هيئة علماء المسلمين في العراق

من قصر الحمراء إلى أمّ القرى .. الحقُ الـمَسلوب وتَنَطُع الصِّغار / جهاد بشير
من قصر الحمراء إلى أمّ القرى .. الحقُ الـمَسلوب وتَنَطُع الصِّغار / جهاد بشير من قصر الحمراء إلى أمّ القرى .. الحقُ الـمَسلوب وتَنَطُع الصِّغار / جهاد بشير

من قصر الحمراء إلى أمّ القرى .. الحقُ الـمَسلوب وتَنَطُع الصِّغار / جهاد بشير

في الأيام التي زامنت سقوط غرناطة كان أبو عبد الله الصغير ( آخر ملوك غرناطة سُمي بالصغير حتى يميز عن أبي عبد الله بن الأحمر مؤسس المملكة ) صغيراً بكل معنى الكلمة ، ومن ما سجله التأريخ في حقه منقصة تدنيس قصر الحمراء من قبل جنود جيش فرناندو ( قائد الصليبيين ) الذي أنهى غرناطة بعد أن سلمهم اياها الصغير عن طريق اتفاقية جرت بينهما تقتضي التنازل عن غرناطة مقابل الإبقاء على حياته ..! ، وخرج منها ذليلا حتى أنه لم يتمكن من أن يأخذ عباءته وعصاه اللّتين هما الآن في أحد متاحف اسبانيا ، ويصف الأوربيون اليوم التلة التي بكى عندها الصغير حين خرج من المملكة بأنها زفرة العربي الأخيرة ..!
وقد وطأت أقدام الجنود الصليبيين باحات مساجد غرناطة وحرماتها وفي مقدمتها الحمراء الذي يعد رمز الوجود الإسلامي في الأندلس ، حدث ذلك حين تخلى الصغير عن موسى ابن أبي الغسان ( كبير فرسان غرناطة ) ولم يؤيده في حق المقاومة والدفاع حتى آخر نفس ، ولم يحاول الحصول على مرتبة الشرف التي نالها موسى حين واجههم وأثخن الجراح في سرية من جيش فرناندو ، لكنهم حملوا عليه فقتلوه والقوا جثته في النهر .
أشباه أبو عبد الله الصغير اليوم كُثُر ، ولعل بغداد وغرناطة مرايا لبعضهما عبر خط التاريخ ، فالصليبيون نفسُهم ، والصغار المتخاذلون ذاتُهُم ، وأشباه موسى بن أبي الغسان بفضل الله وفرة لا تنقَطع .!
الصورة التي نشرتها من قريب وكالات الأنباء وفي مقدمتها ( رويترز ) والتي تحوي عدداً من جنود الإحتلال الأميركي الصليبي في باحة جامع أم القرى الذي كان رمزاً من رموز الممانعة والصمود والمقاومة قبل أن يُسلَبَ مِن أهله الذين رسموا مساره عبر سنوات الإحتلال على أنه النجم اللامع في سماء رفض الإحتلال ومناهضة وجوده ، الصورة آنفة الذكر تشبه إلى حد كبير صورة ما حدث لغرناطة قبل قرون مضت ..!
قصر الحمراء غدا متحفاً ومزاراً تاريخياً بعد أن خذله الصغير ومن كان في بطانته من الجبناء طلاب الدنيا على حساب الآخرة ، ولم يحافظوا لا على قدسيته ولا على موقعه ، وأم القرى اليوم سلَّمه الصغار المعاصرون ـ بعد أن سلبوه ـ إلى جنود الإحتلال يسرحون ويمرحون فيه دون مراعاة لحرمة بيت من بيوت الله يلوثه الصليبيون ، أولئك التافهون يحسبون هذا الأمر هيناً وهو عند الله عظيم .
تبقى هناك مقارنات بين غرناطة وبغداد ، وبين الحمراء وأم القرى ، وبين الصغير وصغار اليوم يجب أن تعطى حقها ، فهي تتشابه في مواطن وتختلف في اخرى ، فالمرايا عادة ما يصيبها خدش أو غبار .
غرناطة على الرغم من صمودها لأربعة قرون تنافح الصليبيين دون أن يتمكنوا من كسر شوكتها ابتلاها الله بملك ذليل باعها من أجل أيامِ معدودات ٍ من حياته التي انتهت دون ان ينتهي ذكرها السيء ، أما بغداد بعد الإحتلال ففيها من القادة المرابطين ما يجعل موسى بن أبي الغسان يفتخر أن في أمة الإسلام أمثالهم خصوصا ً وأنّه قضى شهيداً حين كان يصد هجوم الصليبيين وحده ، بعد أن أيسَ كثير من الفرسان والمقاتلين من جدوى صدهم ، وما ذاك الا بسبب خذلان الصغير لهم ، فرسان بغداد اليوم أيِسَ اليأسُ من الولوج إلى قلوبهم ، فولى هارباً ليجر بعده جيوش الإحتلال التي بدأت تشد رحالها ايذاناً بالهزيمة التي قصمت ظهورهم طول السنوات الست الماضية إثر ضربات المقاومة التي ما فتئت تسددها .
