ما يحدث في الساحة الاسرائيلية هذه الأيام لا يختلف كثيرا عما حدث مع ألمانيا قبل الحرب العالمية الثانية، فصعود صقور الفاشية وعلى رأسهم ليبرمان في الانتخابات الاسرائيلية يشبه كثيرا صعود نجم هتلر ومعه الحزب النازي في حقبة الثلاثينات في ألمانيا.
والقاسم المشترك بين الحدثين أن لا حديث عن فرص السلام والتعايش في الدولتين مع الجنوح التام الى القومية المتطرفة.
وإذا كانت النهاية معروفة لما آلت اليه النازية وما جنته على العالم فإنه لا أحد بإمكانه توقع ما سيجلبه رؤوس الفاشية الثلاثة الفائزين بانتخابات اسرائيل على الشرق الأوسط الملتهب.
فقد عادت كتلة الجناح اليميني بقوة، وهي التي كانت تحتل موقع المعارضة على مر الأعوام الثلاثة الماضية، وتجد نفسها الآن تقترب من سدة السلطة.
أما أفيجدور ليبرمان - وهو من الصقور، وخاض حملته رافعا شعار طرد عرب إسرائيل من البلاد وعدم التهاون مثقال ذرة تجاه حماس في غزة وحزب الله في لبنان والقدرات النووية الإيرانية - فإنه يبرز كرئيس لحزب قومي متطرف قوي.
ويمكن القول إن جناح اليمين بات الآن قويا مثلما كان في 2003 تقريبا عندما كان يملك غالبية المقاعد (69 مقعدا) في الكنيست منها 38 مقعدا لحزب الليكود الحاكم آنذاك برئاسة رئيس الوزراء آرييل شارون.
وفي حين تجعل الأغلبية اليمينية القادرة على عرقلة القرارات في الكنيست مسألة تحقيق أي اختراق في عملية السلام في الأعوام القادمة تبدو بعيدة المنال فإن هذا التعادل الفعلي بين ليفني ونيتنياهو قد أثار المخاوف أيضا من حدوث حالة من الشلل السياسي الداخلي في إسرائيل.
وواقع الحال يقول إن الرئيس الإسرائيلي شيمون بيريز - الذي يتعين عليه اختيار مرشح لتشكيل الحكومة الجديدة في غضون الأيام القادمة - يواجه قرارا صعبا.
والمرشح الأكثر احتمالا سيكون نيتنياهو، لكن في الوقت نفسه سيكون من الصعب على بيريز تجاهل الإنجاز غير المتوقع من جانب ليفني بحصولها على أكثر المقاعد.
والآن هناك احتمالان رئيسيان ممكنان بالنسبة لتشكيل الائتلاف: ائتلاف يميني بقيادة الليكود الذي يتزعمه نيتنياهو أو حكومة وحدة وطنية موسعة تتألف أساسا من الليكود وكاديما سواء كانت برئاسة نيتنياهو أو ليفني أو بالتناوب بينهما كل عامين.
لا شك في أنها عملية معقدة تنتظر الدولة العبرية سواء كان من سيكلف بمهمة تشكيل الحكومة الإسرائيلية أو الخيار السياسي للنظام القادم هو طريق التطرف أو طريق الاعتدال.
لكن مهما تكن نتائج تلك الخيارات فإن حصيلة ما أفرزته الانتخابات الاسرائيلية -كما وصفته حماس- لا يخرج عن كونه ثلاثة رؤوس للارهاب. ولا شك في أن الخاسر الأكبر هو السلام في المنطقة.
ليفني.. حفيدة أرغون
إنها الحالمة بالمضي على خطا رئيسة الحكومة الإسرائيلية السابقة غولدا مائير. فعلت كلّ ما بوسعها من مناكفات ومزايدات من أجل إزاحة منافسيها وخصومها من طريقها. أدركت أنّ فاتورة الصعود إلى أبرز مواقع القيادة في الدولة العبرية لا بدّ أن تكون مدفوعة بالدم الفلسطيني، فاستأثرت بإعلان الحرب على غزة رغم أنها وزيرة الخارجية، عندما توعّدت الفلسطينيين من القاهرة بقولها "كفى يعني كفى". وبعد يومين من ذلك جاءت الغارات المباغتة.
هي تسيبي ليفني، زعيمة حزب كاديما، لم يأت تشددها من فراغ، ذلك أنّ تسيبورا، وهذا هو اسمها في الأصل، وليس تسيبي، مولودة لأبوين من عصابة أرغون الإرهابية التي نشطت قبل قيام الدولة الإسرائيلية، وهي التي تعتبر من أكثر المنظمات الصهيونية المسلّحة تطرّفاً.
