بعد أقل من عشرين سنة مضت على حرب فيتنام لم يشهد الجيش الأمريكي صعوداً مخيفاً في نسبة الانتحار بين جنوده، ففي حرب الصومال وهايتي عام 1993 بلغت معدلات الانتحار 15.7 لكل 100 ألف جندي من مشاة البرية، ونسبة 20.9 من مشاة البحرية (المارينز).
ثم زادت النسبة في خطورتها في حرب أفغانستان منذ العام 2001 لتصل أوج هلعها في حرب العراق الجارية أيضاً منذ العام 2003.
وقد كثرت الدراسات والتقارير الصادرة من البنتاغون (وزارة الدفاع) عن رصد ظاهرة ارتفاع معدلات الانتحار، وخصص لها طواقم طبية لا سيما في العراق لدراسة الأوضاع والوقوف وراء هذه الظاهرة والحيلولة دون استفحالها وانتشارها.
ان الجيش الأمريكي يمتلك تسع فرق طبية تضم أطباء نفسانيين واختصاصيين اجتماعيين من أجل تقديم المشورة الطبية والنصائح الاجتماعية لمساعدة الجنود على تخطي معاناتهم النفسية الناجمة بسبب الظروف المحيطة بهم.
وفي هذا الصدد كشف مساعد وزير الدفاع الأمريكي لشؤون الصحة الأسبق الدكتور وليام وينكين ويرد عن معاناة ما بين 300 إلى 400 جندي أمريكي من اضطرابات عقلية وأمراض نفسية من بين كل 10 آلاف جندي تم إخلاؤهم إلى خارج العراق لأسباب طبية.
ومن المعروف أن تقارير البنتاغون حول هذا الشأن تشمل فقط علاج الجنود المستمرين بالخدمة الفعلية، وهذا يعني أن حقيقة الأرقام هي أعلى بكثير من تلك المعلنة.
عموماً فان البنتاغون سجل 21 حالة انتحار بين الجنود الذين شاركوا في حرب العراق خلال العام 2003.
ثم أخذت النسبة بالارتفاع التدريجي سنة بعد أخرى لتصل إلى 128 جندياً منتحراً عام 2008، يضاف إليهم 15 حالة انتحار ما زالت تحت التحقيق.
كما ذكرت شبكة سي أن أن الإخبارية الأمريكية في 20-1-2009 أن هذا العدد هو الأعلى منذ بدء عمليات الإحصاء عام 1980.
وعندما يعلن البنتاغون انتحار 24 جندياً خلال شهر كانون الثاني/ يناير المنصرم فان الشهور القادمة من عام 2009 ستكون نسبة الانتحار فيها مفزعة أكثر، وبالتالي تستوجب دراسة موضوعية حقيقية تشخص فيها الأسباب الفعلية لهذه الظاهرة الانتحارية المتفشية بالجيش الأمريكي دون التفافات سياسية أو تبريرات سطحية.
ان الإدارات المتعاقبة في رئاسة جورج بوش (2001-2009) دأبت دوماً على إخفاء الحقائق المتعلقة بشن حروبها وتوريط جيشها بها، بل كانت تزيف الحقائق، وتستخدم سلطتها في تحريف كل ما يكشف خفاياها ونواياها.
وهكذا جاءت عدة دراسات تشير بمجملها إلى أن أسباب الانتحار ترتبط بالعوامل الشخصية: عائلية أو عملية أو إدمان الخ.
وبما أن رئاسة بوش قد ولت وطوت معها صفحتها العدوانية الدموية، وانتهت سطوة بطشها على الكثيرين من المرتبطين بها، لذا نجد أن الدراسة الأخيرة التي صدرت من البنتاغون فيها الصواب الموضوعي.
وتشير إلى أن غالبية المنتحرين هم العائدون من ميدان المعارك في الحروب الأمريكية في الخارج، أي من أفغانستان عموماً والعراق خصوصاً.
وهذا التشخيص يكشف حقاً عن صلب الحقيقة التي كان يخفيها البنتاغون بسبب الأوامر الرئاسية بعدم النشر، ولذلك كانت تقارير البنتاغون السابقة تزعم أن المسببات الرئيسة التي تدفع الجنود للانتحار تعود إلى الضغوط الشخصية خاصة في المشاكل المتعلقة بالحياة الزوجية والإدمان على الكحوليات والمخدرات، بينما الدراسة الجديدة تؤكد عكس ذلك، وتنص على تنامي ظاهرة الانتحار التي تعود الى نشر القوات في الخارج.
ويمكننا أن نضيف هنا نقطة أخرى، ألا وهي مسألة الإيمان لدى الجندي المقاتل، كونها الشحنة الذاتية التي تقوي إرادته، وتزيد من عزيمته وهو يجابه الموت دفاعاً عن الأرض والعرض.
ولكن الجندي الأمريكي يفتقر لهذه المسألة الإيمانية؛ لأنه يقاتل من أجل أهداف وغايات سياسية تتعلق بمصالح هي مطامع بخيرات الشعوب أصلاً، فهو جندي متعاقد يقبض أتعابه، مزود بأحدث الأسلحة الفتاكة، لكن تنقصه روحانية النفس الإنسانية.
لذلك عندما يجد نفسه متورطاً بحرب صنعها قادة بلاده من ناحية، ويكتشف الزيف والتضليل في أسباب اندلاعها من ناحية أخرى، فان الإحباط يتنامى داخله ليتحول إلى يأس وقنوط خصوصاً وهو يرى تساقط زملائه بالقنص أو التفجير أو الكمائن مثل تساقط الهوائم في هشيم النار.
وبما أنه لا يرى جدوى من هكذا قتال، وان العقد يجبره على مواصلة القتال، لذا يتجه صوب الهروب الأبدي عبر الانتحار.
ولا حل لهذه الظاهرة المتنامية في الجيش الأمريكي إلا بإنهاء هذه الحروب الباطلة.
ان الدراسة الجديدة أصابت كبد الحقيقة، وربما تكون عوناً في سند القرار الرئاسي الذي سيصدره الرئيس باراك أوباما بسحب قواته من العراق.
وكالة يقين للأنباء
المقالات تعبر عن اراء اصحابها
لماذا يتضاعف الانتحار بالجيش الأمريكي؟.. د. عماد الدين الجبوري
