المقاومة العراقية وعهد أوباما .. المعركة المركزية..مهنا الحبيل
جاءت أولى تصريحات الرئيس الجديد للولايات المتحدة الأميركية باراك أوباما لتصب في خانة التوقعات التي ذكرناها في مستقبل قوات الاحتلال في العراق، حيث بدأت تتبلور رؤية جديدة لواشنطن في أواخر عهد الرئيس السابق أخذت خطاً افتراضياً بأن تتعزز في عهد باراك أوباما الذي ورث تركة كبرى من التداعيات والتصدعات التي أورثها إياه الرئيس السابق، كان من أهمها نتائج هزيمة قوات الاحتلال الأميركية في العراق وأفغانستان، ثم الانهيار الاقتصادي، وإضافة ثقيلة جديدة هي هزيمة تل أبيب بصفتها الرديف الأمني مع معسكر أوسلو العربي في غزة.
فتصريحات باراك أوباما بأن «عليك أن تتواصل مع أعدائك أكثر» تنصب تلقائيا في تقدير العدو الذي يصبح حليفا وشريكا في مواقع أخرى، وهنا تبرز الجمهورية الإيرانية في الخيار المستقبلي لتوجهات الولايات المتحدة ومن خلال استعراض تطور الموقف الأميركي وعودته بصورة تصاعدية مركزية للإيمان بالتنسيق مع طهران في تورط واشنطن المزدوج في كابل وبغداد. سيتضح لنا هذا الخط المتطور بدءاً من تقرير بيكر- هاملتون ومرورا بالعديد من التصريحات التي ركزت على ضرورات التنسيق مع طهران وأجابها متكي والمسؤولون الإيرانيون بتجاوب كبير حينما أعلنوا مرارا رفضهم القاطع للتخلي عن حكومة كرزاي والاعتراف بانتصار المقاومة الأفغانية، ثم وصولا إلى موافقة طهران الضمنية الواضحة على اتفاقية واشنطن الأمنية مع حكومة المالكي مع بقاء شيء من الضجيج الإعلامي عليها والتي ستعيد صياغة العراق كرديف للحالة الإستراتيجية لواشنطن على أمل إحيائها مستقبلا، مع ضرورة التأكيد على أن الانسحاب سيكون للقواعد الأميركية المُعدّة وليس إخلاء العراق من قوات الاحتلال، فضلاً عن أن ما فُصِّل أو أُضمر في الاتفاقية يجعل واشنطن قادرة على جعل النفوذ الداخلي رهن قبضتها بحسب حالة الصراع مع النفوذ الإيراني.
قواعد اللعبة الجديدة
هذه الحالة في الوضعية الأميركية التي أعلن المالكي موافقة طهران عليها ستُطلق في المقابل أجواء مهمة وإستراتيجية لصفقة الطرفين الإيراني والأميركي في إعادة تثبيت قواعد اللعبة الجديدة التي أقرّت واشنطن بخسارتها فيها ولكن تسعى لتحويلها إلى مكسب يعوض الخسارة للوجود المستقبلي في الخليج، إلا أنها حالياً ستتركز على منح فرصة وزخم كبير لإعطاء حالة الأمن الصهيوني الأفضلية الأولى كحليف أمني وجودي للولايات المتحدة وأيضاً لضمان استقرار مهم في هذا الزمن للأميركيين ينتقلون فيه من هذه المرحلة المضطربة، إضافةً إلى تثبيت الإيرانيين لدليل عملي في مفاوضات الصفقة من خلال الحسم الكامل لتأمين حدود تل أبيب الشمالية مع لبنان خلال العدوان على غزّة الذي نُفذ من حزب الله بكل دقة واكتفى المحور الإيراني بدعم إعلامي وسياسي ومادي محدود لغزّة ضمن له البقاء في الواجهة الإعلامية بأقل التكاليف وتحسين فرص التفاوض في الصفقة مع واشنطن خاصة أن تورط أطراف المحور الأميركي وتغولهم في رذيلة العدوان على غزة كان كافيا لاستفادة الطرف الآخر، الذي أدرك حجم استقلال وقوة حماس كمشروع مركزي للمحور العربي الإسلامي المستقل وإن تَعامل مع التقاطعات الاضطرارية لإستراتيجية الحرب والمقاومة.