وعلى نهج أبويها نشطت الشابة ليفني في منظمة شبيبة بيتار اليمينية المتطرفة حتى أنها خاضت المظاهرات ضد الانسحاب الإسرائيلي من سيناء سنة 1982.
عملت ليفني وزيرة للخارجية إلى جانب قادة كاديما من آرائيل شارون إلى إيهود أولمرت دون أن تفارق عيناها ذلك المقعد المميّز بطوله الذي يتوسّط طاولة الاجتماعات الحكومية.
وربما تشعر اليوم أنها باتت أقرب إلى تحقيق منالها برئاسة الوزراء من أي وقت مضى، وإن بدا لها أيضاً أن خصمها بنيامين نتنياهو قد يتمكن من حرمانها فرحة التتويج بالنصر الانتخابي إذا ما نجح حقاً في تشكيل ائتلاف حكومي.
تآمرت طويلاً على أولمرت الضعيف والمأزوم سواء داخل الحزب أو الحكومة حتى ابتلعت قيادة الحزب لقمة سائغة في الثامن عشر من أيلول/ سبتمبر الماضي. ثم خاضت مناكفاتها العلنية مع وزير الحرب وزعيم حزب العمل إيهود باراك عندما أخذت تصعِّد مزايداتها عليه قبيل الحرب على غزة.
لقد برهنت، وفق بعض المراقبين، على انتهازية فائقة، وأتقنت القيام بالأدوار التي ستحظى من خلالها بوصف المرأة الحديدية الجديرة بالقيادة الإسرائيلية.
مع ذلك، فإنّ المتاعب ستكون بانتظارها بموجب نتائج الانتخابات التي تضمن عدم قيام أية حكومة قوية، حتى حزبها ظلّ هشاً إلى درجة ورود تقديرات توقعت تآكل الحزب وانهياره إذا ما لحقت به الهزيمة في الانتخابات.
ولا يأتي ذلك من فراغ، فليفني تقود حزباً بلا هوية حقيقية ولا تقاليد داخلية، إنه الحزب المنشق عن الليكود المصنّف في يمين الخارطة السياسية الإسرائيلية.
وفي واقع الأمر فإنّ كاديما ليس حالة انشقاقية بمعنى الكلمة؛ لأنّه أريد له أن يستجمع ثقل الليكود بما يجعله محاولة لإعادة إنتاج حالة ليكودية بعيداً عن عقائديي الحزب في مركز الليكود الذين كبّلوا شارون في أيامه الأخيرة، فاتجه إلى تأسيس بيت سياسي جديد بلا لون أو مذاق.
يمثل كاديما محاولة للتقدّم إلى الأمام، وله في ذلك من اسمه نصيب.. هي محاولة للتخلص من جلد الأفعى بآخر جديد ذي مظهر مختلف، مع بقاء الجوهر على حاله.. إنه حزب يتغنى بالتموضع في وسط الساحة السياسية، لكنّ ذلك يبدو تكتيكاً لمحاولة قضم النسب المئوية من ناخبي الليكود والعمل على يمينه ويساره.. لا يلوِّح الحزب بأفكار أو أيديولوجيات محدّدة باستثناء الولاء الصهيوني، بما يجعل الشخص هو الذي يهيمن عليه مع غياب الفكرة.
بهذا كانت ليفني في مركز الدعاية الانتخابية، وهو ما فعله عدد من الأحزاب المتنافسة في الجولة الانتخابية التي أبرزت الوجوه على حساب البرامج والمقولات.
وفي شعاراتها حاولت ليفني التعبير عن التجديد المستند إلى التواصل مع الجيل الصهيوني الكلاسيكي، فكان استصحاب صورة مؤسس الحزب آرائيل شارون مع صورتها في الدعاية الانتخابية. وبالطبع، فلا مكان هنا لإيهود أولمرت الذي يُعدّ العبء الأكبر على كاديما وقيادته الجديدة.
وإذا ما نجحت ليفني في تشكيل الحكومة القادمة بالفعل، فإنها ستحقق طموحها بأن تغدو غولدا مائير الجديدة، لكنّ عليها في هذه الحالة -إن أرادت التماثل مع تجربة رئيسة الوزراء السابقة- أن تنتظر هزيمة عسكرية مريرة أسوة بخبرات مائير التي دشنّت سجل الانهيارات العسكرية الإسرائيلية عندما حلّت على الإسرائيليين صبيحة يوم الغفران التي وافقت السادس من تشرين الأول/ أكتوبر 1973.
