مثلت هيئة علماء المسلمين العراق في مؤتمر غزة النصر الذي أقيم بمدينة اسطنبول في تركيا للفترة من 12_14 شباط 09 20 برعاية الحملة العالمية لمقاومة العدوان .
ورأس الوفد فضيلة الأمين العام لهيئة علماء المسلمين الشيخ الدكتور حارث الضاري الذي كانت له مشاركة فاعلة بالمؤتمر سواء بالمداخلة المهمة التي أفاد بها في يوم الافتتاح وكذلك في كلمته التي ألقاها في الحفل الختامي للمؤتمر وضم وفد الهيئة الشيخ الدكتور عبد السلام الكبيسي مساعد الأمين العام ، والدكتور مثنى حارث الضاري مسؤول قسم الثقافة والإعلام الذي شارك بهذا المؤتمر بتقديم ورقة عمل حملت عنوان (إدارة الصراع مع العدو العراق نموذجا) واليكم النص الكامل للورقة التي تقدم بها الدكتور مثنى الضاري مسؤول قسم الثقافة والإعلام في هذا المؤتمر.
إدارة الصراع مع العدو..العراق نموذجا...الدكتور مثنى حارث الضاري
ملاحظات أولية
1.تبحث هذه الورقة أسلوب الإدارة المنضبط الذي التزمت به القوى السياسية المناهضة للاحتلال، وسعت إلى توجيه مشروع المقاومة في العراق عن طريق النصح والإرشاد والعمل الدؤوب على بيان السبل الصحيحة وتقويم الأخطاء المنظورة والتحذير من الأخطاء غير المنظورة. وتبتعد الورقة قدر الإمكان عن الحالة الميدانية لخصوصيتها وتعدد الفاعلين فيها وعدم استطاعة ضبطها علميا وتحديد أسلوب واحد لإدارة الصراع فيها.
2.تعالج الورقة الموضوع من خلال الربط بين منهجي التنظير للإدارة الأمثل، ومنهج التطبيق العملي لها على الأرض من القوى المناهضة للاحتلال.
3.كما هو معلوم فإن هناك فرقا منهجيا في إطار دراسات إدارة الصراع بين مفهومي (إدارة الصراع) و (حل الصراع)؛ إذ تؤكد التجارب التاريخية بأن الطرف الأقوى هو الذي يسعى دائما إلى إدارة صراعه مع الآخرين، بينما يميل الطرف الأضعف إلى محاولة حل الصراع بأسرع وقت ممكن. وهذا ما يحصل في العراق بالتحديد فالاحتلال في وضع المدير للصراع إلى حين غير منظور والساعي إلى محاولة تخفيف آثاره على جنوده وآلته العسكرية، فيما تسعى قوى المناهضة والمقاومة إلى حل الصراع بأسرع وقت ممكن وإنهائه تماما وحسم آثاره وتداعياته.
وبناء على متطلبات العنوان المقترح للورقة فسنتعامل هنا مع المفهوم الأعم لإدارة الصراع الذي يشمل المعنيين؛ أملا في عرض أفضل لحقيقة الصراع مع العدو في العراق كما هو.
أبرز ملامح الصراع في العراق
الصراع مع العدو الأمريكي في العراق له ملامح خاصة تفرقه عن غيره من الصراعات المحتدمة في المنطقتين العربية والمسلمة، وتحكم هذا الصراع قوانين خاصة به؛ تجعله نموذجا قائما بنفسه ومختلفا عن النماذج الأخرى.. ويمكن رصد أهم ملامح هذا الصراع في الملامح الآتية:
1. تعدد العدو: العدو في العراق ليس واحدا، فالمحتل واحد ولكنه استجلب معه أعداءً آخرين بطريقة (النخوة الأمريكية) وفي إطار حلف دولي واسع، كما استفادت قوى دولية وإقليمية عديدة من الوضع القائم _ وإن لم تشارك في الغزو أو ساهمت فيه بطريقة غير مباشرة عن طريق تقديم خدمات وتسهيل مهمات_ لتفريغ مشاكلها وطمرها في التربة العراقية كما تطمر المخلفات النووية التي نال العراق منها نصيبه أيضا، بل يكاد يكون هو النصيب الأوفى فوق الأرض وفي باطنها.
فالأعداء اليوم عدو رئيس وهو الاحتلال وأعداء آخرين في الجوار والإقليم ويتبعهم طابور طويل من الأذرع المختلفة الأشكال والألوان من أبناء الداخل والطارئين.. وأدى هذا إلى تداخل الخطوط وتشابكها، وأفضى فيما بعد إلى تعدد محاور الصراع وتبعا لذلك تعدد محاور إدارته؛ بل إلى تداخل مفهومي: إدارة الأزمة مع الإدارة في الأزمة، واضطرار القوى المناهضة للاحتلال والمقاومة له إلى استخدام الطريقين معا من منطلق الواقع المفروض لا الواقع المختار.