توقيت تحرك المقاومة العراقية
كان لا بد لنا أن نعرض لهذه النتائج القائمة على الأرض في المنطقة قبل الدخول إلى الوضع العراقي الجديد، ومع كل ذلك التنسيق الذي يلعبه الفريق الأميركي إلا أن السطح الهش الذي يرتقي فوقه ما زال متصدعا ومهيئا للانهيار، وما زالت قوى المقاومة العراقية التي أحرزت أكبر نصر للعرب مع نصر غزة في العصر الحديث تُهدد مشروع الصفقة خاصة أنّ التاريخ السياسي والعسكري للاحتلال يثبت بما لا يدع مجالاً للشك أنّ فصائل المقاومة الإسلامية الوطنية للعراق هي سيدة الموقف في الإنجاز، وهذا يضاعف المسؤولية عليها في المرحلة القادمة لمواجهة اختطاف المشروع الوطني العراقي بعمقه العروبي الإسلامي بعد التحرير وإضعاف برنامج المقاومة والزجّ بها إلى مفترق طرق خطير، إشعال الخلافات بينها، وتجميد وإنهاك حالة التحضير السياسية الضرورية لمستقبل العراق بعد التحرير.
وإستراتيجية المواجهة والاحتواء للمقاومة تقوم على بعدين رئيسيين، عسكري وسياسي سنعرض لها :
● بُعد المرحلة العسكري للمقاومة
أول ما تتطلبه المرحلة هو إعادة التشكيلات العسكرية للمقاومة بخطة موحدة تستغل اضطراب الوضع الأميركي الهش وعدم استقرار الصفقة مع إيران بمعالجة زمنية مهمة للمرحلة، وذلك من خلال تنفيذ معركة عسكرية مركزية، الاندماج فيها للفصائل ضرورة، إذ إنها تحتاج إلى تنفيذ مُحكم ودقيق يستهدف قواعد الإمداد وتحركات قوات الاحتلال من القواعد وإليها والذي رَفض أن يعترف بالممثل الشرعي للعراق، ولذا لا يعني المقاومة ما يعلنه من انسحاب نسبي أو كلي، والمعركة الثانية تكتيكاتها مختلفة لكونها تستهدف المنطقة الخضراء عاصمة الاحتلال السياسي وموقع شرعنة مستقبل النفوذ الأجنبي المزدوج على العراق.
● لماذا التوقيت مهم لمعركة الحسم؟
إن ضرورات تخطيط وتحريك هذه المعركة تنطلق مما يُعِد له كلا الجانبين في صفقة الاحتلال لتكريس حالة التوافق السالبة لحرية الوطن وهويته وذلك من خلال عملية مرحلية تسعى إلى تفريغ أهداف المقاومة ومشروعيتها عبر الاستنزاف الطويل الأمد والتشويش الإعلامي المصاحب الذي يُضلل الرأي العام بمشروع التحرير المزعوم الذي يُقدم لمن جاؤوا مع الاحتلال وشاركوه القتل والدمار.
وهذا الجانب المعنوي مهم لبرنامج المقاومة وإستراتيجية التحرير الحقيقية لمن هُزم العدو على أيديهم، ولذلك فإن قطع الطريق على مرحلة الاحتلال الخبيثة التي لا يُستبعد أن يلجأ إلى إعادة إذكاء الحالة الطائفية -التي احتوتها ونزعت فتيلها المقاومة الوطنية ومناهضو الاحتلال في التيارات العراقية الإسلامية والقومية والوطنية- لإشعال النار في وجه المقاومة ولذا فإن إعادة بلورة الوضع العسكري وتقدمه في هذا التوقيت قضية مهمة للغاية.
● البعد السياسي لمشروع التحرير
لا بد للمقاومة من برنامج سياسي مرحلي إن لم يكن دائماً بالطبع لضرورات حالة التوافق الوطني بعد التحرير، وضمان قوة التنسيق والتركيز على المبادئ الوحدوية عراقيا وعربيا بأصولها الإسلامية وآفاقها الحضارية, التي تحتوي إنسان العراق وطبيعة أرضه وثقافته المتعددة التي لا تتناقض مع هويته التشريعية، هذه الأسس ينبغي أن تجتمع عليها كل فصائل المقاومة العراقية، خاصة بعد أن تحيَّد نفوذ القاعدة بصورة كبيرة وبدأت رحلتهم المعاكسة مع وجود لا يزال قائماً لكنه أصبح مشوباً باختراقات متعددة، وفي ذات الوقت فإن الميليشيات الطائفية التي ارتكبت أكبر جرائم حرب عرفها التاريخ المعاصر، عبر ما هيأه لها نفوذ الاحتلال المزدوج شراكة أو استقلالا، قد سُحبت من الشارع لكنها لم تُصفّ ولا تزال في وضعيتها وإن اضطربت بعض حساباتها.
