((الساسة العراقيون يدورون كثور الناعور. ينطلقون من نقطة ثم يعودون لها دون تحقيق ما ينبغي أن يحققوه للعراق))..
يلاحظ المراقب لمجريات الأوضاع السياسية في العراق هذا التسارع المتصاعد لانهيار ما سُمي بالعلمية السياسية، لا من خلال إزدياد حُمى الصراع الذي يخشى البعض أن يتحوّل الى صراع دموي لا يعرف أحد مداه في نهاية المطاف، ولكن من خلال تراكم هذا الكم غير المتناهي من العقد التي تستعصي على الحل والتي يتولد بعضها من بعض وعلى نحو متواصل.
هذه العقد التي هي سهلة العلاج والحل عن طريق آخر غير الطريق الذي انتهج وجُرّب، وما انتهج وجرب هو الوصفة الأميركية التي هي بحق الوصفة المُثلى لتشظي ودمار العراق.
لقد أُجبر الساسة العراقيون، من جاء منهم مع الاحتلال أو من التحق بركب العملية السياسية فيما بعد، أجبروا على اللف والدوران حول مسيرة لا تؤدي مهما حسنت النوايا إلا إلى نتيجة واحدة لا غير، وهي خراب البلد وتقسيمه.
لقد انطلقت العملية السياسية من نقطة من أجل أن تصل إلى نهايات مفتوحة ظاهرياً، لكنها في المحصلة تؤدي إلى نقطة محددة، مُستهدفة ومطلوبة، تشكل ترجمة حقيقية لما أراده المحتل من احتلاله.
قريباً سيكون قد مضى على احتلال العراق ست سنوات عجاف بكل معنى الكلمة، والساسة العراقيون يدورون كثور الناعور، ينطلقون من نقطة ثم يعودون لها، ويظلون هكذا دون أن يتقدموا عملياً ولو حتى خطوة واحدة صوب تحقيق ما ينبغي أن يحققوه للعراق أو اما استهدفوه أو ما وعدوا به ناخبيهم في الأقل.
من هندس العملية السياسية وخططها أجهض الحلول النافعة، وسهل عملية اللجوء إلى تراكم الحلول المؤجلة التي أضحى كل منها قنبلة موقوتة قابلة للتفجر في أي حين، وأبطل جوهر الديمقراطية، وعطل إرادة الأغلبية المطلقة، وجعل هذه الإرادة مرهونة بتحكم الأقلية بزعم توفير الضمانات، وكأن الديمقراطية بحد ذاتها ليست ضامنه لحقوق الجميع، وهو إقرار بأن من يضمن حقوق الجماهير إنما هو هذا الزعيم القبلي أو ذاك، هذا الحزب أو ذاك، هذا الوجيه أو ذاك، وليس ارادة الشعب كل الشعب، وهذا لعمري من أعجب العجب، في الديمقراطية العجب، في الدستور العجب، في العملية السياسية العجب، في الحكومة العجب، حقاً إنه أعجب العجب!.
ليس بمقدر ثور الناعور تغيير مسار حركته؟. ليس بإمكانه أن يخرج عن مسار الدائرة التي رُسمت له والتي وضع فيها معصوب العينين؟.
العملية السياسية هي مسار حركة الناعور، والدستور وقوانين بريمر والتقاسم الطائفي والعنصري وما سُمي بالتوافق، وهو على فكرة توافق لاقتسام المغانم، هذه بمجملها هي العصابات التي وضعت على عيون ثيران نواعير العملية السياسية.
أيها الساسة الوطنيون الذين انخرطوا لهذا السبب أو ذاك فيما سُمي بالعملية السياسية ارفعوا العصابات عن عيونكم، وغادروا مسار الناعور قبل فوات الأوان!، فما يخدم الوطن العراقي والشعب العراقي، وما يضمن سلامة الوطن ووحدته وأمنه وحقوق أبنائه ليس موجوداً في هذا المسار المُغلق.
