قبل ان يعلن اوباما عن قراره بشان انسحاب قوات الاحتلال الامريكية من العراق ، افادت الانباء ان القوات الامريكية بدأت تشغيل خطوط نقل معداتها العسكرية من العراق ،كما صارت التقارير تتحدث عن
استعداد دول من محيط العراق للمساعدة فى تسهيل انسحاب تلك القوات ، خاصة تركيا ، التى كانت رفضت مرور تلك القوات من اراضيها خلال الغزو ، قيل ان ما يجرى ، هو عملية عسكرية لاختبار الطرق والخطط التى سيجرى من خلالها ترحيل ونقل المعدات العسكرية الامريكية ، وقيل ان ما يجرى ياتى فى اطار تاكيد اوباما عمليا على انفاذ وعوده التى قطعها على نفسه امام الناخبين الامريكيين خلال الانتخابات الرئاسية ، وانه لما تاخر اتخاذه قرار الانسحاب صار يتلمس طرقا لتاكيد عزمه انفاذ اقواله لتثبيت فكرة التغيير التى خاض على اساسها الانتخابات ، اذ هو يحاول تقديم نموذج للسياسى الملتزم بانفاذ ما قاله خلال الحملة الانتخابية دون تنصل او مراوغة ، على عكس ما يحدث عادة من الساسة الامريكيين ، اذ يختلف ما يقال خلال حملة الدعاية الانتخابية عما ينفذه الرئيس بعد ظهور نتائج الانتخابات والفوز، وقيل – من جانب اخر- ان هذه المعدات التى خرجت من العراق ، هى من نوع المعدات الثقيلة التى لن يحتاجها الجيش الامريكى بعد يونيو القادم ، حين يجرى الانسحاب من المدن والقصبات العراقية الى الثكنات والقواعد التى سيبقى بها من بعد.
وفى امر الانسحاب نفسه ، وقبل ان يعلن نائب الرئيس الامريكى عن موعد اعلان اوباما قراره بموعد الانسحاب ، كانت الانباء تفيد بان الاوضاع تراوح مكانها ، اذ لم يصدر اعلان بقرار محدد من قبل ادارة باراك اوباما بموعد الانسحاب ، كما جرى الحديث حول ثلاثة جداول زمنية كان يجرى التداول بشانها فى واشنطن قبل وصول الرئيس الى قرار بشانها ، اولها هو ذات ما اعلنه اوباما خلال حملته الانتخابية اى سحب القوات خلال عام ونصف (16 شهرا) وهو ما يؤكد صدقيته ودقة حساباته حتى وهو رئيس مرشح ، وثانيها اقتراح بان يجرى الانسحاب خلال عامين الا ثلاثة اشهر (21 شهرا) وثالثها اقتراح بعامين حتى يجرى اكمال الانسحاب ، وهى خطط كان يجرى حولها حوار وربما صراع متكتم ، وتحت عناوين الانسحاب الامن والانسحاب المسؤول ، ومراعاة الوضع الامنى الهش فى العراق..الخ.
