلياتهم، وأثناء الإشتباكات المسلحة، لم يكن يخطر بباله يوماً أنّ كاميرته، هي نفسها من ستوثق وقت منيته، ولحظة إستشهاده.

ففي أحد الأيام، وأثناء خروجه للتصوير في عملية بطولية، حيث تم الكمن لأحد الأرتال الأمريكية، بدأ الأشتباك، وكان عنيفاًَ جداً، وبدأ المصور بالتصوير، وظل يصور، حتى انتهت المعركة بهزيمة جنود الإحتلال، وتكبيدهم خسائر جسيمة، وأستمر بالتصوير حتى أثناء الإنسحاب، حيث أراد ان يوثق لحظات الفرح التي يعيشها زملائه، بعد إثخانهم بالعدو، لكن شاءت إرادة الله ان يكون هنالك من يقتفي أثرهم، ويتعقبهم، وكانت طائرة أمريكية، هاجمتهم بغزارة مستخدمة الصواريخ في ذلك.

واصل المصور تصويره، مصوراً الطائرة التي كانت تتعقبهم، ومصوراً ذلك الصاروخ، وهو يتجه نحوهم، أما أكثر الصور إيلاماً، فتلك التي وثقتها كاميرته، ولكن بعد مقتله، حيث ظلت تلتقط كاميرته طريقة إستشهاد حاملها، بعد سقوطها من يده على الأرض بتأثير الانفجار، وشاءت الأقدار، ان يكون فضاء آخر اللقطات، مشهد المصور وهو في آخر لحظاته في هذه الدنيا، فقد سقطت الكاميرا من يديه على الأرض، وبقيت ثابتة تصوره ودمه ينزف ويتقاطر عليها، لقد وثقت حتى لحظات نطقه للشهادة ونداءه قائلاً: يا الله يا الله !!

قتل وهطل المطر عليه، وعلى كاميرته التي استمرت بالتصوير، حتى غمر الطين أجزاءها.. استمرت توثق لحظات ما بعد الشهادة، وكأنها تناجي حبيبها، الذي غادرها إلى دار الخلود، تحاكيه: "ان عد أيها الشهيد ولا تتركني وحيدة"، فجاءها النداء من السماء، "أن أبقي وكافحي وجاهدي من بعدي، وأكملي المسيرة مع حبيب جديد، وأعدك بأنك ستظلين دوماً حبيبتي، كيف لا ، وأنت من أوصلني إلى حواصل طير خضر" !!
وبعد ان كادت تتوقف بطاريتها عن العمل وقبل ان تغمرها مياه الأمطار، امتدت أليها يد، ورفعتها من بين الحطام، يد زميل ثانٍ، مصور جديد، حملها، مسح عنها تراب الجهاد، لم يكن يعلم أنها لا تزال تعمل، وجّهها إلى زوايا عدة متفحصاً إياها، وبدون ان يدري ألتقط صوراً لنفسه، وحينما أستعرض ما صوره بعد حين، شاهد لقطات مؤلمة، فكانت آخر لحظات الشهادة لحبيبها السابق، قبل ان يكتشف ان أول الصور التي التقطتها هذه الكاميرا لقطات لوجه صاحبها الجديد، الذي كان يغطيه (قناع) أسود ودون ان يدري، حينها أدرك ان هذه الكاميرا، (الوفية) لصاحبها الشهيد، لأبد ان تكون وفية له هو أيضاًَ، وإنها يوماً ما، ستوثق آخر صوره عند الشهادة، مثلما وثقت صوره في أول لقاء بينهما، وليكون شاهداً ، وشهيد!!




المقالات المنشورة تعبر عن رأي كاتبيها

أضف تعليق