يبدو القول صحيحا بأن العالم العربي، قد انتقل الآن إلى مرحلة جديدة كليا ، الشواهد على ذلك باتت متكاثرة في كل مكان وموقع وموقف وحركة ، بما بات يطرح تحديات من نوع جديدة على كل الناشطين من أصحاب
الرؤى والأفكار والسياسات والعلماء. انتقلت المنطقة من حالة الاستقلال بالإجمال إلى حالة الاستعمار بعد مرورها بحالة غائمة ومتنوعة الملامح من التبعية غير المباشرة عبر اتفاقات سياسية وأمنية وإستراتيجية واقتصادية، وأصبحت كل المنجزات التي تحققت خلال المرحلة الماضية، في وضع مختلف حاليا إذ جرى التخلي عنها طوعا أو كرها، كما صارت جيوش وأساطيل الدول الأخرى متواجدة في أكثر من مكان "استراتيجي" وذات تأثير فعال على السياسات في المنطقة، والأخطر أن كل معالم السيادة التي تحققت سابقا قد تعرضت إلى حالة استنزاف انتهت إلى الوضع الجديد الحاصل في المنطقة، التي لم يبق منها إلا القليل من نظم تصارع دفاعا عن الاستقلال للإرادة وتمكن بدرجة أو بأخرى لفعل المقاومة. ومن ثم أصبح السؤال المطروح ليس ماذا ينتظر المنطقة من تطور هنا أو هناك، بل ما هو مصير المنطقة ومن سيقرره في المرحلة القادمة، وما هو الاتجاه العام للتغيير المقبل؟.
انتخابات ( إسرائيل )
في انتظار نتائج مماحكات وخلافات وألاعيب الأحزاب الإسرائيلية مع بعضها البعض لتشكيل حكومة جديدة، فإن الأساس في التقييم هو أن الأحداث في المنطقة باتت مرتهنة بتوجهات من سيأتي للحكم في إسرائيل دون قدرة عربية حقيقية غلى منع تأثير هذا القادم على تغيير اتجاهات الأحداث، وفي ذلك أصبحنا أمام حالة كاشفة للأوضاع العربية، إذ بات القرار على نحو ما في يد الطرف الآخر، إذ الوضع العربي لم يعد هو من يقرر اتجاه الأحداث أو صناعة القرار في المنطقة، حتى يمكن القول إن الناخب الإسرائيلي هو من بات يقرر مصير الأوضاع في المنطقة، وأن القدرة الكلية للدول العربية أصبحت أقل تأثرا على تحديد اتجاهات سير الأحداث. فبعد الانتخابات الإسرائيلية صارت الملفات المفتوحة هي تشكيل حكومة يمينية متطرفة من الليكود ومن على رأيه ومواقفه، تطرح الحرب على إيران وطرد الفلسطينيين من داخل الخط الأخضر وحرب جديدة على غزة وتوسيع التهويد للقدس والضفة الغربية عبر المستوطنات، أو يمين معدل مثل تلك الحالة التي رابنا عليها حكومة أولمرت التي شنت مجزرة غزة، أي هي صاحبة ذات الأهداف، وبنفس الأساليب مع غطاء مغلف من أحاديث السلام إذا تطلبت خطط العدوان ذلك، كتمهيد له.
لم يعد الطرف العربي قادر على فرض أجندته على الأوضاع في المنطقة. ولو كان النظام الرسمي العربي في وضع فاعل، لكان هو صاحب تأثير في الداخل الإسرائيلي اليوم، ولجاءت نتيجة الانتخابات لتربك الأوضاع الداخلية إلى أبعد حد. لكن لأننا غائبون فصار الحديث المتداول في إسرائيل هو عن حكومة وحدة وطنية لإنفاذ المزيد من الاعتداءات علينا.
مستقبل العراق. .بلا العرب
وفي الحالة العراقية، فإن مستقبل هذا البلد مازال في انتظار ما يقرره باراك أوباما وفق عوامل وتناقضات ترتبط بأوضاع ومصالح الولايات المتحدة، وبنتائج صراعات مجموعات صنع القرار، دون أن يرد فيها بطبيعة الحال مصالح شعب العراق.
وإذا كان هناك من تناقض مع طرف مصارع لتحديد مستقبل العراق فهو ليس الطرف العربي، إذ الأغلب والظاهر أن إيران هي التي تصارع من أجل مصالحها هي الأخرى هناك، أما الطرف العربي فحتى الآن لا يزال حائرا بين معترف بنتائج الاحتلال ومن يخشى مما يجرى من باب امتداد الصراع الداخلي من العراق إلى حدوده، وبين من يخشى على تغيير هوية العراق، دون قدرة على فعل شيء مناسب لما يجرى هناك. هنا، يظهر كيف أن أطراف واتجاهات صناعة القرار –من زاوية تصرفات الدول-ليس فاعلا فيها طرف عربي قادر على مساندة أهداف أهل العراق، وهو ما يعنى أن العراق يتقرر مصيره خارج دائرة العلاقات العربية، فإذا أضيف إلى ذلك أن العراق تعرض لكل عمليات الاحتلال والقتل، وشعبه يتطلع إلى أي قطر عربي يسانده فلم يجد، إلا من كان واضحا في دعمه لما يجرى ضد العراق، فإن تأثير تلك الصورة على أجيال العراق ومواقفهم من الانتماء العربي تبدو مقلقة.