قصر الحمراء كان قبل احتلاله مكان انطلاق المجاهدين ، وموضع رسم الخطط التي تسير على وفقها جيوش المجاهدين في صدهم لإعتداءات الصليبيين المتكررة والتي كانت تلاقي صلابة وصموداً قلّ نظيره ، وأمّ القرى حين كان أهله فيه يُعد مدرسة في مناهضة الإحتلال وممانعته ، والتصدي لمشاريعه ، وفضح جرائمه ، وكشف مخططاته ، ودعم وتأييد مقاومته ، فضلاً عن كونه ميداناً للعلم الشرعي فالقاطنون فيه هم علماء العراق الذين  تشرفوا بحمل ميراث لأنبياء ، ورفع راية الإسلام في زمن الحرب الصليبية المعاصرة التي تقودها أميركا ومن حالفها سواء دول الغرب أو صغار القُرْب من العملاء والمتخاذلين ، وبعد احتلاله غـدا مسرحاً لجنود الإحتلال يدخلونه متى شاءوا ، من غير أن يكلفوا أنفسهم عناء فك رباط أحذيتهم حين يلجون الى داخله على مرآى ومسمعٍ من مُتنطعينَ هم اليومَ أصغر من أبي عبد الله الصغير بائِعِ غرناطة ، وكأن جنود الإحتلال الأميركي حين يدخلون أمَّ القرى يعيدون تاريخ أسلافهم حينما ضحكوا على سذجٍ هناك ، يضحكون اليوم على سذجٍ هنا يعملون تحت أيديهم ويكونون طوع أمرهم .
والصليبيون بهذا الفعل سواء من دنّس الحمراء أم من دنّس أم القرى يبتغون من هذا الصنيع أموراً ثلاثة ، أولها انتهاك حرمات المسلمين ، وثانيها إشعار الناس ظاهراً أن المقاومة والممانعة غدت ضعيفة أو هي الى التلاشي أقرب خصوصاً حينما يكون في الواجهة أناس من جلدة المسلمين يختصرون الطريق عليهم في النيل من المقاومة وتجهيز القوى لمحاربتها تحت مسمى الصحوات وما أشبهها اليوم في العراق ، وبحجة التهلكة وعدم جدوى الصد والدفاع لأن الجيوش مسلحة بما يفوق قدرة جيوش المسلمين أضعافاً أمس في غرناطة . وثالثها الإشعار بأن الإسلام دين الخنوع ، والتخاذل ، والتنازل عن المبادئ ، وأن الإسلام دين لا ثوابت فيه ولا حدود ، ومما يزيد في هذا وجود الرويبضات الذين نصّبوا انفسهم متحدثين باسم الإسلام ، يشرعون بألسنتهم ما يحلو لهم بحجة المصالح والمفاسد ، وأيديهم لا تفارق بذلاتِ جنود الإحتلال تشبثاً بها ، خوفاً من التخلي عنهم ، حين يكون هؤلاء تحت الضوء المسلط على مصادر المسلمين في التلقي ، ويعدون أنفسهم هم المشرعين لنظم الإسلام  ، ويكونون أمام الناس هم ممثلو المسلمين وقادتهم تكون الصليبية قاب قوسين أو أدنى من تحقيق كبرى مآربها في وأد الهوية الإسلامية وكل معانيها ومظاهرها الحقيقية وبالأخص تحقيق مبدأ طالما ركزّت عليه أن لا ثوابت ولا خطوط حمراء ، وأن ينسى المسلمون كلمة لا .! وغرناطة دون التاريخ تشهد .
أبو عبد الله الصغير بعد أن أتم الصفقة خذله فرناندو ، فقد كانا قد اتفقا أن يسلمه غرناطة مقابل أن يسمح له ولأهله بالخروج سالمين آمنين على حياتهم ويطلق سراح ولده الأسير لديهم ، ويكف عن قتل وأسر أهل غرناطة فلما دخل الصليبيون ورفعوا الصليب فوق قصر الحمراء أخرجوا الصغير وأهله بِذلة ما جعله يبكي ، وما لبث أن خرج حتى جيء بجثة ابنه تقطر دما ً ..! ومن هنا ندرك سبب توبيخ والدته له : " أجل فلتبكِ كالصغار مُلكاً لم تحافظ عليه كالرجال " ، ثم طَفَق جنود الصليب بأهلِ غرناطة قتلاً وأسراً .
صغار اليوم ليسوا صغاراً فحسب بل هم دون ذلك ، لدرجة أنهم لا يعتبرون من التاريخ ، والأشد صغاراً  أنهم لا يعتبرون من أحدث تجري على الأرض ، ووقائع تحدث يُخذلون فيها ولكن لا معتبر ، فسّنة الله عز وجل في خلقه أن الله يأبى إلا أن يذل من يوالي غيره ، ويناصب العداء لأوليائه ، ويسعى في الأرض فساداً ، من صد المقاومة  والسعي لإطفاء جذوتها  ووصمها بالإرهاب ، وبيع المقدسات ، والتمادي في نقض عقيدة الولاء والبراء تحت مسميات باطلة ما أنزل الله بها من سلطان ..!
والمتأمل يجد الكثير من المعاني بين المشهدين ، ويستطيع إجراء مقارناتٍ أخرى فيها من التشابه والتماثل في الأحداث والمواقف ما يجعلنا نوقن بأنه ما دام العراق اليوم يسير باتجاه هزيمة أميركا ومن جاء معها ومن رضي أن يكون من أدواتها على كافة الصعد ، فإن استعادة الفردوس المفقود أمر يصبح ضمن مسار الإمكان ، قابِل للتحقيق ، خصوصاً وأن التاريخ يدور وأحداثه تعيد نفسها ، وحين تستعيد الأمة كرامتها وتلفظ الصغار والمتنطعين ، يعلو شأنها ، وترتفع مكانتها ، وتصبح مؤهلةً لأن تتسلم زمام قيادة العالم من جديد ، فتعود الحقوق لأصحابها ، وتتهيأ الجحافل للتغيير وفق سنة الله الجارية (( كتبَ الله لأغلِبنَّ أنا ورُسُلي إنّ الله قويٌّ عزيزٌ )) .
المقالة تعبر عن رأي كاتبها
ح

أضف تعليق