كما سعى الاحتلال باكرا إلى ترك حدود العراق مع جيرانه بلا رقابة لتسهيل دخول ما يدعوها بـ (التنظيمات الأصولية والإرهابية)، وجمعها في العراق لفتح معركة واحدة معها تكفيه مؤنة المعارك المتعددة، وتخفف خسائره البشرية والمادية اللازمة لإدامة زخم غزوه للعراق واحتلاله، وتهيئة المبرر الجاهز لاستمرار الاحتلال بعد اكتشاف كذب المبررات التي تم على أساسها، والادعاء بأن القضاء على الإرهاب هو هدف الغزو والاحتلال. وقد وفر هذا الأمر بيئة مناسبة لخلط الأوراق واختراع أعداء جدد وحسب الحاجة، ولعل المثال الأبرز في هذا السياق هو تحويل كفة المعركة إلى معركة جانبية مع طرف اقليمي (إيران) بعد انتفاء الحاجة لدوره ورجوع حالة الصراع بينهما بعد اطمئنان الاحتلال إلى أوضاعه، الى التنافس على الغنيمة، واتخاذ الساحة العراقية ميدانا للتجاذب السياسي والأمني بين أمريكا وإيران.
ومن ثم نشأ أسلوب التجريب في التعامل الأمريكي مع المعطيات المتغيرة في الساحة العراقية على خلفية هذه المعركة الجانبية، واستحداث البدائل بين حين وآخر وتحت ضغط الحاجة لتفادي الأوضاع والأزمات التي تنتج عنها، ويمكن هنا رصد حالتين أخريين من حالات تغيير البوصلة وحرفها عن العدو الرئيس، وهما:
أ. المشكلة الطائفية: أثار الاحتلال القضية الطائفية منذ البداية وعمل على ترسيخها بواسطة العملية السياسية التي أنشئت على هذا الأساس منذ تجربة مجلس الحكم، وأعادها جذعة في مطلع عام 2006 بعد أحداث سامراء وعمل على فسح المجال لتداعيات هذا الحادث الخطير للاستمرار والبقاء لمدة لا بأس بها، سعيا إلى إلهاء حالة المقاومة وإشغالها تمهيدا للانقضاض عليها في مرحلة مهمة وحساسة جدا من تاريخ صراع المقاومة العراقية مع العدو الأمريكي، وهي مرحلة الشعور الأمريكي الحقيقي ببوادر الهزيمة.. هذا الشعور الذي عبر عنه الرئيس الأمريكي في حينها وأشارت إليه دوائر عدة من دوائر صنع القرار في أمريكا.
ب. تجربة مكاتب الإسناد: خطط الاحتلال لتجربة مكاتب الإسناد الأمريكية التي عرفت شعبيا في العراق وإعلاميا بظاهرة (الصحوة) في منتصف عام2006؛ وذلك بعد الفتور النسبي لموجة المد الطائفي التالية لأحداث سامراء في مطلع العام نفسه. وطبقت هذه الخطط فعليا في أواخر العام نفسه وعلى امتداد العام التالي، وأسفرت عن تحقيق عدة أهداف للاحتلال والمستفيدين من وجوده.. من أبرزها التضييق على المقاومة والتخفيف عن قوات الاحتلال في مقابل مكاسب جزئية كان يمكن توفيرها بطريقة أخرى ودون اللجوء إلى خيار المهادنة مع الاحتلال بذريعة مناجزة طرف إقليمي معين، وهو مالم يحصل إلى الآن ولن يحصل بحسب معطيات الساحة ومخرجات تجربة الصحوة.
2. تعدد الصراعات: حيث تتعدد في الحالة العراقية الأقطاب بخلاف حالات الصراع الأخرى القريبة منه جغرافيا التي تكون في الغالب ثنائية القطب؛ ونشأ الوضع المتقدم عن حالة تعدد الأبعاد الثقافية والعناصر الفئوية والدينية تعددا ملحوظا والتداخل بين ما هو اثني وما هو عرقي و ما هو قومي إضافة إلى حضور معان أخرى من أبرزها معنى (الأمة) بدلالتيه التاريخية والثقافية، وما يتعلق به من تداعيات النقاش حول الهوية الوطنية ومحاولة إعطاء توصيف جديد لبعض عناصر المجتمع العراقي، وبما يؤثر على هذا المعنى.. ومن ذلك (حالة الدستور مثالا) حينما تعرف أحدى مواده العرب في العراق بأنهم جزء من الأمة العربية وتتفادى تعريف (العراق) بأنه جزء من الأمة العربية.
