هيئة علماء المسلمين في العراق

ثنائية التخلف والديمقراطية في الانتخابات العراقية / د. خالد المعيني
ثنائية التخلف والديمقراطية في الانتخابات العراقية / د. خالد المعيني ثنائية التخلف والديمقراطية في الانتخابات العراقية / د. خالد المعيني

ثنائية التخلف والديمقراطية في الانتخابات العراقية / د. خالد المعيني

بعيداً عن حملة الدعاية والتضخيم الاعلامي التي احيطت بها انتخابات مجالس المحافظات في العراق ، هناك ثمة حقائق ينبغي مواجهتها عند اجراء أي دراسة موضوعية وعميقة لمجمل العملية السياسية الجارية في العراق ، فكما هو معلوم ان هذه العملية قد أرسيت قواعدها من قبل الاحتلال وولدت هياكلها من رحمه وخاصة الدستور الذي يعد الوثيقة الأسمى والوعاء الذي ينبغي ان تتفاعل فيه كافة التيارات السياسية دون استثناء ولكن من خلال قوانين تنظم هذا التنافس وفي مقدمتها قانون للاحزاب الذي يعد وجوده اساس لا غنى عنه في اية انتخابات وذلك للتأكد من مصدر تمويل الاحزاب المتنافسة وكذلك سلامة برامجها السياسية وعدد اعضاءها وهكذا قانون لم يصدر لغاية الان في العراق  .
كما ان الديمقراطية في كافة انحاء العالم هي منظومة متكاملة تتوزع ما بين قيم وثقافة ديمقراطية وهياكل ومؤسسات ديمقراطية ، فمن المؤكد ان الديمقراطية كقيم لا يمكن ان تجري شكليا وعلى مستوى واحد من المجتمع او على مستوى الطبقة السياسية وانما تأتي هذه القيم كتراكم وانعكاس لكل من البنية الاجتماعية والاقتصادية التي يعيشها مجتمع ما .
وفي عراق ما بعد الاحتلال يكاد يتفق الجميع على ان الاحتلال قد دمر كافة منظومات الدولة العراقية وليس فقط نظامها السياسي وازال مؤسسات المجمتع التي تعاقب على بناءها أجيال منذ ما يقارب القرن في العراق ، وانشأ بدلا عنها منظومات وهيئات وقوانين سنها الحاكم المدني سميت بقوانين ( بريمر ) والتي لا تزال سارية المفعول لغاية الان وأخطرها على الاطلاق اقرار مبدأ المحاصصة الطائفية والعرقية كفلسفة للنظام السياسي ( الجديد ) وتم ترسيخها في مفاصل وأبواب الدستور العراقي الحالي حيث يتم النظر بموجب ذلك الى العراق كغنيمة موزعة بين طوائف واحزاب عرقية وخاصة تلك التي تعاونت مع الاحتلال .
اشتقت لاحقا من قاعدة المحاصصة كافة المؤسسات والقوانين فالبرلمان كسلطة تشريعية يعمل على اساس المحاصصة والحكومة والوزارات كسلطة تنفيذية تعمل وفق نفس المبدأ وهكذا يتم توزيع ثروات العراق وهكذا تم تشكيل فرق الجيش والامن وقوى الداخلية .
من جانب اخر فأن مؤشرات البنية الاجتماعية والاقتصادية والامنية الحالية في العراق تشير بما لا يقبل الشك ان هذه الانتخابات تجري في بيئة بعيدة تماما عن أي مناخ او ظروف ملائمة لاكتساب المشروعية ، فعلى المستوى الاجتماعي والذي يعد الاخطر يسود الفقر والمرض والجهل والبطالة والفساد المالي والاداري ، ويتعرض ملايين العراقيين الى القتل والتهجير والاعتقال واليتم والترمل ، وتتقدم الولاءات الطائفية والعرقية والعشائرية على الولاء الوطني .
ان انعدام قانون احزاب ينظم الانتخابات ويقيد برامج الاحزاب والكيانات السياسية ويكشف عن مصادر تمويلها سواء تلك المسروقة من المال العام كما تشير تقارير الفساد أو القادمة من خارج الحدود لخدمة أجندة اقليمية ، فأن تنافس ( 14 ) الف و(400 ) شخص من خلال ( 500 ) كيان سياسي لشغل (440) مقعدا فقط في أية انتخابات محلية أو قادمة  بدون أية ضوابط مالية أوسياسية لا يمكن ان يوصف الا بالفوضى والمراهقة السياسية وغياب البرامج لهذه الاحزاب وأنتقالها بكل انتهازية ونفاق في خطابها السياسي حسب مقتضيات السلطة والثروة دون قيد او شرط من اسلامية الى علمانية أو من طائفية وعنصرية الى وطنية وبالعكس ، يجعل من التنافس الشريف شبه مستحيل لاسيما في ظل غياب اجهزة رقابة محلية او دولية نزيهة.
مما تقدم فأن أية انتخابات تجري وعلى أي مستوى في ظل حالة الاحتلال وتولد من رحم مشروعه ستتحول فيها الديمقراطية من نعمة الى نقمة وتصبح فيها صناديق الاقتراع بوابات لتمزيق العراق وتفتيته وستفتقر حتما لاية مشروعية  أو شرعية لانها يتيمة ولانها لا تعكس حقيقة الشعب العراقي وتقفز فوق حقائق التأريخ والجغرافية ، ولانها تقف بالضد من سيادة وتطلعات الشعب المشروعة في الاستقلال والديمقراطية وهما توأمان لا ينفصلان .
المقالة تعبر عن رأي كاتبها
ح

أضف تعليق