نتنياهو.. ابن نصوص الأساطير
من خلال التتبع المتأني لتجربة وسيرة بنيامين نتنياهو، في وسع المرء أن يلاحظ أنه افتتح اثنين من مستجدات الدولة العبرية ومنافساتها الانتخابية: كان أول من يتسلم مقاليد الحكم من اليهود الذين وُلدوا بعد ولادتها، ثم إنه في حملته الانتخابية التي حققت له الفوز في العام 1996 كان أول من اعتمد لغة الحملات الأمريكية، بكل فظاظتها، على النحو الذي يكسر تقليداً يهودياً في منافسات الأحزاب والساسة الذين كانوا يتحاشون التجريح الشخصي في حملاتهم الانتخابية.
ففي تلك المنافسة استعان نتنياهو بمهارات خبير حملات الحزب الجمهوري الأمريكي آرثر فينكلشتاين الذي ضمن له شرشحة الناطور قبل أكل العنب.
وفي ذلك الوقت استحث نتنياهو نقداً مريراً على الرغم من فوزه، لتتكرس حقيقة سفاهته المنفلتة في الحياة وفي السياسة.
ومن المفارقات أنه بعد أن غنم فوزاً غير متوقع، وألحق الهزيمة بالذئب العتيق شمعون بيريز الذي يغدر ولا يتسافه، دارت على نتنياهو الدوائر بعد ثلاث سنين، ليداويه الجنرال باراك بالتي كانت هي الداء. فقد امتشق الأخير سلاح التجريح الشخصي، وشل عرضه، وألحق به الهزيمة قبل عشر سنوات من الآن الذي نشهد فيه تراجع باراك الى حجم فأر في الانتخابات الأخيرة!.
ولد بنيامين نتنياهو بعد إعلان قيام الدولة اليهودية، وبعد اطمئنان والده أستاذ التاريخ اليهودي الى وجود إسرائيل. ويبدو أن أبا بنيامين اختار هجرة أخرى الى أميركا لكي يتابع فعاليات تعزيز الدولة لكي تغزو وتتوسع.
كان نتنياهو في الرابعة عشرة من عمره عندما استقرت الأسرة في بنسلفانيا في ضواحي فيلادلفيا. وما أن يكبر أي من الأولاد حتى يرسلوه للالتحاق بالقوة الإسرائيلية الخاصة دون غيرها.
قُتل شقيق بنيامين الأكبر برصاص الشهيد الحاج فايز جابر ورفاقه أثناء الإغارة على الفدائيين في مطار عنتيبي في أوغندا. والتحق بنيامين بالجيش في العام 67، وتركه بعد خمس سنوات حين عاد للدراسة في أميركا.
حاز على تأهيل في الهندسة والإدارة والعلوم السياسية متقلباًً بين الاختصاصات، كما تقلب لاحقاً بين ثلاث زوجات، فلاحقته النميمة بسبب إحداهن حين أصبح في أوج صعوده السياسي!.
كانت جردة التجربة الأولى له - كأول رئيس حكومة يولد بعد ولادة إسرائيل، وكأصغر رؤساء الحكومات سناً في تاريخ الدولة العبرية - خليطاً من المتناقضات: متطرف يتهمه المتطرفون بالتفريط بعد اتفاق الخليل، ابن نصوص الأساطير الجامدة المترفعة عن متاع الدنيا، ومتهم بالفساد، مسكون بهاجس الصراع وانشغالاته التي لا تُبقي هامشاً لأكثر من امرأة، فإن خرجت واحدة من حياته تدخل أخرى، فائز يَعِدُ بالمزيد من سياسات القهر وسد الأفق، ومهزوم يتنحى عن السياسة، عائد الى الليكود، ومتمرد على آبائه في الليكود نفسه، متقمص لشخص السياسي اللين والمستجيب في الغرف المغلقة، وناكث لكل كلام في الهواء الطلق، سخي الوعود لأتباعه، وانتهازي في التعامل مع الآخرين، كذوب، قال عنه ناطق سابق باسم البيت الأبيض جون لوكهارد إنه شخص فوضوي ومخادع، ومن أكثر البشر الذين يمكن أن تقابلهم إثارة للنفور.. تعرفه هيلاري كلينتون من خلال تجربة زوجها معه، ولعل حقيقة أمره هي التي جعلت الرئيس أوباما يتجرأ على القول أمام حشد من الصهاينة في شيكاغو: ليس بالضرورة أن أكون ليكودياً لكي أبرهن على تأييدي لإسرائيل!.
ليبرمان.. رأس الحربة الفاشية
رغم أنّ الناخبين منحوه أصواتاً أقل من التوقعات التي رسمتها استطلاعات الرأي إلاّ أنّ أفيغدور ليبرمان قد لا يكون سوى الرابح الأكبر من الاقتراع الإسرائيلي العام الذي أجري الثلاثاء العاشر من شباط/ فبراير 2009.
