إعلام حرب أم حرب إعلام، أي يكن فهي حرب لها أبعادها ولها قوانينها، ولها أساليبها، فبالإعلام كسبت أمريكا حرباً واحتلت العراق، وبالإعلام وقفت المقاومة في العراق نداً لا يستهان به في مواجهة أمريكا، وعلى الإعلام راهنت أمريكا لكسب حربها المستمرة والخاسرة عسكرياً..
كاميرات متطورة، وأجهزة حديثة، وأساليب عمل مبتكرة، تتناسب وحجم الحرب الإعلامية، وميدان حرب، الموت لا يفرق فيه بين حامل بندقية، أو (آر بي جي)، وبين حامل قلم أو كاميرا !
العديد من فصائل المقاومة تسابقت من خلال هذه الحرب على أبراز عملياتها المسلحة ضد القوات المحتلة، وحاولت عبر إصداراتها رفع معنويات الشارع العراقي، وقبل ذلك معنويات منتتسبيها، كما أنها نجحت في كسب ود أعداد كبيرة من الشباب نتيجة بثها ما يجعلهم يتحفزون للتصدي ومقاتلة القوات المحتلة من خلال التركيز على ما يجعل المتلقين يستشيطون غضباً ضد وجود المحتل على أراضيهم.
أمريكا اليوم تواجه مشكلة تراها حسب مقاساتها كبيرة جداً، وهي بالفعل كذلك، ألا وهي تنامي القدرات الإعلامية لفصائل المقاومة العراقية المسلحة، فكثيراً ما أعترف البنتاغون بصعوبة مهمة المحتلين في بلاد الرافدين، نتيجة الجهد الإعلامي الكبير لفصائل المقاومة المسلحة التي خطّت بحسب التقارير الأمريكية خطوات كبيرة نحو الأمام، فباتت منافساً لا يستهان به في مواجهة إعلامهم المدعوم دولياً، وعربياً، وحكومياً عراقياً.
فصائل المقاومة العراقية أدركت هذا الشيء منذ أول أيام عملها، فأخذت تركز على الجانب الإعلامي، والحرص على كتابة البيانات والإصدارات الصوتية والمرئية باستمرار، إضافة إلى إيصال التوجيهات والإرشادات العامة إلى أفرادها عبر إعلامها بمختلف صوره، إلى جانب كسب ود بعض القنوات التلفزيونية التي تبث آخر عملياتها التي تستهدف قوات الإحتلال والدروع البشرية المحلية المرافقة لها.
كما إنها عملت على كسب، واستقطاب الكثير من الطاقات الإعلامية، من الساحة الصحفية والإعلامية، مستفيدة من خبراتها وطاقاتها الإعلامية في هذا الجانب، لهذا نرى العديد من الصحفيين والمصورين والمراسلين والكتاب منحازين بطريقة أو بأخرى إلى جانب المقاومة، وقد وظفوا خبراتهم، وإمكانياتهم الإعلامية، وعلاقاتهم المتشعبة، ووضعوها في خدمة فصائل المقاومة هذه.
ومن خلال متابعتي لهذه الإصدارات على إختلاف أنواعها أولاً بأول شدني إصدار أنتجته إحدى فصائل المقاومة أظهر الجهد الإعلامي الضخم والإمكانيات الصحفية والإعلامية التي تمتلكها، وأظهر كيفية انجازهم لمهامهم الإعلامية في ظل ظروف صعبة بل يكاد يكون فيها التصوير والعمل الإعلامي شبه مستحيل، لكنهم ظهروا وهم يخترقون أسوار المدن المحصنة برفقة أفراد من المقاومة، ويغطون الاشتباكات، والمواجهات والمعارك المسلحة، ما اظهر جلياً أهمية، ودور الكاميرا في هذه الحرب، التي أتت على الأخضر واليابس، وتسليط الضوء على الخطر المميت الذي يحدق بالإعلامي المرافق لهذه الجماعات.
فصائل أخرى أنتجت أعمالاً مشابهة بشكل أو بآخر لطريقة أنتاج الأفلام السينمائية، إذ نجد بعض من هذه القصص يتم إنتاجها بشكل قصص صحفية مثيرة، ما يؤكد وجود إعلاميين وفنيين متخصصين في هذا الميدان، يظهر بعضهم على الملأ متخفياً بلثام، فيما يكتفي البعض الآخر بالعمل من خلف الكواليس، او بإدارة العمل من بعيد.
