هيئة علماء المسلمين في العراق

الفعل المقاوم، ووحدة النظرة السياسية تجاه التحديات... حسين المعاضيدي
الفعل المقاوم، ووحدة النظرة السياسية تجاه التحديات... حسين المعاضيدي الفعل المقاوم، ووحدة النظرة السياسية تجاه التحديات... حسين المعاضيدي

الفعل المقاوم، ووحدة النظرة السياسية تجاه التحديات... حسين المعاضيدي

لم يسبق ان حدث في التاريخ سواءً المعاصر منه أو الحديث، أن تكونت مقاومة وتبلورت بتلك السرعة والكيفية التي ولدت فيها المقاومة العراقية التي باتت في غضون أشهر قليلة لا أكثر،.... حاضرة بقوة في المعركة، لتصبح بعد ذلك فرس الرهان لكل الأحرار والشرفاء في العالم، ومضرب الأمثال في مختلف البلدان، بل وصل الحال بها أن أصبحت منتجة ومصدرة لجميع بيئات المقاومة والجهاد، أفكاراً وطرقاً وأساليب.

لقد شهد العالم بأسره إبداعاتها من حيث طرق المقاومة وأساليب حرب الشوارع، وابتكارها لما لا يخطر على بال، من عبوات ناسفة، وكمائن مسلحة، حتى أخذ المقاومون يقتدون بها أينما كانوا، فحازت على ثقة الجميع، ولتصبح بذلك رائدة المقاومة في العصر الحديث والأنموذج الفريد والأمثل له..

وقد أعاب البعض على المقاومة العراقية في أول ولادتها تعددها وفرقتها، لكن ما أثبته الواقع أنه ليس بالوحدة دائماً تحيا الشعوب، بل وبالفرقة أيضاً تكون الحياة.. نعم فأحد أهم أسرار قوة المقاومة العراقية وإستمراريتها في السنوات الماضية هو تعددها واختلاف انتماءاتها ومشاربها، فلو كانت للمقاومة قيادة واحدة، أو يترأسها فصيل واحد، أو راية واحدة، لتولدت نتيجة طبيعة المعركة في العراق ما يخيف ويرعب، فبإمكان القيادة الواحدة التحكم في مصير المقاومة بأجمعها والجهاد بأسره، وربما تقوم بتجييرها لحسابها على حساب الجهات الأخرى، وهو ما سيولد بالتالي نزاعات وخصومات سيكون لها أول دون أن نشهد لها آخر، وهنا كان سر قوة الفرقة، فحينما يحاول أحد الفصائل أو إحدى الجبهات أو الجماعات عقد الاتفاقات الثنائية مع جهة حكومية أو مع عملاء الجيش المحتل، أو حتى مع الجيش المحتل نفسه، ستكون بقية الفصائل والجماعات والجبهات بمنأى عن هذه الاتفاقيات، ما يجعلها ضعيفة ولا تؤثر سوى على من وقعها، فتفسد كما فسدت عقول موقعيها، فتصبح بذلك لا تساوي حتى قيمة الحبر الذي وقعت به.

تلك المرحلة كانت لها ظروفها وطبيعتها, وقد كانت ناجحة بكل المقاييس باعتراف العدو نفسه، الذي حاول استمالة الكثير من الفصائل والجبهات والجماعات، فنجح في كسب ود البعض ممن  يحسبون على المقاومة، وحيّد بعضاً آخر, مستخدماً أسلوب الإغراء بالمناصب والأموال, ووعود سرعان ما اكتشف اللاهثون خلفها أنها حلم تذروه رياح الواقع، ففشل العدو بذلك فشلاً ذريعاً، لأن المقاومة لا يحكمها قرار واحد، أو جهة واحدة، أو شخص بعينه، ما جعله كمن يحاول إمساك الماء بغربال!!

مرت السنوات تلك، ومرت معها طبيعة تلك المرحلة، لكن المعركة اليوم أخذت شكلاً وبُعداً أخر، فالوضع الميداني اختلف جذرياً عما كانت عليه في السنوات الأولى لها، ومرحلتها اليوم لا تشبه مرحلة ولادتها، فهي قد قطعت شوطاً طويلاً، وبات العاملون على الساحة عشرات الفصائل والجبهات والجماعات، وبات المحتل الأميركي في حكم المهزوم، إن لم يكن مهزوماً بالفعل، بانتظار بيانه الرسمي الذي يعلن فيه رسمياً هزيمته المنكرة، ويكذب سيده الذي غادر بيتهم الأسود وأذيال الخيبة يجرها خلفه ومعها اللعنات التي ذاقها على أيدي مقاومة أذهلت العالم بأسره، حينما وقف على إحدى بارجاته ومدمراته العسكرية ليعلن أن الحرب انتهت وأن النصر قد أُحرز في العراق، وذلك كان يومه، قبل ان يأتي يوم العراقيين، وليقولوا كلمتهم في حضرة العالم، وفي حضرة التاريخ، الذي سيخلد بأحرف من نور ما قامت به المقاومة العراقية على اختلافها، من اسلامية إلى وطنية إلى قومية، وإعلان النصر بات مسألة وقت لا أكثر، فالقادم من الأيام سيشهد إعلان هزيمتهم كما تشير الوقائع، وذلك بات مسألة وقت ليس إلا، وسيكون اليوم ذاته الذي سيتم فيه الإعلان عن هزيمتهم، يوم احتفالنا بالنصر، وحينها يجب أن يكون لدينا من يفاوض ويمثل المقاومة، وينطق باسمها جميعها، لا باسم جبهة أو فصيل أو جماعة، فالمعركة اختلفت، والجانب السياسي والإعلامي يجب أن يكون حاضراً ومتكاملاً، وعلينا أن نخطط بحكمة لما هو آت، فمعركتنا لن تتوقف، ولا يجب لها أن تتوقف، بانتهاء المحتل وهروبه من أرض الرافدين، فهناك معركة أخرى بانتظارنا تبدأ برحيل المحتل، ومن جاء معه على ظهر دبابته، من عملائه وأقزامه الصغار، ألا وهي معركة إعادة بناء العراق، ووضع لبناته من جديد، كما وضعوا أساسات المقاومة الواحدة فوق الأخرى، حتى اكتمل بنيانها، وتوجت بالنصر، ولكن هذه المرة كما يريد أبناء الشعب العراقي، فأوان تحكم الطغاة والمحتلين قد ولى، والحرية دفعنا ثمنها غالياً جداً، ولا يقدر بمال، نعم دفعناه دماً، وقتلاً، وتحملاً للظلم ولإهانات المحتل، وجوره، دفعناه تهديماً للدور على رؤوس ساكنيها، وهجرة إلى بلاد الغربة وتهجيراً في الداخل من زاخو إلى الفاو، دفعناه ملايين الشهداء وملايين المعتقلين وملايين الأرامل، وملايين الأيتام، وملايين المشردين، وغيرها الكثير..

