هيئة علماء المسلمين في العراق

هموم : الانتخابات العراقية .. رفض للتقسيم وتراجع للطائفية / ياسر الزعاترة
هموم : الانتخابات العراقية .. رفض للتقسيم وتراجع للطائفية / ياسر الزعاترة هموم : الانتخابات العراقية .. رفض للتقسيم وتراجع للطائفية / ياسر الزعاترة

هموم : الانتخابات العراقية .. رفض للتقسيم وتراجع للطائفية / ياسر الزعاترة

من الصعب الوثوق بأية عملية ديمقراطية تتم في ظل الاحتلال ، لأن الأصل فيها هو خدمة مصالح المحتلين ، وتوفير مناخات جديدة تغير من طبيعة وجودهم ، من دون أن تهمش مصالحهم التي دفعوا من أجلها الأثمان الباهظة. نقول ذلك بمناسبة الحديث عن انتخابات مجالس المحافظات العراقية الأخيرة ، التي انتهت بنتائج رآها البعض مفاجئة على نحو ما ، بينما توقعها آخرون في ظل المزاج العام الذي يعم الشارع العراقي بعد سنوات من الاحتراب ، وفي ظل تصاعد الآمال بانسحاب أمريكي في ظل إدارة أوباما ، وإن لم يغير ذلك في واقع البؤس المعيشي ، فضلاً عن السياسي الذي جسدته ( الاتفاقية الأمنية ) بين الحكومة العراقية وإدارة بوش قبل رحيلها.
كل ذلك لا يحول دون التوقف عند بعض الدلالات التي حملتها الانتخابات الأخيرة ، مع المرور على الوضع العراقي برمته في ظل التطورات الجديدة ، لاسيما أن هذه الجولة كانت حامية الوطيس إلى حد كبير ، خاضتها القوى السياسية والعشائرية بكل ثقلها ، بينما غابت دعوات المقاطعة ، حتى من القوى التي ترفض العملية السياسية تحت الاحتلال ، مثل هيئة علماء المسلمين وأمثالها في الجانب الشيعي ، والتي فضلت السكوت عليها ، ربما بسبب طابعها الخدمي ، وإن انطوت على أبعاد سياسية ، لاسيما أن هذا البعد (أعني الخدمي) لا يزال حاضراً في وعي العراقيين الذين يسمعون عن المليارات التي تصرف من دون أن يجدوا لها كبير أثر في حياتهم اليومية.
من أهم الملامح التي انطوت عليها الانتخابات الجديدة ما يتعلق بتراجع الروح الطائفية ، ربما لأن التنافس في أغلب الأحيان كان يتم داخل إطار الطائفة الواحدة باستثناء بعض المدن المختلطة كما هو حال بغداد والموصل وديالي.
والحال أن الحشد الطائفي ، ورغم استمرار بعض عمليات العنف هنا وهناك قد تراجع بالفعل ، الأمر الذي يعود في شق أساسي منه إلى تمكن الجانب الشيعي من فرض هيمنته الواقعية على المؤسسة العسكرية والأمنية وتراجع منسوب الخوف لديه ، ما دفعه بمرور الوقت إلى الاختيار بين فرقاء داخل الصف الشيعي نفسه ، بدل الفرز الطائفي ، إضافة إلى تراجع مستوى الثقة في بعض الأحزاب الدينية التي لم يكن بعضها على مستوى الثقة ، وقد برز ذلك من خلال تقدم بعض الأحزاب العلمانية إذا صح التعبير مثل كتلة إياد علاوي.