هذه العقول التي تقف وراء هذه الإصدارات، وهذه الأعمال التي تنتجها المقاومة، بمختلف أشكالها، كانت سبباً لشن الحرب على الصحفيين والإعلاميين، ما جعلهم هدفاً سهلاً للقتل والاعتقال، حتى وصلت أعداد القتلى بين صفوف أبناء هذه المهنة، أرقاماً مهولة، ومخيفة، ومرعبة تجاوزت بكثير أعداد الذين قتلوا في حرب فيتنام، التي زاد عمرها على العشرين عاماً، فيما لا تزال السجون والمعتقلات العراقية شاهداً، ودليلاً حياً على استمرار عمليات انتهاك حرمة بلاط سيدة الجلالة، والسلطة الرابعة، التي ضاعت قبلها السلطات الثلاث التي تسبقها في ظل ديمقراطيات عصر الكابوي الأميركي الحديث!
إن البعض من هذه الإصدارات الخاصة بفصائل المقاومة المسلحة ركزت على رسالة مهمة أرادت من خلالها إيضاح ان العمل الإعلامي حاضر بقوة في المعركة، إلى جانب تناولها الوجه الآخر للمقاوم، غير وجه القسوة والقوة، الذي يجابه به المحتل، إذ يظهر هؤلاء وهم يتسامرون، ويضحكون، ويتبادلون الأحاديث الودية، فأظهرت قاتل المحتل بوجه لين، بشوش، مُتبسّم حينما يكون ذلك مع زملائه وإخوانه، إلى جانب إظهار ان أفراد المقاومة لا يأبهون بالموت، وإنهم أشداء، مؤمنون بقضيتهم، من خلال مراسيمهم التي يؤدونها قبل التوجه إلى مواقع القتال والاشتباكات العنيفة التي يخوضونها، والتي رسمت صورة مغايرة لما كان يظنه البعض عن طبيعة المقاوم والمجاهد حينما يكون مع رفاقه بعيداً عن المعركة.
كما أن هذه الإصدارات تثبت وبما لا يقبل الشك ان الحديث عن توقف المقاومة او ضعفها هنا او هناك، أنما هي أكاذيب وتخرصات، يرددها المحتل وأجهزته الإعلامية، وأبواقه الدعائية.
إصدارات أخرى شدتني كذلك، ركزت على ما يجري خلف الكواليس، أثناء تصوير مشاهد هذه الإصدارات، والمواقف المحرجة التي يتعرض إليها القائمون على العمل، وهو ما ينم عن حرفة كبيرة، حتى أخذت بعض من هذه الإصدارات تظهر مشابهة لأفلام (جاكي شان) ذائعة الصيت التي تنتهي باستعراض المواقف المحرجة والطريفة في نهاية الإصدار والتي تعرض لها القائمون على الفلم أثناء مراحل التصوير، وهو ما جعل بعض من هذه الإصدارات أقرب إلى الأفلام السينمائية منها إلى الإصدار الإعلامي، وفي ذلك نقلة نوعية في مجال إعلام المقاومة العراقية.
إن مثل هذه الإصدارات تعد تحولاً جذرياً في مسار السياسة الإعلامية لفصائل المقاومة العراقية.. كما أنها ترسم ملامح، وطبيعة، وشكل الصراع المحموم بين الإعلام الأمريكي، والإعلام العربي المؤتمر بأمره ومعهما الإعلام الحكومي المسموم من جهة، وبين إعلام المقاومة العراقية المسلحة، الذي اعترف المحتل، قبل غيره، بتناميه بشكل يصعب من خلاله مجاراته داخلياً على الأقل!
فيا ترى هل ستكون الغلبة، في هذه الحرب الإعلامية، لطرف يمتلك من الإمكانيات المادية ما يؤهله لكسبها، أم للطرف الذي، ورغم إمكانياته البسيطة، والمحدودة، تمكن من كسب – إلى جانب الشارع الداخلي- خبرات إعلامية وصحفية كثيرة ؟!
سؤال ننتظر القادم من الأيام لتفصح لنا عنه، ولتتضح لنا صورته النهائية بدقة في هذه الحرب، التي يعد فيها القلم والكاميرا، بألف مدفع!
المقالات المنشورة تعبر عن رأي كاتبيها
كتائب الأقلام وسرايا الكاميرات..والإعلام الجهادي! حسين المعاضيدي
