هيئة علماء المسلمين في العراق

هل تندلع الحرب بين الأكراد والعرب ؟ / بقلم : الدكتور محمد عاكف جمال
هل تندلع الحرب بين الأكراد والعرب ؟ / بقلم : الدكتور محمد عاكف جمال هل تندلع الحرب بين الأكراد والعرب ؟ / بقلم : الدكتور محمد عاكف جمال

هل تندلع الحرب بين الأكراد والعرب ؟ / بقلم : الدكتور محمد عاكف جمال

في تصريح ملفت للنظر لوكالة أسوشيتد برس في الخامس عشر من فبراير الجاري عبر رئيس وزراء ( إقليم كردستان ) العراقي ، نيجيرفان البارزاني ، عن عمق الهوة التي تفصل أربيل عن بغداد ، وعن حجم الود المفقود والتشكيك بالنوايا بين الطرفين. فقد قال « إن على الولايات المتحدة أن تضغط على بغداد من أجل حل المشكلات مع الأكراد ، وبخلاف ذلك هناك احتمال باندلاع حرب مع العرب » ، وقد رافق هذا التصريح تصريحات أخرى شارك فيها أكثر من مسؤول في الإقليم تضمنت نقداً وتجريحاً بالمالكي رئيس الوزراء ، في حين ارتأى مسؤولون أكراد آخرون بأن هذه التصريحات قد تسهم في تعقيد الأزمة.
والحقيقة أن هذا التصريح هو تحصيل حاصل لما وصلت إليه العلاقات بين التحالف الكردستاني وبين أطراف أخرى أبرزها حكومة المالكي ، كما أنه جاء بعد أن حصل المالكي على موقع أقوى حين فازت قائمة ائتلاف دولة القانون التي يتزعمها في انتخابات المجالس المحلية في أغلب محافظات الوسط والجنوب.
كان الرد الأميركي على طلب البارزاني في منتهى الوضوح ، فقد علق المتحدث باسم الخارجية الأميركية روبرت وود قائلا ( إن على المواطنين العراقيين أن يعتمدوا على نظام بلدهم الديمقراطي بالعمل على حل خلافاتهم ، وليس على الولايات المتحدة ) ، وقد استقبل بعض المقربين من رئيس الوزراء العراقي تصريح البارزاني بمنتهى الاستياء على الرغم من أن بغداد لم تبد موقفاً رسمياً من هذا التصريح.
خاضت بعض الحركات الكردية في العراق ، في فترات متقطعة من العقود الثمانية المنصرمة ، صراعات مسلحة عديدة مع الحكومة المركزية ، إلا أنها لم تكن حروباً بين العرب والأكراد ، فقد كانت بسبب خلافات بين حكام ، لم يكن بعضهم موضع ثقة العراقيين، يرون في طروحات هذه الحركات خطراً على وحدة العراق ، وبين قيادات كردية لم يكن هنالك إجماع كردي على الاصطفاف خلف أجندتها.
فقد قاتلت فصائل كردية عديدة مع القوات الحكومية ، كما وجدت الحركات الكردية المسلحة ، في مختلف الأوقات ، تعاطفاً من جانب عدد من الشخصيات والأحزاب العربية في العراق، وليس من الإنصاف أن نختزل تلك الصراعات بالقول أنها كانت حروباً عرقية بين العرب والأكراد ، وإذا اندلع قتال في المستقبل ، كما يتوقع البارزاني ، وأرجو مخلصاً أن لا يحدث ذلك ، فهو لن يكون خارج هذا السياق ، وليس بين العرب والأكراد.
يعكس تصريح البارزاني خللاً خطيراً في أسلوب التعاطي مع المنهج الديموقراطي ، فلِمَ اللجوء إلى التهديد بلغة الحرب ؟، ولم اللجوء إلى طلب حماية الولايات المتحدة ؟ ، فالاطمئنان على مستقبل أكراد العراق مرهون بالسياسات التي تنتهجها قياداتهم ، وليس غير ذلك ، الخلافات لها أساليب وطرائق عديدة للحلول ، وفي ظل الأنظمة الديمقراطية لا مجال للحديث عن الحرب أو استخدام القوة ، فهي ليست من آليات العمل الديمقراطي ، فهناك الحوار المباشر ، أو الحوار عبر وسيط ، أو عبر جهة تحكيمية ، أو إحالة الخلاف إلى إحدى المنظمات الدولية ، أو تأجيل البت فيه لفترة معينة.