من المؤكد أننا إزاء مؤشر بالغ الأهمية ، فالعراق الطائفي هو عراق احتراب من دون شك ، وهو احتراب لا يربح منه أي طرف ، وهنا تحديداً يأتي البعد الثاني البارز في هذه الانتخابات ممثلاً في تراجع نفوذ الأحزاب الأكثر قابلية للتقسيم تحت شعار الفيدرالية ، الأمر الذي ينطبق بشكل أساسي على المجلس الأعلى بزعامة عمار الحكيم (عبد العزيز الحكيم غائب عن المشهد) ، كما ينطبق بدرجة أقل على الحزب الإسلامي في الوسط العربي السني ، إضافة بالطبع إلى الأكراد الذين يريدون التقسيم من دون تردد ، وإن فضلوا وضعهم الحالي في ظل المعادلة الإقليمية القائمة ، والذي يمنحهم ما هو أفضل عملياً من التقسيم.
تراجع حزب الحكيم ، مقابل تقدم ائتلاف المالكي الذي يرفع شعار الدولة المركزية له أهميته ، حتى لو قيل إن المالكي قد وظف نفوذ الحكومة في حملته الانتخابية ، أو تورط في بعض أشكال التزوير ، لأن معادلة التزوير تلك لا يمكن حشرها في إطار واحد ، إذ مارسها كثيرون كل بحسب وسعه ، والأهمية التي نعنيها هي تكريس الدولة المركزية الموحدة ، ورفض دعوات الفيدرالية ، وإن لم يغب خطرها بحال ، إضافة إلى تحجيم نفوذ الأكراد في الموصل بعد هيمنة عليها منذ مجيء الاحتلال ، ما يدفع إلى القول إن معارك سياسية قد تندلع بعد قليل من الوقت بين العرب والأكراد على تفاصيل المطالب الكردية التي تفوق طموحاتها قدرة الآخرين على الاحتمال.
ربما رأى البعض في النتيجة تحجيماً للنفوذ الإيراني في العراق تبعاً لتراجع المجلس الأعلى وتهميش التيار الصدري ، الأمر الذي لا يبدو صحيحاً إلى حد كبير ، فالمالكي ليس على تناقض مع الإيرانيين ، لاسيما أن ما يعنيهم هو فشل مشروع الاحتلال أكثر من أي شيء آخر ، وهو في طريقه إلى الفشل إذا لم تحدث مفاجآت من العيار الثقيل.
في السياق العربي السني ، يمكن القول إن النتيجة كانت مهمة ، ليس فقط بسبب اتساع تمثيلهم في المحافظات ، بل أيضاً بسبب تلك الخسارة التي منيت بها الصحوات العشائرية ، والتي قيل إنها قاتلت القاعدة ، على رغم أنها تسببت في شطب خيار المقاومة ، وعموماً فالذين يبيعون أنفسهم للمحتل أياً كانت دعاواهم لا يمكن أن يكونوا مؤتمنين على أي صعيد.
في ظل فقدان الثقة بالصحوات كان من الطبيعي أن تتوزع أصوات الناس بعد ذلك على القوائم الأخرى ، بما فيها الحزب الإسلامي الذي دخل في تحالف مع العشائر خوفاً على نفسه في ظل تراجع شعبيته بسبب مغامراته المعروفة ، وآخرها التصديق على الاتفاقية الأمنية مع الولايات المتحدة ، وهو ما لم ينفعه كثيراً ، إذ سجل تراجعاً مريعاً في حصته ، متساوياً مع قوائم فردية كما هو حال قائمة صالح المطلك الذي تورط في الاتفاقية الأمنية هو الآخر ، وكذلك قائمة إياد علاوي الذي قدم نفسه كعابر للطوائف ، إلى جانب قوائم أخرى كان بعضها مفاجئاً مثل قائمة "الحدباء" بزعامة أسامة النجيفي في الموصل.
كل ذلك لا يغير في حقيقة أن مستقبل العراق سيعتمد بالضرورة على تطورات الانسحاب الأمريكي القادم ، وما إذا كان سيكون حقيقياً أم مجرد انتقال إلى قواعد ثابتة ، فضلاً عن الهيمنة من خلال سفارة لا مثيل لها في العالم.
المقالة تعبر عن رأي كاتبها
ح

أضف تعليق