فزعيم حزب "إسرائيل بيتنا" لم يحصل على العشرين في المائة من المقاعد الموعودة في الاستطلاعات، بل على أربعة عشر فقط، لكنّ حقيقة أنه بات القوة الثالثة في المشهد البرلماني الإسرائيلي تجعل منه الرقم الصعب في المعادلة السياسية، فهو اليوم الذي يقرِّر أي الكفتين المتكافئتين ستترجّح.
وفي كلّ الأحوال يمنح صعود ليبرلمان إلى صدارة المشهد السياسي وجهاً فاشياً للبرلمان والحكومة بالدولة العبرية، ذلك أنّ ليبرمان اشتهر بعباراته العنصرية ضد العرب، وبدعواته الصارخة للطرد الجماعي لفلسطينيي 48، وقتل نوابهم في البرلمان الإسرائيلي إذا ما قابلوا أعضاء الحكومة الفلسطينية المنتخبة التي شكّلتها حركة حماس عام 2006.
لكنّ الأمر يتعدى مجرّد عبارات مبعثرة أطلقها ليبرمان إلى كونها معالم لخطابه السياسي المتطرِّف ذي الطابع الفاشي، فهذا المهاجر اليهودي الجورجي المتحدث بالروسية القادم إلى فلسطين المحتلة في سنة 1978 من الاتحاد السوفياتي يعبِّر عن مخزون القوة التصويتية المتنامي لليهود الروس المستجلبين من الاتحاد السوفياتي السابق.
ويبدو واضحاً للمراقبين كيف وجد هؤلاء أنّ أقصر الطرق للاندماج في الهوية الإسرائيلية هو العداء العنصري السافر للعرب.
وقد تنامى حضور المهاجرين الروس في المشهد الإسرائيلي بشكل مطرد منذ نهاية الثمانينيات ومطلع التسعينيات من القرن الماضي، وهم يمثلون اليوم حالة غيتو خاصة بهم عنوانها السياسي حزب "إسرائيل بيتنا" بزعامة ليبرمان، وعنوانها الثقافي والإعلامي الحضور غير المسبوق للغة الروسية على حساب العبرية.
أما في الشارع فإنّ الموجة العنصرية تتفاقم بين هؤلاء إلى درجة ظهور شعارات نازية معادية لليهود على الجدران في مناطق تجمّعاتهم، وتشكيل عصابات النازيين الجدد وحليقي الرؤوس من بين شبيبتهم.
وكان من الطبيعي أن يجد ليبرمان المتشدد وبعقيدته الصهيونية المتطرفة في حزب الليكود بيته السياسي ابتداءً قبل أن يمضي إلى تشكيل حزب خاص يعبِّر عن المهاجرين الروس.
وتعكس أطروحات ليبرمان ذروة التناقض عندما يلوِّح بتهجير فلسطينيي 48، في الوقت الذي ينادي فيه بتسهيل تدفق المهاجرين إلى فلسطين المحتلة.
وما ان بات الإسرائيليون على مشاهد حمامات الدم الفلسطيني المرغوبة الآتية من قطاع غزة مع الانعطافة من السنة الماضية إلى السنة الجديدة حتى عزّز ليبرمان من مكانته بينهم.. إنه موسم الحمى المتطرفة التي تجعل الفوز في الجولة الانتخابية محتكراً لمتشددي الذروة.
ولن يكون ذلك كله بلا أثمان باهظة، فصعود ليبرمان إلى صدارة المشهد السياسي الإسرائيلي ودخوله المرجّح إلى التشكيلة الحكومية المقبلة سيمثلان عبءاً كبيراً على محاولات الدولة العبرية تسويق سياساتها في المنطقة العربية والعالم.
فليبرمان الذي تولّى سابقاً الوزارة كان قد هدّد مصر علناً بقصف السدّ العالي في أسوان، كما أنّ عنصريته السافرة ضد العرب لا يمكن توريتها، وبهذا يصعب إغداق أوصاف شريك السلام على قيادة إسرائيلية يمثل هو حجر الزاوية في استقرارها.
وفي الرأي العام العالمي سيضيف صعود ليبرمان سهاماً جديدة إلى كنانة الساخطين على المجازر التي ارتكبتها القيادة الإسرائيلية بحق السكان في قطاع غزة.
وفي رأي هؤلاء المتضامنين مع الشعب الفلسطيني فإنّ ليبرمان ليس وحده السيِّئ في المشهد السياسي الإسرائيلي، لكنه العنوان الصريح لذلك المشهد حيث لا يحصل تجميل للعبارات أو الاكتراث بالعلاقات العامة.
وكالات
المقالات تعبر عن اراء اصحابها
ماذا سيجلب صقور الفاشية على الشرق الأوسط الملتهب؟.. طارق القيزاني