وقد جاء تاخر اعلان اوباما عن قرار محدد – خلال الفترة الماضية – بشان الجدول الزمنى للانسحاب مرتبطا بعامل اخر يتعلق بمعركة اخرى وحرب اخرى بما اثار التساؤلات – وما يزال - حول حقيقة ما يجرى ، كان الرئيس باراك اوباما قد ربط خلال حملته الانتخابية بين الانسحاب من العراق وزيادة عدد القوات فى افغانستان ، على خلفية من رؤيته الانتقادية لجورج بوش وادارته التى افتقدت – حسب تلك الرؤية – بوصلة توجيه جهدها فلم تركز على مكافحة الارهاب ، وهو ما كانت ترجمته لدى اوباما بالربط بين خطة الانسحاب من العراق وتركيز الجهد العسكرى على افغانستان ، الان يبدو واضحا ان خطة التركيز على افغانستان تعانى حالة من التعطل والبطء بما قد يعكس نفسه على اوضاع الانسحاب من العراق ، اذ ثمة صعوبات حقيقية تواجه خطة اوباما فى افغانستان على راسها ما اصبحت عليه اوضاع الامداد والتموين للقوات الموجودة الان فى افغانستان ، اذ صارت تلك القوات فى وضع اقرب الى الحصار ، بفعل الهجمات التى تجرى داخل الارض الباكستانية والافغانية – خاصة فى ممر خيبر الاستراتيجى - وهو ما يجعل من الصعوبة الان نقل القوات الامريكية من العراق الى افغانستان ، كما ان تلك الخطة تعانى من ارتباك بشان طبيعتها واهدافها ، اذ اشارت تقارير اعلامية الى ان الرئيس اوباما ابدى ملاحظات جوهرية على الخطة التى قدمها له القادة العسكريون ، ومن اهم تلك الملاحظات – حسب تقارير الاعلام الامريكى- ان الرئيس لاحظ ان الخطة لا تقدم تصورا واضحا حول الانسحاب من افغانستان بعد نجاح خطة زيادة عدد القوات ، وكذا فان التسريبات المتصاعدة حول مصير كرازاى ، باتت تشير الى جانب اخر من الاشكاليات التى تعانيها تلك الخطة وطبيعة الخطوات الضرورية المطلوبة على صعيد جهاز الدولة الافغانى الذى شكله الاحتلال ، حيث افادت الانباء ان اوباما غير راض عن اداء كرازاى وان الفساد المستشرى فى ادارته اضافة الى الاتهامات برعاية زراعة وانتاج المخدرات ، باتت تتطلب تغييرا فى الاغلب سيشمل كرازاى نفسه.
لكن الاهم فى قضية الانسحاب من العراق وفى تحديد اوباما لجدول الانسحاب ، هو الدافع لهذا الانسحاب والمعنى الاجمالى للمعركة التى جرت حول العراق ، هل ما يجرى هو انسحاب ناتج عن انجاز القوات الامريكية لاهدافها ومهامها ، ام ان الانسحاب يجرى فى حقيقته لان العراق ومقاومته قد تحقق لهما النصر ، ومن ثم فان ما نراه ليس الا سيناريوهات امريكية للخروج من المازق او من وحل الهزيمة ، وفق صيغة لا يبدو فيها الشعب العراقى منتصرا؟
الهزيمة .. الغائبة
فى واحد من اهم البحوث حول الاعلام الامريكى خاصة والاعلام الغربى عامة ، كتب الباحثان الامريكيان بيتر يونج وبيتر جيسر ، مؤلفهما الموسوعى ( الاعلام والمؤسسة العسكرية ) ، وفيه اوردا نصا فى غاية الاهمية ، هو ( ان الشعوب التى تعبأ لا تحتاج الى الانتصار فى ميدان القتال ، بل تحتاج فقط الى الاستمرار بالمقاومة لكى تنتصر ) ، وهو قول يكشف ويلخص اهم قاعدة من قواعد مقاومة الشعوب ضد اى احتلال وكل احتلال ، وطبيعة النصر الذى يتحقق لها فى مثل هذا النمط من الحروب ، وهو ما يلخص اهم جوانب فكرة انتصار العراق وهزيمة الولايات المتحدة امام المقاومة العراقية.