إن العراق سفينة كبرى، وهي اليوم كسفينة نوح، بحاجة لربان يحمل حكمة سيدنا نوح، ليصل بها، بمعونة الله، إلى بر الأمان ومرفأ الاطمئنان، ما يستدعي أن يجتمع أولو العزم، وينبذوا خلافاتهم خلف ظهورهم، مهما كان شكل هذه الخلافات، ويعبروا من فوقها، وأن يتنازل كل فصيل أو جبهة أو جماعة عن بعض من ثوابتهم، ما دام الهدف واحداً، نصرة الإسلام، وتحرير العراق.

ان وجود هيئة سياسية ممثلة لجميع عناوين المقاومة ستُعجّل بهلاك المحتل وأقزامه، وستمنح كذلك الشرعية لجميع فصائل المقاومة، وسيكون حينها لها صوت موحد، ويكون ذلك مقدمة لمكتسبات أخرى كثيرة، بإذن الله، أبرزها تذليل الصعاب الخاصة بالحصول على الدعم المادي والمعنوي عربياً وإسلامياً، ودولياً، وهو أحوج ما تكون له المقاومة في هذا الظرف.
على المقاومة اليوم ان تحزم أمرها وتسير نحو ترتيب أوراق بيتها الداخلي من خلال لم شملها وتوحيد كلمتها وجمع فصائلها، والتآزر، وان لا يتم استبعاد أي فصيل أو جبهة أو جماعة، اللهم إلا من ثبت تواطئه وتكشفت عوراته واتصاله بالمحتل أو بعملاء المنطقة الخضراء، ومهما كانت الأحجام أو تواريخ الولادة، فكل من حمل السلاح بوجه المحتل عليه ان يكون ضمن هذه الدائرة الواحدة، ويتم تسليم الأمر لمن هم أقدر على قيادة الأمور، وليس بالضرورة أن من أبدع في حمل السلاح سيبدع في قيادة البلاد، فليس شرطاً ان يتولى الإدارة ممن حملوا السلاح، لكن بالإمكان إيداع الأمانة بأيدي من يسير على المنهج الرباني السليم من ذوي الشأن والاختصاص والكفاءة، فلكل ميدان رجالاته،وهنا عليهم التأني في اختيار القادة السياسيين وفي اختيار ربان للسفينة وأصحاب القدرة على تثبيت دعائم وأركان الدولة، والعمل بمنهجية ورؤية وأجندة الدولة، وليس برؤية الجماعة أو منهجية الفصيل أو أجندة الجبهة.

إن واحدة من أهم ذرائع إطالة أمد الإحتلال اليوم هي عدم وجود جهة سياسية تنطق باسم المقاومة بعمومها، وهو ما يتوجب علينا إبطال هذه الذريعة وسحب الغطاء من تحت أقدام مردديها، عن طريق إيجاد مرجعية تتولى إدارة الأمور السياسية، فالكثير من الجهات تتردد في دعم المقاومة، نتيجة تشتت المقاومة وضياع وحدة كلمتها، ونحن أحوج ما نكون لهذا الدعم.

إن من الضروري اليوم أن تعمل المقاومة على احتواء جميع أقليات العراق، وطوائفه ومذاهبه، والتعامل معهم جميعاً على إنهم عراقيون، وهم كذلك بالفعل، فقد ولدوا وعاشوا بين جنبات هذا البلد منذ آلاف السنين، والإسلام أول الديانات التي منحت الحقوق لجميع السكان من مسلمين وغير مسلمين وعامل الجميع على قدر واحد ومنحهم حرية التعبد وممارسة الطقوس، بل وحماهم ودافع عنهم.. وأن تسعى في ظل هذه المرحلة بالذات، للعمل على فتح جبهة السياسة لتكون ميدان حرب ثان إلى جانب جبهة السلاح في ميدان المقاومة، ليكونا مثل سكة حديد يسير خطّاها متوازيان، لكنهما أبداً, لا يتقاطعان.

المقالات المنشورة تعبر عن رأي كاتبيها.

أضف تعليق