من خطط للعملية السياسية استهدف تقسيم العراق لا وحدته، تجزئة الشعب لا توّحده، إضعاف العراق لا تقويته، ومن خطط للعلمية السياسية جعل تقسيم العراق وتجزئته وإضعافه نتيجة حتمية وتحصيل حاصل لمآلات مسار الناعور الذي وضعكم فيه، فلا تخدعوا الشعب، ولا تخدعوا أنفسكم. اجعلوا العملية السياسية مقتصرة على من جاء مع الاحتلال، اعزلوهم. لا تعطوهم الستار الذي يسترون به عورتهم، ولا تكونوا جسراً عراقياً يعبرون عليه بعد أن دخلوا العراق عبر الجسر الأميركي، عندها ستظهر العملية السياسية بكل ضعفها وهزالها وخوائها وعُريها، ولا أهمية القائمين بها. لا تمنحوها الدعم بمشاركتكم فيها، ولا المسوغ الأخلاقي بانخراطكم في مساراتها. وبهذا ستساهمون بانهيارها المُحتم ترافقاً مع التطورات الحالية في أميركا والمنطقة والعالم.
إنها فرصة نادرة، قلما يجود بها الزمن الصعب، سقوط الادارة الأميركية المتصهينة ومغادرتها مسرح السياسة مصحوبة بعار الهزيمة والفشل سياسياً وإخلاقياً، واضطرار ساستها الى الاعتراف علنا أنهم امتهنوا الأكاذيب طيلة أعوام حكمهم، نهوض القوى المتحدية لهيمنة القطب الواحد وتصديها لهذه الهيمنة من موقع القوّة والاقتدار، انهيار سمعة أميركا في المنطقة والعالم، ووضوح ضعفها وهوانها بعد تكرار هزائمها واذلالها في منطقتنا وعلى النطاق العالمي، الأزمة الاقتصادية التي هي أكبر بكثير مما قيل حتى الآن والتي ستكون لها نتائج دراماتيكية على نطاق العالم كله، ومن بين هذه النتائج انهيار أسطورة الاقتدار المالي الأميركي، وبالتالي الاقتصادي والصناعي والعسكري، وربما عودة أميركا لسياسة الانعزال في حدود جغرافيتها لمعالجة أزمتها.
لقد ضمنت أميركا وحدة ولاياتها بفعل الوفرة أولا والقوّة والاقتدار العسكري ثانيا، وهذان أمران اصبحا على كف عفريت الآن.
بديلكم الذي هو وطني عراقي خالص، من صنعكم، ومعبر صادق عما يحتاجه الشعب وما يطمح إلى تحقيقة، هو ما ينبغي أن يُشهر بوجه الاحتلال ومطاياه، وعمليته السياسية.
إذا كانوا يريدون تقسيم الشعب إلى شيعة وسنة وكرد، فعليكم أن تقدموا العراق المؤّحد بعربه وكرده وتركمانه، بسنته وشيعته ومسيحييه، وهذا يستلزم مغادرة التنظيمات المشكلة على اسس طائفية وعنصرية ضيقة.. يستلزم الخروج من فضاء المذهبية والعنصرية إلى فضاء العراق الأرحب.
لا يمكن لمن يكرّس الطائفية والعنصرية تنظيمياً وعملياً أن يكون على الضد من العملية السياسية، فهو جزء منها حتى لو كان خارجها؛ لأنه يعمل بمنطقها، وهذا يشمل كل التنظيمات المعارضة للاحتلال والعملية السياسية والمبنيّة على أسس طائفية، مثلما لا يمكن لمن انغمس بالعملية السياسية الادعاء بالقدرة على تحقيق الهدف الوطني حتى لو كان وطنياً؛ لأنه سيكون كمن يحرث في بحر، وهو إذ يعمل من داخلها وبمنطقها ووفق قوانينها، فإنه سيكون وفي أحسن الأحوال شاهد زور يمنح التسويغ للتقاسم الطائفي والعرقي الذي بُنيت عليه هذه العملية.
ألم تروا كيف جُعل أمين عام الحزب الشيوعي في مجلس الحكم على حصة الشيعة، مثلما جُعل ليبرالي علماني مُعتق على حصة السنة، وأصبح هذان الشخصان وغيرهما أيضاً البهارات التي رُشت على طبخة مسمومة.
العملية السياسية في العراق في غرفة الانعاش، فلتنهض بمواجهتها العملية السياسية العراقية الحقة التي هي البديل العراقي المرتجى.
ميدل ايست اونلاين
المقالات تعبر عن اراء اصحابها
هل سنشهد قريباً قبر العملية السياسية في العراق؟.. صباح علي الشاهر