فيما قال الباحثان ، تبدو جوانب هامة ومتعددة ، فمن جانب اول ، يشدد هذا القول على ان المقاومة – اية مقاومة – عبر التاريخ ، لا تحقق انتصارها وفقا للمعايير العسكرية التقليدية المتعارف عليها فى قواعد الحروب والصراعات بين جيوش الدول ، وان المقاومات انتصرت عبر التاريخ _ الكتاب يشير الى نماذج فيتنام والجزائر وافغانستان خلال احتلال الروس - بفعل استمرار المقاومة وتعبئة الشعب على رفض الاحتلال ، اى ان الجيش المحتل ، يكون منهزما وهو بكامل هيئته واسلحته ودون معارك كبرى يلقى فيها هزيمة عسكرية تجعله يستسلم ، فقط لاستمرار المقاومة ولاستمرار تعبئة الشعب المحتل رافضا لهذا الاحتلال ، ومن جانب ثان ، يكشف هذا القول ، ان معارك المقاومة هى معارك سياسية واعلامية بالاساس ، لا يكسب فيها جيش الاحتلال بسيطرته على الارض والمدن او من خلال اقامة قواعد عسكرية ، وانما باخضاعه لارادة الشعب والمقاومة ، وان الشعب طالما رفض الاحتلال وان المقاومة طالما ظلت جارية ، فان كل ما تنجزه قوات الاحتلال على الصعد المادية لا يمثل نصرا وانما النصر يتحقق لها فقط حين يرضى الشعب بالاحتلال ، وتنكسر ارادته عن المقاومة ، اى معيار النصر والهزيمة يتحدد وفق قاعدة قبول الشعب للاحتلال او رفضه ووفق استمرار المقاومة او العكس ، والمعنى الاهم هنا ، هو ان قضية اعداد القتلى والجرحى من قوات الاحتلال او درجة شدة المقاومة فى مرحلة وتراجع عملياتها فى مرحلة اخرى ، لا يعنى تحقيق النصر للمحتل ، وفى جانب ثالث ، فان الشعب الذى تحتل قواته ارض شعب اخر ، لا يمكن له البقاء مؤيدا لجيشه المحتل ولافكار وسياسات قادته السياسيين والعسكريين ، وهو يرى ويتابع مسلسل القمع والقتل ووصول ابنائه فى توابيت ، بل هو يغير مواقفه رويدا رويدا بفعل استمرار رفض الشعب الاخر للاحتلال وبفعل استمرار المقاومة ، وفى ذلك يبدو عامل الزمن هو الكفيل بانهاء الحماسة لاستمرار الاحتلال بفعل ما يراه من ان ابناءه يدفعون ثمن مغامرات الساسة وجشع اصحاب الشركات. وهكذا ، ففى الصورة الكلية لتقييم النصر والهزيمة ، فان جيش الاحتلال ، لا يمكن له الاستمرار فى حالة الاستنفار والاستعداد للقتال لسنوات طوال مهما كانت درجة تسليحه ، ذلك ان الامر يتعلق فى مثل تلك الحالات بالارادة على استمرار القتال لا بمعدات القتال ، وان اهم ما يجعل القوات المحتلة تغادر البلد الذى يحتل هو تلك البيئة العدائية التى يتواجد فيها الجنود ، بغض النظر عما اذا كان عدد القتلى قليلا او كثيرا ، اذ قد يكون عدد حالات الانتحار والموت السريرى والامراض النفسية التى يصاب بها جنود الاحتلال موشرا ودافعا اخطر لهزيمة ارادتهم المعنوية ، اكثر من عدد القتلى الذين يسقطون جراء الالغام وقذائف الهاون ورصاص القنص ..الخ.
اخفاء الهزيمة
هنا ، وحين يقين السلطة السياسية والعسكرية للبلد المحتل ، بان استمرار الاحتلال هو امر لا يمكن ان يحقق اهدافه ، وان الهزيمة قد تحققت لقواته –وفق المعنى سابق الاشارة اليه – وان الاوضاع ستتطور الى ابعاد اخطر ، يجرى وضع خطط للانسحاب ، هى بدورها تمثل نمطا مختلفا عن خطط الانسحاب بعد هزيمة الجيوش فى المعارك العسكرية التى تجرى وفق اساليب الحروب بين الجيوش النظامية ، او هى خطط تتعامل مع مثل هذا النمط من الهزائم. حينما ينهزم جيش فى معركة عسكرية تقليدية مع جيش اخر ، فالامر لا يحتمل احاديث كثيرة ولا خططا تعتمد التلاعب بمعايير النصر والهزيمة وان جرت فهى لا تستطيع البقاء فى التداول ، اذ النصر والهزيمة يكون كلاهما بينا وفقا لنتائج المعارك التى يصعب اخفاؤها ، لكن الامر يختلف فى