الصومال في انتظار.. المجهول
في الحالة الصومالية فنحن أمام حالة منسية عربيا، وبالكاد تصل أخبارها إلى العالم العربي على المستوى الإعلامي، أما الحديث عن دور عربي فهو أمر وارد في الخيال فقط. هناك، دخل الأثيوبيون محتلين ودارت معارك المقاومة ضد جيش الاحتلال دون أي تحرك عربي تقريبا، اللهم إلا إذا كان هناك من تحرك دون أن يعلن عن ذلك. وحين جرت ترتيبات انتخابات الرئيس الصومالي الجديد وتقررت عودته، فلا حضور عربي اللهم إلا من جانب جيبوتي التي لم تتحرك إلا تحت ظلال التأثير الأمريكية والأوروبية والأثيوبية –وليس عليها عتب إذ الكل غائب– لتسير الأمور في الصومال نحو المجهول، ولترسخ لدى شعب الصومال أن العرب غائبون أو غيبوا أنفسهم ومن ثم لا مجال أمامهم إلا التحرك وفق مقتضيات الوضع الدولي والإقليمي. وهكذا سارت الأحداث في الصومال منتقلة من حالة تفكك استمرت 18 عاما إلى مرحلة سيطرة المحاكم الإسلامية على هذا البلد لشهور إلى دخول قوات الاحتلال الأثيوبية وخروجها، لتنتقل الآن إلى حالة الخلاف والصراع الداخلي مجددا والعرب غائبون ليصدق القول على النظام الرسمي العربي في الماضي والحاضر وفي صناعة المستقبل الجارية الآن. ماذا عن الجيل الصومالي القادم هل هناك ما يذكره بأنه جزء من العرب؟
السودان.. والدور العربي
مر السودان بما مرت به كل القضايا المهملة والمنسية. لقد جرت معركة إهلاك قدراته الكبيرة الخلاقة وتقسيم جغرافيته ومجتمعه عبر تمرد الجنوب لسنوات طوال ليواجه ما كان يجرى وحده ولو تضامن معه أحد لما كنا وصلنا إلى ما نحن فيه الآن. وبعد أن اندلعت أحداث دارفور تحرك الغرب في خطوات من الوزن الثقيل ضد السودان ونظام الحكم، بينما النظام الرسمي العربي ينظر لما يجرى هناك دون اكتراث أو اهتمام، حتى وصل الأمر إلى أخطر حالات التفكيك، ومحاولة إسقاط الرئيس السوداني تحت حراب محكمة الجنايات الدولية، فصار التحرك العربي –خاصة المبادرة القطرية –دون موقف عربي كامل مساند لها.لم لا يجري تحرك عربي داعم للمبادرة القطرية، ولو حتى من باب إعلان الموقف؟
أفغانستان.. وحدها تماما
وفي الحالة الأفغانية، وصل الحال أن صار هذا البلد يصارع على بقائه ومستقبله وحيدا، دون غطاء عربي أو إسلامي من أي نوع، لا على صعيد الدول أو المنظمات الرسمي منها أو الأهلي ولا حتى على مستوى الشعوب. لقد خرجت باكستان على نحو ما من لعبة تقرير مصير ومستقبل هذا البلد، بفعل ما جرى –ويجرى-داخلها من صراعات منذ انضمام الرئيس الباكستاني السابق برويز مشرف إلى الحملة الأمريكية لإطاحة حكم طالبان واحتلال أفغانستان، كما لعب حكم كرزاي دورا متماديا ضد الدور الباكستاني –الدور الإسلامي الوحيد –محولا العلاقة بين البلدين إلى حالة عداء واستهداف لباكستان. وإذ خرجت باكستان من أفغانستان فقد صارت الدول التي تتصارع حول تقرير اتجاهات مستقبل هذا البلد تتعدد بتعدد الدول المشاركة في قوات حلف الأطلسي، كما دخلت الهند وروسيا، وإذ تحاول أمريكا الآن إدخال الدور الإيراني على الخط ضمن حزمة اتفاقات بين البلدين، فهو لا يغير من الأمر شيئا إذ الطرف الإسلامي ككل يظل مستبعدا إضافة إلى الطرف العربي، الذي شكل مفارقة بليغة هنا، فالدول العربية التي سبق لها وإن كانت مساهمة بفعالية في دعم الشعب الأفغاني في مواجهة الاحتلال السوفيتي، غابت عن المشهد دون أن تقدم مبررا لتغيير موقفها من احتلال ذات الشعب وذات الأرض.