الحديث بين الشركاء في العملية السياسية ، بل الحلفاء الذين جمعتهم معارضتهم وعداؤهم للنظام السابق ، ينبغي أن يكون من منطلق الإيمان بأن آليات المنهج الديمقراطي لا تقتصر على توفير غطاء شرعي لتبوء منصب معين، وإنما تنسحب ، وهو الأهم ، على استبعاد أي أسلوب للتعامل مع الفرقاء الآخرين لا يستند إلى الحوار الهادئ البناء وفق الثوابت الوطنية لتجاوز المشاكل العالقة ، أو المشاكل التي تحدث في الطريق.
كما أن النظام الديموقراطي لا مجال فيه لطروحات تنبع من نعرة عرقية ، سواء كانت عربية أو كردية أو تركمانية أو آشورية ، فرغم أن الخلافات بين أربيل وبغداد كبيرة ومتشعبة بسبب التباين في النوايا والأهداف ، إلا أن من يضع وحدة العراق نصب عينيه لا يعتبرها خطيرة ، فمدينة كركوك ، وهي أبرز محاور الخلاف ، هي ملك أهلها مهما تنوعت وتباينت أهواؤهم ومشاربهم.
لقد خسر الأكراد على مدى السنوات الماضية ، ومنذ سقوط النظام السابق ، الكثير من التعاطف بسبب مواقف بعض القيادات الكردية وتصريحاتها غير المدروسة التي لا تنسجم مع الطروحات الديمقراطية والتي تفتقر إلى الانتماء إلى العراق ، وتفتقر كذلك إلى النضج وبعد النظر.
الفيدرالية ليس لها أنصار كثر في العراق ، وها قد شهدنا حتى الآن تجربتين رافضتين لها، الأولى حين وضع مواطنو البصرة الفيتو على مشروع الفيدرالية الخاص بمحافظتهم ، والثانية حين هزم مواطنو الوسط والجنوب التيارات السياسية التي تتبنى الفيدرالية في أجندتها خلال في انتخابات مجالس المحافظات التي جرت في الحادي والثلاثين من الشهر الماضي.
والحقيقة إن رفض الفيدرالية في التجربتين آنفتي الذكر قد تأتيتا من الانطباع السلبي الذي تكون لدى معظم الناس عن معنى الفيدرالية من خلال سياسات القيادات الكردية نفسها التي أمعنت في النأي عن العراق فمنحت المالكي ذريعة قوية للدعوة إلى إجراء تعديلات في الدستور تطال صلاحيات الأقاليم والمحافظات وتعزز دور الحكومة المركزية ، ومنحته كذلك حلفاء أقوياء يساندونه في هذا التوجه رغم اختلافهم معه في قضايا أخرى.
إن الدستور هو الحكم والمرجع في حل الخلافات بين الفرقاء ، كما ذكر القادة الأكراد في مناسبات عديدة ، لكنه في الوقت نفسه ليس غير آلية لحفظ التوازن في المجتمع ، وصناعة بلد قوي متقدم وليس أداة للإجهاز عليه وشرذمته ، كما أن الدستور ، في أية بقعة من العالم ، ليس كتاباً يضم نصوصاً جامدة لا حياة فيها ولا تخضع لإعادة النظر.
ولعل الجميع على علم بأن الدستور العراقي قد كُتب في ظل ظروف شاذة شهدت احتقانات واصطفافات أوصلت البلد إلى بوابات الجحيم ، وليس مما يتناقض مع الموضوعية أن تلقى الدعوة إلى إعادة النظر به ترحيباً من لدن أوساط واسعة في المجتمع العراقي الذين جربوه على مدى السنوات الماضية وعانوا من التباساته وألغامه ، سيما وأن المادة 142 من بابه السادس تسمح بذلك.
المقالة تعبر عن رأي كاتبها
ح

أضف تعليق