3. انعدام الخبرة: ونقصد به أن اللاعب الأكبر في حالة الصراع العراقي الواسعة التي أوجدها الاحتلال وجعلها مفتوحة على كل الاحتمالات هي قوى مناهضة الاحتلال ومقاومته التي نشأت _ بشقيها المدني والعسكري_ بعد الاحتلال وبدون سابق خبرة مذكورة في مجال إدارة الصراعات، بخلاف غيرها من القوى التي كانت تعمل في إطار ما كان يعرف بـ (المعارضة العراقية) في الخارج، التي كانت تمارس أنواعا عدة من الصراعات.. كبيرة كانت أم صغيرة على مدى أكثر من ربع قرن، مستعينة بتعاون ومساعدة كبيرة من قوى دولية عديدة تأتي على رأسها الولايات المتحدة الأمريكية التي رعت طيفا واسعا منها في تلك الفترة واستعانت بها في احتلال العراق.
وقد ألقى هذا بظلاله على هذه القوى التي اجتمع عليها أمران: مقاومة الاحتلال وإدارة صراعها المستعر معه، وبناء مؤسساتها وتكوين بنيتها التنظيمية، في خضم ساحة ولادة بالأحداث المتسارعة، وفي ظل غياب تام للظهير الدولي أو الإقليمي المساند كما في الساحات الأخرى.. وهذا من صفات الساحة العراقية التي ألقت بأعباء كبيرة على مقاومي مشروع الاحتلال.
وصاحب ذلك كله حالة النأي بالنفس بعيدا التي مارسها النظام السياسي العربي الرسمي؛ حرصا منه على عدم إغضاب الجانب الأمريكي، وما رافق هذه الحالة من دعم للعملية السياسية في ظله، بغض النظر عن تبعاتها المؤثرة بلا شك على أوضاع كثير من البلدان العربية نفسها.
وشاركت النظام العربي في هذا الأمر _ في مفارقة لافتة للاهتمام_ مواقف بعض الحركات الإسلامية في عدد من البلدان العربية التي تراوحت بين عدم الاهتمام أو اللامبالاة أو المواقف الرسمية النظرية، أو الرضى بنتائج الاحتلال، وعد المقاومة عبثا؛ ومن ذلك التأصيل الشرعي للانخراط في العمل السياسية لبعضها منذ الوهلة الأولى وبلا توقف أو تردد أو دراسة جادة لحقيقة الأمور في العراق أو الاستماع الحقيقي لوجهة نظر مشروع المقاومة.
خطوات إدارة الصراع
بناء على ما تقدم من توصيف لحالة الصراع في العراق فان القوى المقصودة في هذه الورقة سلكت خطوات عدة في إدارة صراعها مع العدو وضبطه في الإطار المرسوم لإستراتيجية المقاومة العامة، ونعرض فيما يأتي لهذه الخطوات بعد قسمتها على قسمين: خطوات عامة لإدارة الصراع، تعد بمثابة محددات الإستراتيجية العامة المتبعة من هذه القوى، وخطوات تفصيلية تتناول بعض الأمثلة الجزئية لطبيعة سير الصراع والأدوات والآليات المستخدمة فيه، مع الأمثلة الدالة على ذلك، وكما يأتي:
الخطوات العامة
خطت القوى المناهضة للاحتلال والمقاومة له خطوات عدة في سبيل تنفيذ إستراتيجيتها العامة للتصدي للعدو وإدارة المعركة معه في الميادين المختلفة..
وفيما يأتي بيان هذه الخطوات:
1.تحديد سبب الصراع واختيار وسيلة حسمه. فالاحتلال هو سبب الصراع واصل المشكلة التي تفرعت عنها المشاكل الأخرى، واختيار وسيلة حسمه سريعا وبلا تأخير، وهو الخيار الجهادي، وانتظار الفرصة المناسبة لتنفيذه.. دون إغفال للجانب السياسي الذي تكفلت بتوفيره القوى المناهضة للاحتلال بإعلان دعمها لحالة المقاومة وبيان وجوبها الشرعي والوطني ونشاطاتها المصاحبة لذلك.