الاحتلال.. والاستعمار
هنا وفي ظل كل تلك الأوضاع يبدوا الأمر في كشف حساب الموقف في منطقتنا على الصعيد العملي مليء بسوء الأوضاع على صعيد إرادة وجوهر الاستقلال، أول سطر في الخطوط العامة يظهر من رؤية خارطة انتشار قوات الاحتلال في المنطقة، إذ تطور الوضع إلى حالة الاستعمار والاحتلال بالقوة المسلحة. القوات الأمريكية والأطلسية والأوروبية باتت تنتشر الآن في مناطق كثيرة في المنطقة، من أفغانستان إلى العراق إلى الخليج إلى لبنان إلى الصومال، إلى حدود السودان في تشاد إلى امتلاك صلاحيات القصف في الصومال تحت حجة القرصنة إلى سواحل غزة..الخ.
كما أوضاع الاستقلال وحرية القرار وأوضاع الإرادة في اتخاذ القرارات دون وجل أو خوف صارت حالة متضائلة في المنطقة على نحو كبير، كما أظهرت ذلك أحداث غزة، التي كانت أعمق وأكبر فرصة لمن لديه إرادة لكي يتحرك.
وما يكشف عن المدى الذي وصلت له حالة الضعف، هو أن كل صنوف الاحتلال والتواجد العسكري الحديث، قد جرت من دول هي في مرحلة تراجع حضاري عام و ضعف، لا في حالة قوة وجبروت حقيقي، إذ الفارق كبير بين مرحلة الاحتلال العسكري الأوروبي في عالمنا العربي والإسلامي التي جرت حين كانت أوروبا في حالة نهوض وفتوة – مرحلة النهضة- وبين الاحتلالات التي تجرى الآن بينما الولايات المتحدة وأوروبا تعاني من أوضاع تدهور على صعيد قدرتها الاقتصادية - والاقتصاد هو محرك القوة العسكرية.
صرخة أين العرب
هنا لم تكن صيحة: "وين العرب"، التي أطلقت خلال ارتكاب القوات الإسرائيلية مجزرة غزة، مجرد صرخة غضب عابرة أو منفعلة بل هي كانت صرخة حسرة لسابق تكرارها، إذ هي ذات الصرخة التي انطلقت في العراق والصومال ولبنان.
وواقع الحال، أن النظام الرسمي العربي قد وصل إلى حالة بات فاقدا فيها كل عوامل الصمود والبقاء له هو في حد ذاته، و هو لم يعد فقط غير قادر على إنقاذ الدول والشعوب العربية، أو لنقل أنه لم يعد هناك رغبة أو قدرة من الدول العربية للحفاظ على نظام مشترك يجمعها مع بعضها البعض في مواجهة تغول وعدوان الآخر عليها دولة بعد دولة، إذ بعضها قد أصيب باليأس من الآخرين بعدما تعرض لحالات حصار وضغط وحرب ولمحاولات إسقاط نظام الحكم واستغاث فلم ينقذه احد، وبعضها كان تصور أنه مستند إلى الآخرين ولو في الحد الأدنى فتلفت حوله فلم يجد أحد فصار يفتش عن آخرين يساندونه من كل دول الجوار أو من مختلف دول العالم، والبعض الآخر فهم أن قدرات وخيارات هذا النظام محدودة من الأصل وأن من الخطأ المراهنة عليه، بل وصل بعضها إلى نتيجة بأن النظام الرسمي العربي لا ينشط ويصبح مؤثرا وفاعلا، إلا في حالة واحدة هي حالة الهجوم والعداء على طرف أو أطراف عربية بالتماس مع مصالح دولية خارجية. وهكذا صارت الأيام تغير الوقائع والمواقف حتى وصلنا إلى ما وصنا إليه من صرخات بلا جدوى، ليس بمنطق أن فاقد الشيء لا يعطيه وإنما أيضا لأن لا أحد بات مطمئنا إلى إمكانية ترتيب أية مواقف وقرارات عملية من خلال هذا النظام ذاته.
المقاومة.. والدور الجديد
وإذ جرى ويجرى كل ذلك، فإن الأمور كلها قد ألقيت على أكتاف مختلف صنوف المقاومة الجارية، التي بات عليها أن تدرك ذلك بالأساس، كما أدركته النظم والشعوب لكي لا تنتظر من لا يأتي. كما أصبح ملقى على أكتافها أن تعيد حالة التحرر من الاستعمار وفق نمط حضاري وفكري وسياسي لا يسهل الانقلاب عليه، وان تعيد ترميم حالة الوضع العربي الراهن بتقليل أثار هذه الأوضاع على الأجيال القادمة، وان تجعل التدخل الإقليمي الحادث الآن حالة إيجابية وعلى قاعدة الفائدة المشتركة لا المعسكرات المتصارعة، وذلك كله من خلال إعادة بناء منظومة جديدة من العلاقات بينها وبعضها البعض وبين الشعوب وبعضها البعض، وهو ما يبدوا حتى الآن -غير مدرك على النحو المطلوب –وساعتها فان من بقى من النظام الرسمي العربي على إرادته ومواقفه سيكون جاهزا أكثر للالتقاء بها.
المقالات المنشورة تعبر عن راي كاتبيها
كشف حساب المرحلة...طلعت رميح