ولذا فإن هذه التكوينات مع أحزابها الرئيسة بالإمكان أن يستخدمها الاحتلال لإشعال الحالة الوطنية وهو بطرفيه على استعداد أن يندفع بكل ما يستطيع لحرمان المقاومة والمشروع الوطني العراقي من حصيلة النصر، ولذا فإن تفويض المقاومة لهيئات وشخصيات سياسية مناهضة للاحتلال من الطائفتين وأشقائهم مسيحيي العراق مع تواجد رموز من أبنائها في قيادات المقاومة (تحتاج المرحلة أن تدفع بهم للمشروع السياسي مع تأمين سلامتها) لا يُلغي تمسك المقاومة وحقها المشروع أن تكون قواعد المشروع الوطني قائمة على أصول التشريع الإسلامي، وهي قضية بات يتفهمها التيار القومي العربي بل ويتبنى طرحها.
لكن لا بد من روح المرونة والمبادرة في التضامن والتوحد لتعزيز صلابة الشراكة الوطنية لمشروع المقاومة السياسي، وهنا يبرز لنا دور هيئة علماء المسلمين بقيادة الشيخ حارث الضاري, وضرورة أن تمتد كل الأيادي وفصائل المقاومة للتضامن مع الهيئة بشخصيتها الاعتبارية كمركزية مهمة للمشروع الوطني للتحرير, وهذا لا يعني أن تتطابق كل الرؤى لدى الفصائل أو الفعاليات والهيئات والشخصيات المناهضة للاحتلال والمؤتمنة في اختراق المحورين، لكن من الأهمية بمكان أن ينعقد تحالف صلب وجامع يؤسس لعراق المستقبل لأجل النصر وما بعده لمشروع حضاري إسلامي لمركز العروبة وماضي الخلافة في دار السلام.
عوامل مساعدة للمشروع الوطني
من الواضح أن أوباما يسعى للخلاص من الملف العراقي ولو مرحلياً ليستطيع أن يتفرغ لتداعيات الملفات الأخرى, ولذا ألمح إلى تبكير خطة الانسحاب قبل موعده المقرر وهو ما ذكرناه بأنه انسحاب إلى القواعد, ما لم يطور أوباما وضعه إلى انسحاب إلى خارج العمق العراقي والتمركز في الكويت وفي كردستان العراقية في مواجهة تصعيد المقاومة، ولذا تعددت نداءات حكومة المالكي بأن لا يتعجل أوباما بالانسحاب لأن حالتها الأمنية والسياسية ستنكشف وقد تضطر أن تُدخل قوات رسمية نظامية من الجيش الإيراني إلى العراق لدعم حكومة الاحتلال وهو ما لا نتمناه، وأن تعقل الحكومة الإيرانية معنى هذا الدخول الأحمق وتبعاته على إيران والعراق والمنطقة.
النصر لمن صنعه
وفي كل الأحوال فإن هذا الاضطراب من مصلحة المقاومة العراقية ومشروعها السياسي في ظل النصر الذي شهدته لشقيقتها في غزة مع كل الحرب العالمية والحصار لذلك الشريط، وفي الوقت نفسه فإن اضطراب الأطراف العربية والتوازن الدولي المختل وخشيتها من أجواء تغير الحالة الأميركية في فترتها الانتقالية سيساعد على دعم لوجستي لتوقيت معركة الحسم، ومع ما أعلنته المقاومة مراراً بوضوح من عدم وجود أي نية لتأثيرات مباشرة على دول المنطقة من خلالها، بل العكس صحيح أي أن الأوضاع القادمة خارج إرادة المقاومة الوطنية العراقية هي التي ستفتح النار على مستقبل الخليج، فإن المنطقة العربية والخليج خصوصا ينبغي أن يعي هذه المسؤولية لمصالحه، خاصة عدم تمكين أي من محاولات الالتفاف على مشروع المقاومة من استخدام أراضيه وإلا فستكون الضريبة مضاعفة في التسديد.
إنها المرحلة الأخيرة بالمؤشرات الإستراتيجية لمن ضحوا في سبيل التحرير والهوية العربية الإسلامية وكرامة العراق العظيم أرض الحضارات، وهي ساعة النصر المستحقة لمن بذلوا واستشهد إخوانهم وأهلوهم بحِراب المحتل وحلفائه ليحرزوا النصر الأكبر وتحتفل بهم الأمة كما احتفلت بنصر غزة، والمهم نصر شعب العراق ووحدته وسلامته الوطنية تحت راية العروبة والإسلام وهذا ظننا بمقاومة العراق العظيم
المقالات المنشورة تعبر عن راي كاتبيها
المقاومة العراقية وعهد أوباما .. المعركة المركزية..مهنا الحبيل