ويخفى على كثيرين أن التفكير والعزم على التمهيد لحالة المقاومة ليست وليدة اللحظة؛ فقد سبقت الاحتلال بأشهر حوارات مكثفة بين أطراف المهتمين بهذا الموضوع كافة وتقرر التوجه في حلقات نقاشية عديدة شهدتها المدن العراقية إلى الخيار المسلح وترك أوان التنفيذ إلى الكيفية التي سيتم بها الغزو ومدى استطاعة الجيش العراقي للتصدي له، واختيار أسلوب المعاون والحشد الجماهيري المعتمد على شباب المساجد وأبناء العشائر في حالة استطاعة الجيش الصمود بوجه القوات الغازية، أو امتصاص الصدمة والتهيؤ للانقضاض على العدو عند استيلائه على الأرض، في حالة عدم قدرة الجيش العراقي على ذلك؛ حيث يكون في هذه الحالة في حالة دفاع لا هجوم ويتم التعامل معه وفق أسلوب حرب حركات التحرر والمقاومة المعروفة.
وصاحب هذا انتباه مبكر لخط سير العدو وتوقع طرق دخوله، ومن الجدير بالذكر أن حالات جمع وتخزين السلاح ابتدأت حتى قبل (9/4/2003) وأن مجموعات من الشباب كانت تنقل السلاح من أحد المخازن الضخمة غرب بغداد في اليوم نفسه الذي كانت شاشات الفضائيات تبث الصور المشهورة لاحتلال مدينة بغداد وتمركز قوات الاحتلال في ساحة الفردوس. وساعدت على ذلك بعض الفتاوى الشرعية التي أجازت هذا الفعل بحسبانه ضرورة وأداة لتحقيق الواجب (مقاومة الاحتلال)، وحرمت في الوقت نفسه أي استحواذ على مادة أخرى باعتبارها أملاكا عامة وحقا شائعا للمجتمع كله، بخلاف الأسلحة التي لا يمكن الاستفادة منها إلا في هذا الغرض، ولابد أن يسعى الاحتلال إلى عدم الاستفادة منها؛ لأنها لن تستخدم إلا ضده.
2.تجنب المعارك الجانبية وتحديد العدو: انتبهت القوى المناهضة للاحتلال والمقاومة له منذ بداية احتلال العراق إلى أن صراعها مع الاحتلال هو الأصل، وأن المعارك الجانبية على حافتي المعركة الرئيسة _ وإن كانت ضرورية أحيانا لاستئصال متعلقات الاحتلال ونتائجه_ إلا أنها بلا شك ستشغلها عن الاحتلال، وستوصل رسائل غير صحيحة إلى جهات كثيرة داخل العراق وخارجه، وسيعمل الاحتلال على استغلال هذه القضية وفسح المجال للقيام بدوره المعروف في تشتيت انتباه الناس عن المقاومة وتشويه صورتها بواسطة برامجه المجربة في أمريكا اللاتينية وغيرها من البلدان. وهو ما نجح فيه للأسف بعد سنة ونصف من عمر الاحتلال وبالتحديد بعد معركة الفلوجة (11/2004) الثانية وتداعياتها.
3. إضفاء البعد العراق الوطني على التحرك المناهض للاحتلال والمقاوم له على الرغم من تصدي قوى عراقية بعينها لهذا التحرك؛ وذلك سعيا لتحقيق هدف الوحدة الوطنية الذي لا يمكن بناء حالة مقاومة أو مناهضة للاحتلال إلا من خلاله، وقطعا للطريق على محاولات الاحتلال والمتعاونين معه لترسيخ الأبعاد الطائفية والعرقية في المجتمع العراقي. وعلى هذا الأساس قامت القوى المناهضة للاحتلال مبكرا بالسعي لإنشاء إطار وطني عام شامل لهذه القوى وداعم للفعل الجهادي الميداني، وتجربة المؤتمر التأسيسي العراقي الوطني المعلن في (8/5/2004) خير شاهد على ذلك.
4. البحث عن الحلفاء، والسعي إلى إيجاد منافذ تقديم الدعم المعنوي للمقاومة بأشكاله المختلفة: السياسي والإعلامي، داخليا وخارجيا. وترد في هذا السياق جهود كثيرة يطول المجال بذكرها، وحسبي هنا أن أشير إلى مثال واحد، وهو جولة وفد صغير للقوى المناهضة للاحتلال تشكل بعد مؤتمر أم القرى في (15/2/2005) وزار أربعة بلدان عربية هي (سوريا ولبنان ومصر والأردن) والتقى أمين عام جامعة الدول العربية والقوى الوطنية والأحزاب السياسية والنقابات المهنية ومنظمات المجتمع المدني، وأجرى أكثر من 30 نشاطا إعلاميا في ظرف أسبوعين فقط.
