هيئة علماء المسلمين في العراق

انتخابات العراق.. تأملات دموية / سعد محيو
انتخابات العراق.. تأملات دموية / سعد محيو انتخابات العراق.. تأملات دموية / سعد محيو

انتخابات العراق.. تأملات دموية / سعد محيو

استنتاجات كثيرة سيخرج بها المحللون من النتائج المفاجئة لانتخابات المحافظات في العراق ، فالبعض سيعتبر الانتصار الكبير لـ( ائتلاف دول القانون ) الذي يتزعمه نوري المالكي، نصراً حقيقياً لعقلانية القانون ومبادئه على جنون الميليشيات وتعصبها ، وهذا بالطبع سيكون استنتاجاً في محله حين نتذكر ما جرى للعراق وشعبه بعد أن حلّت قوات الاحتلال الامريكية الدولة العراقية بكل مؤسساتها وتركت بلاد الرافدين أرضاً مستباحة لشريعة الغاب.
البعض الآخر لن يرى في هذا التطور سوى محصلة طبيعية وبديهية للأولوية القصوى التي بات الأمن يحتلها لدى المواطنين العراقيين ، خاصة بعد أن نجحت الحملات الأمنية التي شنها الجيش العراقي في كل من البصرة وبغداد ومدن أخرى في تقليص نفوذ الميليشيات والعصابات في هذه المناطق.
ثم هناك من يطل على هذه الانتخابات بصفتها انتصاراً للهوية الوطنية العراقية وانكساراً للهويات الطائفية القاتلة ، التي كانت تخطط لتقسيم الوطن العراقي تحت شعار الفيدرالية أو الحكم الذاتي الانفصالي للأقاليم.
كل هذه المحصلات تبدو مقنعة وقوية ، لكن ما يهمنا منها هنا شيء آخر هو السقوط المدوي للأحزاب الدينية ، وذلك لعلاقته الوثيقة بالتمخضات التي مرّ بها ، ولا يزال ، العالم العربي  الإسلامي في مجال العلاقة بين الدين والسياسة.
فهذا التطور كشف بشطحة قلم أمرين اثنين :
* الأول : حجم الكوارث التي أنزلها الغرب ومعه الأنظمة السلطوية بشعوب المنطقة ، حين قرر منذ بداية التسعينات تدمير أحزاب الإسلام السياسي بقوة السيف والعنف ، بدل منحها فرصة اثبات الفشل أوالنجاح ، البداية كانت في الجزائر ، حيث أزهقت الحرب الأهلية التي أشعلت فيها بحفز أمريكي وفرنسي أرواح أكثر من 100 ألف مواطن بريء ، لكن هذه كانت البداية فقط ، إذ سرعان ما تمدد هذا القرار الدموي ليشمل معظم الأقطار العربية وبعض البلدان الإسلامية (تركيا في العام 1999).
والثاني : أن الأحزاب الدينية غير قادرة بالضرورة على ضمان النجاح أو حتى الاستمرار في السلطة ، لمجرد رفع لافتات دينية عامة ، فمعايير السياسة والسلطة والتدبير الاقتصادي ، تختلف اختلافاً بيناً عن مقاييس القيم المجردة أوالروحانية ، وما لم تثبت هذه الأحزاب قدرتها على تلبية مطالب الناس وحاجاتهم من أمن وأمان ومستوى عيش لائق وتقدم اقتصادي وحد أدنى من الحريات وحقوق الإنسان ، فلن تستطيع كل شعاراتها اللاهوتية حمايتها من غضبة الناخبين في أقلام الاقتراع.
الآن ، إذا ما وضعنا هذين العاملين في الاعتبار ، ثم تخيلنا أن عقارب الساعة عادت 25 سنة إلى الوراء لترسم لوحة عالم سمح فيه لكل الأحزاب والمنظمات العربية التي ترفع لواء الدين بخوض عباب المعترك السياسي ، فماذا سنجد؟
أمر واحد حتماً : مجتمعات مدنية عربية أكثر استقراراً ومسالمة وانفتاحاً ، ومعارضات عربية أقل عنفاً وشراسة وسرية ، أو هذا على الأقل ما توحي به النتائج المفاجئة لانتخابات العراق .
المقالة تعبر عن رأي كاتبها
ح

أضف تعليق