حالات الهزيمة لجيش محتل امام مقاومة ، اذ هزيمة هذا الجيش هى هزيمة لارادته على استمرار القتال ولروحه المعنوية وفشل تحقيق هدف القدرة على البقاء على الارض التى يحتلها ، هنا يكون امام مثل هذا الجيش وقيادته السياسية والعسكرية فرصة للتلاعب بمفاهيم وحسابات النصر والهزيمة ، ولعل واحدا من اهم النماذج على تلك "اللعبة" فى العصر الحديث من هزيمة قوات احتلال وانسحابها دون اعتراف رسمى بالهزيمة هو ما جرى للقوات الامريكية فى فيتنام ، اذ قام الاستراتيجى المخضرم هنرى كيسنجر بوضع قواعد ومفاهيم واسس لمثل هذا الانسحاب المذل ، دون ان يبدو كذلك ، والتى اطلق عليها فكرة "الفجوة السحرية" ، كانت الادارة الاستراتيجية والسياسية فى الولايات المتحدة ، قد وصلت الى نتيجة مفادها ان قوات الاحتلال الامريكية قد منيت بالهزيمة وانه لا سبيل لتحقيق النصر ، وهنا جرى "اخراج" الامر وفقا لصيغة تفاوضية مع قيادة المقاومة الفيتنامية ، تفصل بين انسحاب القوات الامريكية وبين استيلاء قوات المقاومة على السلطة فى فيتنام الجنوبية بفارق زمنى يصل الى العام ، تكون خلاله القوات الامريكية قد انسحبت وفقا للاتفاق لا تحت ضغط الهزيمة المعلنة المباشرة ، وليبدو الامر فى ملخصه لحظة اجتياح المقاومة لقلاع السلطة التى كانت شكلتها قوات الاحتلال فى فيتنام الجنوبية وكانه هزيمة لتلك السلطة على يد المقاومة وليس هزيمة للقوات الامريكية.
العراق منتصر
ولذا ، فان ما يجرى الان فى العراق من بدء سحب المعدات او من اعلان تعدد مواعيد خطط الانسحاب او من ان الانسحاب يجرى انفاذا لوعد اوباما لناخبيه..الخ ، ليس الا الاخراج لاعلان هزيمة القوات الامريكية فى العراق ، اذ كل ما يجرى لا يهدف الا للفصل بين الهزيمة الحقيقية على ارض العراق لقوات الاحتلال ، وبين عملية الانسحاب.
وواقع الحال ، ان اساليب الخداع والتمويه على الهزيمة الامريكية فى العراق ، ومحاولة الخروج بأقل الخسائر وفق مقولة ذهاب الاحتلال عسكريا مع بقاء العراق محتلا سياسيا او وفق نمط من احراق البلد بمن فيه المهم الا نخرج منهزمين ، لا تقتصر على الاعيب الفصل بين الهزيمة والانسحاب وانما هى ايضا تجرى تحت ستارة كثيفة مقصودة من الاحاديث حول ضعف قوة المقاومة العراقية وقلة اعداد القتلى من الجيش الامريكى فى العراق وتحسن الامن وبناء سلطة سياسية فى العراق وفق اليات ديمقراطية..الخ ، كما هى تجرى تحت ستار من الاحاديث حول الانسحاب الامن ومنع تدهور الاوضاع فى العراق ، حتى يبدو الاحتلال وقد حقق هدفا يتطلب المحافظة عليه.
وفى ذلك يبدو الاهم هو ما يقال عن ضعف نشاط المقاومة ، وقلة اعداد الجنود الامريكيين القتلى استنادا الى ما تصدره وزارة الدفاع الامريكية من بيانات واحصاءات ، واذا كانت الاحداث والتجارب التاريخية قد اثبتت ان الولايات المتحدة لا تذكر عدد قتلاها الحقيقيين –كما ظهر عليه الامر عقب نهاية العدوان على فيتنام – فان الاهم انه وحتى مع افتراض صحة تلك الارقام ( وهو افتراض تكذبه وقائع العمليات المصورة التى تبثها فصائل المقاومة بالصوت والصورة ) فان المقولة التى اوردناها للباحثين الامريكيين انفة الذكر تشدد على ان المقاومة لا تحتاج لنصر عسكرى لكى تحقق اهدافها او هدفها فى طرد الاحتلال ، وانما هى تحتاج فقط للاستمرار ولتعبئة الشعب ضد الاحتلال ، ولذلك يمكن القول بامانة ودقة علمية ، بان الخروج الامريكى من العراق هو خروج المهزوم بغض النظر عن خطط الخروج المطروحة وعن الاعيب الخداع والتضليل المتبعة .
المقالة تعبر عن رأي كاتبها
ح
بدء انسحاب أمريكا .. هل انتصر العراق ؟ / طلعت رميح