5. طرح القضية العراقية دوليا وإقليميا وعربيا وبحث سبل الحل مع الجهات والمنظمات الدولية، بالتزامن مع تواصل حالة المقاومة. ويرد في هذا السياق المشروع المتكامل لإنهاء الصراع وفق آليات عملية ومعقولة المعروف بمشروع (الجدولة الزمنية لخروج قوات الاحتلال) المقدم للأمم المتحدة بواسطة موفد الأمين العام إلى العراق (الأخضر الإبراهيمي) في مطلع عام (2004)، والمشروع المقدم إلى الجامعة العربية في (كانون الأول/2004)، والرسائل الموجهة إلى القمم العربية خلال السنوات الماضية.
6. التعامل المسؤول مع متغيرات الصراع وظروفه وتحولاته، مع الاحتفاظ بمحددات الموقف المبدئي المعلومة في حالة التعامل مع الاحتلال.. ومن ذلك التعامل الجاد مع بعض طروحات الحل،كما حصل في تجارب مؤتمري الوفاق في القاهرة (2005و 2006) ولقاء العلماء في مكة، وذلك بعد توفر الغطاء العربي والإسلامي والدولي لهذه التجارب، وتوافق أغلب القوى المناهضة للاحتلال على حضورها. وكذلك فيما يتعلق ببعض المبادرات المطروحة بين الحين والآخر، ومن أبرزها ما سمي في وقتها بـ ( المصالحة الوطنية) التي واجهتها القوى المناهضة للاحتلال في مؤتمر حاشد في بغداد (15/2/2005)، وببيان مسؤول وضع فيه ست أسس للمصالحة إذا ما أريد لها أن تكون وطنية حقا، وعلى رأس هذه الأسس تحديد الموقف من الاحتلال بدون توجيه اتهام بالخيانة أو العمالة أو ما شابه.
الخطوات التفصيلية
من الخطوات التفصيلية والاجراءات الجزئية التي نستطيع الاشار إليها في هذا السياق.. ما يأتي:
1.عدم إظهار بعض الصراعات إلى العلن إلا بالقدر الذي تتطلبه الضرورة، ومنها عدم الإعلان عن بعض تجاوزات الاحتلال والسلطات الحاكمة حفاظا على أرواح الناس وتفويتا للفرصة على العدو. ومثال ذلك عدم كشف هويات كثير من المعتقلين من الشخصيات القيادية في العمل السياسي المناهض للاحتلال أو العمل الجهادي. وهو خيار لابد من اللجوء إليه على الرغم من أنه يفقد النشاط الإعلامي المصاحب بعض اهتماماته؛ ولكنه في الوقت نفسه يوفر عاملي الحماية والأمن الضروريين لكثير من مفاصل التحرك الميداني.
2. إدارة طريقة التعامل مع المصطلحات: وذلك لما لها من تأثير بالغ وحساسية كبيرة فهي أداة إعلامية خطيرة تسهم بلا شك في تأصيل المواقف وتحديد وجهات النظر، وحسم الإشكالات.. وفيما يأتي نموذجان لهذه المصطلحات المستخدمة:
أ. استخدام مصطلح (ناقصة الشرعية) لوصف حكومات الاحتلال الثلاث المشكلة بعد حكومة مجلس الحكم على الرغم من قناعة مستخدمي هذا المصطلح بعدم شرعية ما بني على أصل الاحتلال بالكامل وفق مقتضيات القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، ويأتي هذا الاستخدام مراعاة لمشاركة قسم من الشعب العراقي في الانتخابات الأولى والثانية، وتحقيقا لرسالة القوى المناهضة للاحتلال في كونها لجميع العراقيين.
وتظهر أهمية هذا الاستخدام ودلالته بشكل جلي عند مقابلته لمصطلحي (الحكومة فاقدة الشرعية) الذي استخدمه بعض إعلام الممانعة في لبنان، ومصطلح الحكومة غير الشرعية الذي استخدمه بعض إعلام المقاومة في فلسطين لوصف حكومة رام الله.
ب. استخدام مصطلح (أعوان الاحتلال) بدل مصطلح (عملاء الاحتلال) مع تحقق هذا الوصف على كثيرين، وذلك تفاديا لحالات الاستجابة غير المقصودة للعدو وحالات التعاون التي تأتي كرد فعل لحماية النفس أو العنصر أو التوجه، أو حالات القسر والخوف، وكذلك حالات اعتقاد بعضهم بصدق وعود المحتل.
النص الكامل لورقة الدكتور مثنى حارث الضاري( إدارة الصراع مع العدو..العراق نموذجا)
